في 28 فبراير 2026م، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا مشتركة على إيران، لترد إيران بحملة انتقامية متعددة الأوجه، وقد وصل الهجوم الإيراني إلى هجمات إلكترونية، ومن أبرز هذه الهجمات ما أُطلق عليه “هاك حنظلة Handala Hack“، وهو برنامج إلكتروني مرتبط بوزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، يعمل على سرقة البيانات والعمليات الإلكترونية ضد المؤسسة السياسية الإسرائيلية، وكذلك برامج APT Iran المتعلقة بالقرصنة، والعديد من المسميات المختلفة والموجهة من إيران.
جدير بالذكر أن الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بالنسبة لإسرائيل ليس مجرد مجال علمي، بل هو مشروع استراتيجي شامل مرتبط بالأمن، والسياسة، والاقتصاد، والاجتماع. والهدف الذي تسعى إليه هو أن تكون قوة متفوقة تكنولوجيًّا؛ لضمان وجودها في البيئة الإقليمية غير المستقرة، ومن ثَم قامت بتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي لتحقق أهدافها على المستوى الداخلي والخارجي. وتقدم إسرائيل نفسها أنها “أمة الشركات الناشئة”، وأنها قوة عظمى في مجالي الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، من خلال اعتمادها على وحدات استخباراتية في الجيش الإسرائيلي يتم انتقاء كل فرد فيها بعناية شديدة، ولكن الحرب على إيران عام 2026م كشفت عن مشهد مغاير تمامًا؛ حيث واجهت البنية التحتية الإسرائيلية سيلًا من الهجمات السيبرانية، التي لم تكتف فقط بتعطيل المواقع، بل وصلت إلى عمق الأنظمة الحيوية.
رصد بعض الاختراقات وتحليلها:
لم تكن الهجمات الأخيرة مجرد محاولات فردية ينفذها هواة، بل كانت عمليات منسقة وموجهة استهدفت عصب الحياة اليومية في إسرائيل، من هذه الهجمات:
1-اختراق شبكات شركة “PSK WIND Technologies”: هجوم متقدم مكنهم من الوصول إلى التصاميم والبيانات الحساسة المتعلقة بالأنظمة المتكاملة للدفاع الجوي الإسرائيلي، والحصول على وثائق سرية تخص مراكز التحكم وأنظمة الاتصالات المشغلة لهذه الدفاعات. ادعت المجموعة أنها قامت بنقل هذه البيانات مباشرة إلى وحدات الصواريخ، في إشارة إلى ربط العمل السيبراني بالعمل العسكري الميداني. هذا الاختراق من الاختراقات المؤثرة بشكل كبير، فهو يمثل انتقالًا من مجرد إزعاج إلكتروني إلى تهديد وجودي، ويعني كشف عقل المنظومة، وانهاء سرية التكنولوجيا.
2-ظهور إعلان على مواقع إلكترونية إسرائيلية مختلفة: عبارة عن خلفية سوداء، مع عبارة “سري للغاية” في الأعلى، وقد كُتب: “تسعى الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى إيجاد شريك استخباراتي في إسرائيل”. كان الطلب عبارة عن مقاطع فيديو، وكان المبلغ المقترح 3500 دولار أمريكي لكل مقطع فيديو”. الجدير بالذكر أن هذا النوع من الهجمات السيبرانية كانت تشنها قنوات سوشيال ميديا، خاصة تليجرام، ولكن الآن انتقلت إلى استخدام تطبيقات مشفرة، كما وظفوا الهوية البصرية والعامل النفسي في الإعلان، فيجذب اختيار اللون الأسود مع جملة سري للغاية أنظار المشاهد ويلفت انتباهه، كما أن الشخص الذي يستجيب لإعلان مكتوب عليه “سري للغاية” هو شخص لديه استعداد نفسيّ مسبق لتجاوز القانون أو المغامرة غير المحسوبة.
3-اختراق شركات الإعلانات: مثل شركة eRate، وهي شركة متخصصة في خدمات الإعلانات، تعرضت للاختراق لعدة ساعات. وقد انعكس ذلك على موقعي Mako وGlobs الإلكترونيين، حيث استبدل المخترقون إعلانين بمحتوى خبيث، وأعلنت الشركة أن هذه الحالة الأولى من نوعها خلال العامين والنصف الماضيين.
4-اختراق موقع أكاديمية اللغة العبرية: تم اختراق موقع أكاديمية اللغة العربية في إسرائيل، ففوجئ زوار الموقع برسالة تهديد ظهرت على صفحتها الرئيسية تقول “لا داعي لتعلم العبرية بعد الآن، لن تحتاجوها طويلاً”، في إشارة تحمل طابعا سياسيا ودعائيا يعكس أجواء التصعيد. وأدى هذا الاختراق إلى تعطيل الموقع مؤقتا قبل أن تبدأ الجهات المختصة العمل على احتواء الهجوم واستعادة السيطرة عليه.
5-اختراق تطبيق RedAlert: تطور موضوع اختراق تطبيق RedAlert المخصص للتنبيه من الصواريخ في إسرائيل بشكل خطير في أوائل عام 2026م، حيث انتقل من مجرد “إزعاج رقمي” إلى “تجسس عسكري متقدم”. ومن خلال التطبيق تم شن حملة رسائل نصية تؤكد وجود “عطل في نظام التنبيه”، وتطلب تحميل “تحديث عاجل” عبر رابط يتم ارساله، ومنه يتم التعرف على تتبع أماكن تجمهر المدنيين وقت الرشقات الصواريخ، أو معرفة مواقع الملاجئ.
6-رسائل من هيئة البريد الحكومية: تم ارسال رسائل لبعض الإسرائيلين كأنها من هيئة البريد الحكومية تقول: “وفقًا لتعديل قانون أمن البريد، تم تعليق نصف الشحنات الدولية التي دخلت في مارس 2026م مؤقتًا. بعد الأحداث الأخيرة، وصلت شحنتك إلى مركز الفرز وتم نقلها للفحص اليدوي. النظام يظهر أن بياناتك غير مكتملة، ما يمنع الإفراج عن الطرد من الجمارك. يجب معالجة الأمر فورًا عبر الرابط التالي (ويتم إرسال رابط)، وهذه الرسالة عملية تصيّد إلكتروني؛ لأن الرابط ليس الموقع الرسمي لبريد إسرائيل. وقد حذّرت وسائل إعلام إسرائيلية من رسائل مشابهة تنتحل صفة البريد وتطلب من الناس إدخال بياناتهم عبر روابط مزيفة.
7-هجوم سيبراني على لوحات إعلانات في محطات للقطار: ظهر على الشاشات الإلكترونية في بعض المحطات- التي تستخدم أيضاً مساحات محمية أثناء صفارات الإنذار- رسائل تدعو المواطنين الموجودين هناك لمغادرة المكان بسرعة لأنه غير آمن، ولكن الشركة المسئولة أعلنت “تسجيل اختراقات في عمل لوحات الإعلانات وشاشات المعلومات في قاعات المسافرين في عدد من محطات القطار، فتم إيقاف تشغيل اللوحات مؤقتاً”.
من هنا أعلنت هيئة السايبر في إسرائيل رصدها خلال الأيام الأخيرة محاولات إيرانية لاستهداف شركات إسرائيلية مدنية عبر هجمات سيبرانية. وجاء في بيان الهيئة، المسؤولة عن أمن الفضاء السيبراني في إسرائيل، أنها تعمل على إحباط موجة هجمات تهدف إلى محو وتدمير معلومات وأنظمة تخص شركات ومنظمات على الشبكة.
وعلى الجانب الآخر كانت إسرائيل تتابع هذه العمليات وتحمي وتحذر منها، بل وصل الأمر إلى غلق بعض المواقع الإلكترونية التابعة لهيئات مختلفة في توقيتات معينة، مثل غلق موقع هيئة الضرائب الحكومية من الساعة الثامنة مساء، وأوضحت مصلحة الضرائب الإسرائيلية “عملية الإغلاق نفذتها وحدة الحوسبة التابعة لمصلحة الضرائب (SAAM) بناءً على توصية من موظفي أمن المعلومات وقسم الأمن السيبراني، كإجراء وقائي، نتيجة للتجربة السابقة خلال العمليات العسكرية والحروب”
لماذا نجحت هذه الاختراقات رغم قوة إسرائيل التكنولوجية؟
نجحت هذه الاختراقات لأن المهاجمين لم يخترقوا الأنظمة الحكومية الإسرائيلية مباشرة، بل استهدفوا شركات برمجيات توفر خدماتها السيبرانية لهذه الجهات، ومنها تسللوا إلى أهدافهم. ولم تنكر إسرائيل اختراق بعض المواقع الحكومية، ولكنها استطاعت حماية بياناتها.
الاستنتاجات والرؤية المستقبلية
إذا كان العالم قد انتهى من عصر الحروب التقليدية، اي حروب الجيوش والأسلحة، وتحول إلى الحروب السيبرانية، حروب تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي وما تمتلكه من برامج اختراقية وتجسسية وتوجيهية عالية، يمكن القول أن الذكاء الاصطناعي أصبح القائد العسكري الذي يحدد الثغرات ويخترقها في إقل من ثانية، وأن الأمن السيبراني بالنسبة للدول لم يعُد رفاهية تقنية، بل ركيزة أساسية للأمن القومي لأية دولة، والبيانات هي النفط الجديد، التي يعملون عليها وسرقتها مثل تدمير حقل نفطي كامل.
الخاتمة:
الاختراقات السيبرانية التي شهدتها إسرائيل أثبتت أن التكنولوجيا مهما بلغت قوتها، تظل في سباق دائم بين العقل المبتكر للذكاء الاصطناعي والدرع الواقي للأمن السيبراني.
