كتب: حسين محمود التلاوي (باحث بوحدة الدراسات الإفريقية)

وجهت السودان اتهامات إلى إثيوبيا يوم الإثنين 1 مارس بإرسال طائرات مسيرة إلى داخل الأراضي السودانية وتوجيه ضربات هناك، مُشيرةً إلى أن هذا التصرف انتهاك لسيادة السودان واعتداء على أراضيه. وأكدت السودان احتفاظها بحق الدفاع عن سيادتها ضد تلك الاعتداءات التي نفت إثيوبيا في اليوم التالي التورط فيها.

pin up pinup

نستطلع في هذه الورقة خلفيات تلك الاتهامات السودانية، وطبيعة التوقيت الذي جاءت فيه على مستويات العلاقات الثنائية، والحرب في السودان، والظروف الإقليمية والدولية المتوترة.

 

أولًا: الارتباط بالداخل

تأتي الحادثة في توقيت بالغ الدقة للسودان وإثيوبيا على حدٍ سواء. ففي الداخل السوداني، ينخرط الجيش في حرب ضد متمردي الدعم السريع منذ أبريل 2023، وقد بدأ الجيش السوداني في تحقيق انتصارات ميدانية على قوات التمرد قد تمهد الطريق نحو مكاسب محورية تفرض واقعًا ميدانيًّا جديدًا. في ظل هذه الظروف، من الطبيعي أن تنظر السودان بعين القلق إلى أي تحرك سياسي أو ميداني إزاءها من الأطراف الجارة، يتداخل مع هذا الوضع الميداني المتفاعل سريع التغير.

في المقابل تأتي الضربات في توقيت حساس لإثيوبيا التي تشهد مجموعة من التوترات في الداخل والخارج؛ حيث تشهد توترات، وصلت أحيانًا إلى مستوى التصعيد العسكري، في إقليم تيجراي الذي تحتشد القوات الإثيوبية في تخومه. كذلك تعاني العلاقات الإثيوبية الإريترية من توترات وصلت إلى حد التهديد بالحرب، بسبب خلافات حدودية والرغبة الإثيوبية في الوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء عصب الإريتري، “ولو بالقوة” وفق تصريحات رسمية إثيوبية.

 

ثانيًا: العلاقات الثنائية

لا يمكن وصف العلاقات السودانية الإثيوبية بأنها علاقات مستقرة على المستوى التاريخي؛ حيث تعاني من مجموعة من بواعث التوتر؛ في مقدمتها الخلافات الحدودية؛ وبوجه خاص في منطقة الفشقة السودانية. يضاف إلى ذلك الاتهامات المتبادلة تاريخيًّا بدعم المتمردين في كلا البلدين، إلى جانب الملفات المتفاعلة حديثًا؛ وهي سد النهضة، واحتمالات التورط الإثيوبي في دعم متمردي الدعم السريع في السودان.

فيما يخص النزاع حول منطقة الفشقة، فهي منطقة سودانية قانونيًّا وفق اتفاقيات 1902 وترسيم الحدود 1907، لكنَّ بها مزارعين إثيوبيين تحميهم ميليشيات محلية تسمى “الشفتة” تلقى الدعم من الجيش الإثيوبي، أو على الأقل يتغاضى عن وجودها في المنطقة. وفي الفترة بين عامي 2020 و2021 أعاد الجيش السوداني انتشاره في المنطقة عقب سقوط نظام الرئيس السوداني عمر البشير عام 2019؛ وهي الخطوة التي اعتبرتها إثيوبيا “فرض أمر واقع بالقوة” على الرغم من أن الأمر لا يتجاوز نشر دولة لقوات جيشها في منطقة تقرّ الاتفاقيات الثنائية بين البلدين أنها جزء من التراب السوداني.

ومن ناحية سد النهضة، تطلب السودان، ومعها مصر، من إثيوبيا توقيع اتفاق ملزم لإدارة سد النهضة وتشغيله، يضمن عدم مساس السد بحصص الدولتين في مياه النيل، لكن إثيوبيا رفضت ذلك الطلب، على الرغم من اتفاقه مع قواعد إدارة الأنهار؛ ما أثار الخلاف بين القاهرة والخرطوم من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى.

 

ثالثًا: الإطار الإقليمي

من الصعب فصل التحرك الإثيوبي الأخير عن الوضع في منطقة القرن الأفريقي والتوترات الإقليمية في المجمل؛ بالنظر إلى تماسّ هذا التحرك مع عدة مسارات.

المسار الأول استقرار الدولة السودانية. تنظر إثيوبيا إلى استقرار السودان نظرة متضاربة في محدداتها؛ فعلى الرغم من أن استقرار السودان قد يفيد إثيوبيا في عدم انتقال التوترات ممثلة في المقاتلين واللاجئين إلى أراضيها، قد يؤدي استقرار الدولة السودانية إلى بدء تحركها بأريحية في ملفات الخلاف مع إثيوبيا؛ مثل سد النهضة، والخلافات الحدودية، وانتقال المقاتلين والسلاح إلى داخل الأراضي السودانية. لذلك ربما يكون من مصلحة إثيوبيا أن تضع الدولة السودانية تحت ضغط لا يؤدي إلى انهيارها، لكن يُبقيها في حالة من عدم الاستقرار.

المسار الثاني سد النهضة. هذا المسار المهم يدور حول الخلاف المصري الإثيوبي في سد النهضة. أدى هذا الخلاف  إلى نشوء الاستراتيجية المصرية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي؛ وهي الاستراتيجية التي هددت طموحات إثيوبيا بالوصول إلى منفذ على البحر الأحمر، وأشعرتها أنها “تحت الحصار” المصري بعد الاتفاقيات الدفاعية والتنموية التي وقعتها مصر مع مجموعة من دول الإقليم ودول منطقة البحيرات في الجنوب من القرن الإفريقي.

في الأزمة السودانية تدعم مصر الدولة السودانية ومؤسساتها؛ ومنها الجيش السوداني، في مواجهة حركات التمرد المسلحة؛ وعلى رأسها الدعم السريع. من هنا قد تُفهم ضربات الطائرات المسيرة الإثيوبية على أنها إشغال الجيش السوداني بما يؤدي إلى تخفيف الضغوط التي يفرضها ميدانيًّا في الفترة الأخيرة على قوات الدعم السريع التي يهم إثيوبيا أن تبقى قوية كمصدر تهديد لمصر على حدودها الجنوبية.

 

رابعًا: الظرف الدولي

على الرغم من أن الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران تقع خارج نطاق القرن الإفريقي بل القارة الإفريقية ككل، فإن تداعياتها ربما تكون قد وصلت إلى المنطقة على أجنحة الطائرات المسيرة الإثيوبية.

يُنظر إلى الإمارات على أنها أبرز داعمي قوات الدعم السريع المتمردة في السودان، لكن الإمارات في الفترة الحالية منشغلة بتداعيات الهجوم على إيران التي وجهت ضربات للقواعد والمصالح الأمريكية في كل بلدان الخليج؛ ومن بينها الإمارات التي نالت القدر الأكبر من الصواريخ الإيرانية التي طالت بلدان الخليج.

لذا قد يمثل التحرك الإثيوبي “محاولة إسناد” للدعم السريع المأزوم بسبب احتمالات تقلص الدعم الإماراتي المفترض، من خلال فتح جبهة توتر للجيش السوداني تستقطب جزءًا من جهده اللوجستي والميداني والأمني؛ الأمر الذي يخفف ضغوطه عن الدعم السريع.

إلى جانب ذلك، ربما تأمل إثيوبيا أن تؤدي المواجهات، بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلى استقطاب جزء من الجهد الاستخباري والعسكري المصري بعيدًا عن الملف السوداني؛ فيفقد الجيش السوداني عنصر دعم مهم في معركته ضد التمرد؛ فيؤدي فتح جبهة توتر جديدة معه إلى عرقلة تقدمه.

أمر آخر مهم يتمثل في العلاقات العسكرية السودانية الإيرانية التي بدأت تتوطد بين عامي 2024 و2025 بحصول السودان على مسيرات “مهاجر 6”. قد يرى المخطط الاستراتيجي الإثيوبي أن الهجوم على إيران يحرم الجيش السوداني من مصدر مهم للسلاح؛ مما يجعل أي ضغط عليه يحدث أثرًا كبيرًا.

 

ختامًا

تأتي الاتهامات السودانية إلى إثيوبيا في ظرف دقيق لكلا البلدين داخليًّا، وفي توقيت لا يمكن معه فصل الخطوة الإثيوبية عن التطورات الإقليمية والدولية؛ بحيث يجري استغلال التوترات السودانية الإثيوبية، والعلاقات الجيدة بين إثيوبيا ومتمردي الدعم السريع لتحقيق أهداف تتجاوز نطاق الإقليم، وترتبط بخطط استراتيجية لقوى دولية كبرى.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version