حسين محمود التلاوي
المستخلص:
تجري الجزائر انتخابات تشريعية أوائل يوليو المقبل 2026م، وبالنظر إلى رغبة الدولة الجزائرية في إشاعة مناخ عدم الاستقطاب في ظل ظرف إقليمي مضطرب وإصلاحات داخلية “حذرة” ليس من المتوقع أن تؤدي الانتخابات إلى تغيير في المشهد البرلماني أو السياسي العام في الجزائر.
تأتى الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها بالجزائر في 2 يوليو القادم في ظل ظرف إقليمي معقد وتطورات داخلية في مختلف القطاعات؛ وبوجه خاص القطاع الاقتصادي والدعم الاجتماعي. وعلى الرغم من وضوح تعقيد الظرف الإقليمي والتطورات الداخلية، فإنه من غير المرجح أن تؤدي الانتخابات إلى تغييرات جذرية في المشهد السياسي الراهن أو توازناته، وكل ما يمكن أن تسفر عنه هو إعادة ترتيب بعض مفردات المشهد دون المساس بإطاره العام أو مكوناته الأساسية.
تستعرض هذه الورقة أبرز ملامح الوضع الداخلي للجزائر والمشهد الإقليمي المحيط بها، مع إلقاء الضوء على بعض النقاط في المشهد الانتخابي وأسباب عدم توقع حدوث اختراق في تلك الانتخابات.
تطورات داخلية “حذرة“
تشهد الجزائر حاليًّا مجموعة من التطورات تتركز أغلبها في الجانب الاقتصادي والمعيشي؛ حيث تسعى الدولة إلى جذب الاستثمارات- سواءً كانت أجنبية أو محلية- مع فتح “محسوب” لقطاع السياحة الوافدة؛ وبوجه خاص الى مناطق الجنوب. بالتوازي مع ذلك تسعى إلى تحسين الحالة المعيشية للمواطنين باتخاذ إجراءات مثل زيادة الحد الأدنى لرواتب المعلمين، وتقديم منحة سفر بقيمة 750 يورو للفرد البالغ عند السفر للسياحة خارج البلاد.
لكن الجزائر دولة تتسم بالتنوع في مسارات مختلفة؛ مثل الممارسة السياسية، والمكونات الاجتماعية، بل حتى في التضاريس الجغرافية من الساحل في الشمال وصولًا إلى الصحراء الكبرى في الجنوب؛ ما جعل أهلها يطلقون عليها لقب “الجزائر القارة” في تعبير عن الاعتزاز بالتنوع. لذلك تسعى الدولة الجزائرية إلى نشر مناخ “عدم الاستقطاب” لحماية هذا التنوع، وعدم المساس بأي من مكونات البلاد الاجتماعية. يفرض هذا على الدولة الجزائرية الحذر في أي خطوات انفتاح اقتصادي أو اجتماعي تتخذها لضمان عدم تسبب أي اندفاع في الإضرار بهذا المشهد المتنوع، و”تعكير” مناخ عدم الاستقطاب.
شراكات، وتعقيدات إقليمية “محكومة ومحسوبة“
على المستوى الإقليمي تعيش الجزائر في سياق إقليمي يتسم بـ”الاضطراب المحسوب”؛ فمن الأزمة الليبية إلى ملف الصحراء الغربية، مرورًا بالحرب على الإرهاب في الساحل والصحراء جنوبًا، تعيش الجزائر وسط أزمات متفاعلة لكنها غير مرشحة للتفاقم بما يهدد الأمن القومي الجزائري.
فعلى الرغم من الاضطرابات التي تسود الغرب الليبي المحاذي للشرق الجزائري، تنحصر الاضطرابات داخل التراب الليبي، وتتعاون الأجهزة الأمنية الجزائرية مع نظيرتها الليبية على منع امتداد تلك الاضطرابات الى الداخل الجزائري بانتقال المسلحين والأسلحة إلى داخل البلاد.
كذلك يبقى الحال في منطقة الساحل والصحراء محكومًا، على الرغم من العمليات المسلحة الأخيرة للتنظيمات المتمردة والإرهابية في مالي والنيجر اللتين يشتركان مع الجزائر في حدود واسعة. والأمر نفسه في ملف الصحراء الغربية الذي يمكن وصفه بأنه “غير قابل للانفجار”؛ وبوجه خاص بعد قرار مجلس الأمن الدولي باعتبار خطة الحكم الذاتي المغربية إطارًا لتسوية القضية.
لذلك كله يمكن وصف الوضع الإقليمي حول الجزائر بأنه معقد، لكن التعقيد محكوم بتوازنات وتفاهمات إقليمية ودولية. لكن وسط تلك الاضطرابات، تسعى السياسة الخارجية الجزائرية كذلك إلى تعزيز شراكاتها الإقليمية والدولية؛ بما يتفق مع توجهها نحو تعزيز الاستثمارات، وبوجه خاص في ملفات الطاقة.
وتتنوع الجزائر كذلك فى مسارات الشراكة، فهناك التوجه نحو كل من إفريقيا، والصين، والاتحاد الأوروبي، فضلًا عن العالم العربي الذي جاءت في سياقه الزيارة الرئاسية الجزائرية إلى القاهرة؛ حيث صرح الرئيس الجزائري “عبد المجيد تبون” أن الشركات المصرية “مرحّب بها” في القطاع الاستثماري الجزائري، كما عبر عن رغبته في الاستفادة من الخبرة المصرية في قطاع الإسكان الاجتماعي.
جدل المادة 200 ودعم المستقلين
وسط هذا المناخ الداخلي والخارجي، تأتي الانتخابات التشريعية التي شهدت حالة من الجدل حول عدة نقاط؛ في مقدمتها المادة 200 من قانون الانتخابات، وتقديم الدعم المالي للمرشحين المستقلين.
جدل المادة 200
تثير المادة 200 من قانون الانتخابات، وتحديدًا الفقرة السابعة منها، تخوفات ليس فقط لدى التنظيمات السياسية المختلفة، بل لدى المستقلين كذلك. تمنح هذه المادة السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات صلاحية إقصاء أي مترشح يُشتبه في صلاته بـ”أوساط المال والأعمال المشبوهة”، دون اشتراط صدور حكم قضائي نهائي بات. ويأتي الجدل من غياب آليات واضحة تحدد بدقة “مفهوم الشبهة”؛ خصوصًا في ظل عدم اشتراط صدور حكم قضائي؛ ما يثير تخوفات من أن يخضع التطبيق للتأويل السياسي أو التعسف الإداري ضد مرشحين بعينهم. ومن أبرز المتضررين المحتملين من هذه المادة الأحزاب السياسية الصغيرة والمرشحون المستقلون الأكثر لعدم تمتعهم بالغطاء التنظيمي أو القانوني القوي لمواجهة قرارات الإقصاء الإداري ومتابعة الطعون القضائية. لكن يتعين هنا الإشارة إلى أن الإقصاء شمل مرشحين من قوى سياسية ذات حضور على الساحة؛ مثل حركة مجتمع السلم الممثلة لتيار الإخوان المسلمين في الجزائر.
دعم المستقلين ماليًّا
تلتزم لجنة الانتخابات بتقديم الدعم المالي للمرشحين المستقلين؛ وبوجه خاص الشباب، ليتمكنوا من تمويل حملاتهم ما يحمل أبعاداً سياسية وقانونية مثيرة للجدل. من الناحية السياسية، يهدف هذا الإجراء إلى تشجيع الكفاءات الشابة وإبعادهم عن ضغوط تمويل أصحاب النفوذ، ما يضمن نزاهة العملية الانتخابية وصعود وجوه جديدة غير حزبية؛ وهو الأمر الذي يأتي في صلب توجه الدولة بتقليص نفوذ الأحزاب التقليدية وسيادة مناخ “عدم الاستقطاب”. أما من الناحية الدستورية، فقد أثار هذا الدعم المالي انتقاد الأحزاب السياسية التي اعتبرت تقديم دعم مباشر للمستقلين دون الأحزاب إخلالًا بمبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين الذي يكفله الدستور. لكنه يبقى اعتراضًا سياسيًّا أكثر منه دستوريًّا بالنظر إلى أن التمويل لا يقتصر على تيارات سياسية بعينها.
فرص التيارات الإسلامية
من القوى السياسية داخل التيار الإسلامي في الجزائر تبقى حركة مجتمع السلم (حمس) القوة الأكثر تنظيمًا وانتشارًا على المستوى الوطني. لكنّ فرص الحركة في تحقيق اختراق انتخابي كبير تبدو محدودة لعدة أسباب.
من هذه الأسباب فقد الحركة جزء من زخمها التقليدي بعد سنوات من المشاركة السياسية المتقطعة بين المعارضة والتعاون مع السلطة؛ مما جعل قطاعًا من الناخبين لا يعتبرها بديلًا جذريًا. كذلك فإن البيئة السياسية الحالية لا تشهد حالة استقطاب أيديولوجي حاد تدفع الناخبين نحو التصويت “وفق العقيدة” كما حدث في مراحل سابقة. وأسهم في ذلك فقدان التيار الإسلامي ورقة “القضية الفلسطينية” في ظل اختيار الجزائر ما يمكن تسميته بـ”الانخراط الهادئ” في القضية للحفاظ على المكتسبات الاقتصادية، وعدم الرغبة في شحن الشارع بأي شكل ولأي سبب.
وبوجه عام تتأرجح فرص التيار الإسلامي عمومًا، وحركة مجتمع السلم خصوصًا، بين الطموح في زيادة الحصة من المقاعد بإيجاد حالة من التعبئة الشعبية حول قضايا داخلية وخارجية، وبين عوامل تقييد يفرضها النظام الانتخابي ورغبة الدولة في منح مساحة أوسع للمستقلين؛ ما يجعل من المحتمل نجاحه في زيادة في عدد المقاعد دون تحقيق اختراق كبير.
الأمازيغ بين الجغرافيا و”الماك“
ترتبط الأحزاب ذات القاعدة الأمازيغية؛ وعلى رأسها “جبهة القوى الاشتراكية” و”التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية”، أساسًا بمنطقة القبائل وبعض المناطق الناطقة بالأمازيغية، ولذلك فإن قدرتها على التوسع الوطني تبقى محدودة؛ لأنها غير مطروحة على أجندة تلك القوى.
وعلى الرغم من إعلان حركة تقرير مصير القبائل- المعروفة في اختصارها الفرنسي بـ”ماك”- إعلانًا رمزيًّا باستقلال منطقة القبائل، لن تسعى القوى السياسية لاستغلال هذا الملف في الانتخابات لتحقيق مكاسب سياسية؛ لأن الدولة الجزائرية تصنف الحركة تنظيمًا إرهابيًّا؛ وهو ما يدفع الأحزاب الأمازيغية القانونية دومًا إلى تأكيد التزامها بوحدة الدولة الجزائرية.
لذلك من غير المتوقع أن يتغير المشهد السياسي في المناطق الأمازيغية بإعطاء الناخبين أصواتهم إلى الأحزاب الأمازيغية بوصفها قنوات سياسية شرعية لتمثيلهم، لكن “إعلان حركة ماك الاستقلال” قد يدفع جزءًا آخر نحو الامتناع عن التصويت أو نحو التصويت لقوائم أخرى غير أمازيغية تجنبًا لأي شبهة ارتباط بالنزعة الانفصالية.
الاحتمالات
تتجه المؤشرات العامة نحو ترجيح كفة استقرار المشهد السياسي البرلماني الحالي دون حدوث مفاجآت جذرية. تبدو فرص استمرار الوضع القائم مرتفعة نسبيًّا، ليس فقط بسبب موازين القوى الحزبية، بل أيضًا بسبب طبيعة النظام السياسي الجزائري الذي يوفر للرئاسة والسلطة التنفيذية أدوات قوية لضبط الساحة السياسية؛ وهو ما يظهر في اتخاذ إجراءات لقطع الطريق أمام الاستقطاب في الانتخابات ضمن رغبة أوسع في دفع الدولة نحو الاستقرار الداخلي بعيدًا عن أي استقطاب من أي نوع.
وفي هذا السياق، يتمتع حزبا “جبهة التحرير الوطني” و”التجمع الوطني الديمقراطي”، إلى جانب القوى المتحالفة مع السلطة والمستقلين القريبين من توجهاتها، بفرص كبيرة للحفاظ على الأغلبية البرلمانية. ويعزز هذه التوقعات ما شهدته الساحة السياسية منذ انتخابات 2021م من تراجع نسبي في قدرة الأحزاب التقليدية على التعبئة الجماهيرية، مقابل تنامي دور المستقلين، في وقت لم تشهد فيه العملية الانتخابية تغييرات جوهرية في الإجراءات التنظيمية لها منذ الانتخابات الماضية؛ ما يزيد من احتمالات إفراز الخريطة السياسية نفسها.
الخلاصة
تبدو الانتخابات المقبلة أقرب إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام السياسي القائم منها إلى إحداث تحول سياسي كبير أو إحداث تغيير استراتيجي في توجهات الدولة، سواء على الصعيد الداخلي أو في ملفات السياسة الخارجية.
الكلمات الدالة:
انتخابات تشريعية – الجزائر – مكافحة الإرهاب – سياسة داخلية – تيار إسلامي – العلاقات المصرية الجزائرية

