ولاء عبد المرضي

شهدت السنوات الأخيرة اتجاهًا يميل إلى أهمية ربط قطاع الصناعات العسكرية الإسرائيلية بالأسواق المالية العالمية وتحديدًا الأمريكية، خاصة بورصة ناسداك[1]؛ والتي تُعد مركزًا رئيسيًّا لشركات التكنولوجيا الخاصة المتقدمة. وبالفعل استطاعت بعض الشركات الإسرائيلية أن تندرج فيها حيث يوجد ما يقرب من 135 شركة إسرائيلية، حتى أصبحت إسرائيل في الترتيب الرابع من حيث عدد الشركات بعد الولايات المتحدة والصين.

pin up pinup

ولكن وزير الاقتصاد الإسرائيلي نير بركات كان له وجهة نظر تكامليه عرضها في مؤتمر الهايتك الذي عُقد في الفترة من 17 إلى 18 فبراير 2026 في مركز إكسبو تل أبيب، ويجمع بين أبرز شركات الصناعة العسكرية الإسرائيلية، ووفود دولية من الدول الأخرى، وتم عرض تقنيات مبتكرة تشمل حماية البنية التحتية، ومكافحة الإرهاب، والدفاع السيبراني، حيث أنه قال في هذا الجمع الكبير أنه لابد من ضم شركات التكنولوجيا كلها وخاصة الحكومية المتخصصة في الصناعات العسكرية، وانتقد خلال كلمته أداء بورصة تل أبيب والشركات التي تدرج فيها، وقال: “الشركات الضعيفة فقط هي التي تدرج في إسرائيل، أما شركات الهايتك الناجحة فتتجه مباشرة إلى الولايات المتحدة وتدرج هناك، وتحديدًا في بورصة ناسداك”، واستكمل بأنه لابد من أن يتم ادراج بعض الشركات الكبرى مثل “Israel Aerospace Industries” وهي من أكبر شركات الصناعات العسكرية وتحديدًا في الأقمار الصناعية، والطائرات بدون طيار، والصواريخ والدفاع الجوي، والرادارات وشركة ” Rafael Advanced Defense Systems” التي طورت منظومة القبة الحديدية، وصواريخ سبايك وبعض أنظمة الدفاع الجوي والتي تتبع الحكومة الإسرائيلية ولا تندرج تحت أي بورصة.

كما أن هناك شركات كبيرة تدرج في البورصتين بورصة تل أبيب وبورصة ناسداك مثل شركة Elbit Systems في مجال الدفاع أكبر شركة إسرائيلية من حيث القيمة السوقية، وهي مملوكة للملياردير الإسرائيلي مايكل فيدرمان، وتعمل الشركة في مجالات متنوعة، تشمل الطيران والفضاء، والقيادة والسيطرة البرية والبحرية، والاتصالات، وأنظمة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع. وخلال يومي التداول الماضيين، ارتفعت قيمة حصة فيدرمان البالغة 42.1% في الشركة بأكثر من 5 مليارات شيكل إسرائيلي.

 

* إدراج شركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية في بورصة ناسداك:

إن ادراج شركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية في بورصة ناسداك له أكثر من هدف من وجهة نظر إسرائيل وهى:

(1) إدراج الصناعات العسكرية إلى القطاع الاستثماري

وهو ما سوف يؤدي إلى جذب الاستثمارات الطائلة والضخمة، مما يؤدي إلى سهولة تمويل البحث والتطوير في هذه المجالات التي تتمثل في صناعة الأسلحة والمسيرات والذكاء الاصطناعي في المجال العسكري والحرب السيبرانية.

(2) تعزيز التعاون بين الصناعات العسكرية والهايتك

حيث أن العديد من الشركات الإسرائيلية المُدرجة في ناسداك تعمل في مجالات ثنائية مثل الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وهذا يُسهل عملية التكامل بين أكثر من مجال في آن واحد، مثل تدخل الهايتك في الصناعات العسكرية مما يجعلها أكثر تطورًا.

(3) توسيع النفوذ الاقتصادي الأمني

ادراج مثل هذه الشركات يؤدي على زيادة رقعة الاستثمارات التي يمكن أن يتنافس عليها رجال الأعمال والشركات الأخرى الكبرى، مما يعزز الاستثمار في المجال والتربح منه.

* أبرز الرسائل التي كانت في مؤتمر الهايتك 2026

(1) تحويل إسرائيل إلى مركز للتكنولوجيا
من أبرز الرسائل التي تم النقاش فيها في المؤتمر أنه لابد من تحويل إسرائيل من مجرد منتج للسلاح إلى دولة متقدمة في تطور التكنولوجيا التي تُستخدم في الصناعات العسكرية، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والروبوتات العسكرية.

(2) دمج القطاع العسكري ضمن الاستثمار المفتوح
كان هناك العديد من صناديق الاستثمار في المؤتمر، وهذا ما جعل البعض يطرح فكرة أنه لابد من تحول الصناعات العسكرية إلى المجال الاستثماري؛ وهذا سوف يؤدي بالطبع إلى زيادة الاستثمارات فيه.

(3) تقليل الاعتماد العسكري على الولايات المتحدة
أشار الكثير من المشاركين إلى ضرورة تعزيز قدرة إسرائيل على تطوير وتمويل صناعاتها العسكرية بنفسها من خلال تبني الأفكار الابتكارية والتمويل، ومن ثَم تتمكن إسرائيل من الاستقلال عن الولايات المتحدة في الصناعات العسكرية، بل وأيضًا يمكنها التصدير وسوف يؤثر هذا في الموازنة السنوية.

(4) تسويق التكنولوجيا “المجربة في القتال
تعتمد إسرائيل في تسويق منتجاتها العسكرية على فكرة أنها Combat-Proven وهو مصطلح يُستخدم لوصف المعدات العسكرية، الأسلحة، أو التكتيكات التي تم استخدامها بنجاح في معارك حقيقية وأثبتت كفاءتها وأدائها المخطط له في ظروف الحرب الواقعية، ولعل أبرز مثال على هذا  منظومات الذكاء الاصطناعي التي استخدمتها إسرائيل في حرب غزة مثل “الذئب الأزرق” و”قطيع الذئاب” للمراقبة وتحديد الأهداف بسهولة مما سهل قنص الأهداف المطلوبة ، وفي النهاية الاهتمام بهذا الجزء هو عامل جذب رئيسي للمستوردين الدوليين.

الجدير بالذكر أن الصناعات العسكرية الإسرائيلية حققت أرقامًا قياسية تاريخية في التصدير، مما يؤكد الطلب العالمي على هذه التكنولوجيا العسكرية المجربة في ساحات الحروب. في عام 2024 بلغت الصادرات العسكرية الإسرائيلية مستوى قدره 14.8 مليار دولار، وفي عام 2025 بلغ حوالي 14.7 مليار دولار وهو رقمًا قياسيًّأ مما جعل إسرائيل ثامن أكبر مُصدر للأسلحة في العالم رغم صغر حجمها. فنجد أن الاتفاق على الصاروخ “آرو 3″ الألماني بلغت قيمته أكثر من 6.5 مليار دولار، وقد تم عقد اتفاقية بقيمة 3.1 مليار دولار وُقّعت في يناير 2026، وهي أكبر صفقة تصدير أسلحة في تاريخ إسرائيل، وقد استطاعت شركات إسرائيلية توقيع عقود ضخمة فنجد أن  شركة ” Elbit Systems ” قامت بإمضاء عقد قيمته 1.6 مليار دولار من صربيا لتوريد طائرات بدون طيار وأنظمة قيادة وتحكم، وكذلك تم الاتفاق على عقد شركة ” U-Vision Air” مع الجيش الأمريكي بقيمة 982 مليون دولار وهو ما يوضح أن الولايات المتحدة تعترف بتفوق الأسلحة الإسرائيلية، وأيضًا تستعد شركة ” Rafael Advanced Defense Systems ” لمبيعات كبيرة إلى اليونان وحلفاء آخرين في حلف الناتو.

تداعيات وجود الصناعات العسكرية الإسرائيلية في بورصة ناسداك على الأمن الإقليمي:

(1) زيادة تمويل الصناعات العسكرية الإسرائيلية:

إدراج الشركات العسكرية الإسرائيلية في البورصة الأمريكية يتيح لها الوصول إلى تمويلات ضخمة من المستثمرين وصناديق الاستثمار، مما يؤدي إلى زيادة البحث والتطوير في كافة المجالات الحديثة ومن ثَم تسريع تطوير المنظومات قتالية ومنه سوف يتم تعزز التفوق العسكري الإسرائيلي أكثر وأكثر في المنطقة.

(2) تعزيز التعاون الإسرائيلي الأمريكي:

يرى إسرائيل كايتس وزير الدفاع أن إسرائيل في الحروب تُعتبر “دمية في يد واشنطن”، وهذا يعني أن هناك اتجاه يفكر ويدعو إلى أن  تستقل إسرائيل عن الولايات المتحدة وتمتلك العديد من الصناعات العسكرية بمختلف أنواعها ولا تحتاج لدعم الولايات المتحدة.

(3) زيادة الصادرات وخرق الأمن الإقليمي:

في حال تمكنت إسرائيل من تمويل هذه الصناعات سوف يجعلها تُصدر لكل الدول وخاصة الدول التي بينهما اتفاقيات، ومنها الدول التي وقعت على الاتفاقيات الإبراهيمية، مما يسهل على إسرائيل وضع تقنيات تجسسية يمكن لها من خلالها اختراق المنطقة بالكامل.

ومن هنا فإن الأمر ليس باليسير، بل هو محاولة لوصول إسرائيل وترأسها على العالم أجمع.

ختامًا:

إن محاولة إسرائيل إدراج الصناعات العسكرية في بورصة ناسداك الأمريكية والاهتمام بعقد مؤتمرات مثل مؤتمر الهايتك 2026 يعكس تحولًا استراتيجيًّا في بنية الاقتصاد الإسرائيلي، حيث إن هناك اتجاهًا لتحويل الصناعات العسكرية إلى قطاع استثماري عالمي، وكذلك تعزيز مكانة إسرائيل كمركز تكنولوجي للأمن والصناعات العسكرية. وبذلك لم تعد تلك الصناعات مجرد أداة عسكرية، بل سوف تصبح رافعة اقتصادية واستراتيجية تساهم في تعزيز النفوذ الإسرائيلي في الاقتصاد العالمي.

 

[1] ) هي بورصة إلكترونية لتداول الأوراق المالية. وهي ثاني أكبر بورصة في العالم بعد بورصة نيويورك من حيث القيمة السوقية، حيث بلغت قيمتها ٢٢,٣٣ تريليون دولار. تأسست بورصة ناسداك عام ١٩٧١. ومقرها نيويورك. وتدير ٢٥ سوقًا و٥ ودائع أوراق مالية مركزية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. وتُعتبر ناسداك أول بورصة تتيح فرص التداول عبر نظام إلكتروني. ويرتبط اسمها بشركات التكنولوجيا ارتباطًا وثيقًا. ولذلك تُدرج أغلب شركات التكنولوجيا عليها. وهو ما يميزها عن بورصات أخرى مثل بورصة نيويورك. ومن أشهر الشركات المدرجة في بورصة ناسداك آبل وتسلا وأمازون ومايكروسوفت.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version