د. محمد محسن أبو النور

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية

في الثامن من مارس 2026م، أعلن مجلس خبراء القيادة في إيران انتخاب آية الله مجتبى خامنئي مرشدا ثالثا للجمهورية الإسلامية الإيرانية خلفا لوالده آية الله العظمى علي خامنئي الذي اغتيل صباح الثامن والعشرين من فبراير في الساعة الأولى من الضربة الافتتاحية في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

وتكتسب دراسة الخلفيات الفكرية للقيادات العليا أهمية خاصة في حالة النظام الإيراني، إذ تتشابك الشرعية الدينية مع البنية السياسية للدولة في إطار نظرية ولاية الفقيه، ومن ثم تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم توجهاتها المستقبلية في السياسة الداخلية والخارجية، من خلال تحليل الروافع الفكرية التي تشكل رؤية المرشد الإيراني الثالث، مجتبى خامنئي، لا سيما في ضوء العلاقة الفكرية والسياسية التي جمعته بأحد أبرز منظري التيار المحافظ المتشدد في إيران، آية الله محمد تقي مصباح اليزدي، ذلك الذي لعب دورًا محوريًا في صياغة خطاب عقائدي صارم يدافع عن مركزية ولاية الفقيه ويعارض محاولات إعادة تفسيرها في اتجاهات أكثر إصلاحية أو براجماتية.

ومن ثم فإن فهم طبيعة هذه العلاقة الفكرية يساعد في استشراف ملامح المرحلة المقبلة في مسار النظام الإيراني.

مصباح اليزدي بوصفه مرجعية فكرية لخط مجتبى

يُعد آية الله محمد تقي مصباح اليزدي أحد أبرز المنظرين العقائديين للنظام الإيراني في مرحلة ما بعد الثورة الإسلامية عام 1979م، وهو ما يعرف الآن في إيران بـ”خط مجتبى”، وقد عُرف بقراءته الصارمة لنظرية ولاية الفقيه، حيث كان يرى أن هذه النظرية ليست مجرد آلية دستورية لتنظيم الحكم، بل امتداد مباشر للولاية الدينية في عصر غيبة الإمام المهدي.

ومن هذا المنطلق، كان يؤكد أن شرعية السلطة السياسية في النظام الإسلامي تستمد أساسًا من التفويض الشرعي لا من الإرادة الشعبية، وهو طرح وضعه في موقع متقدم داخل التيار المحافظ الأكثر تشددًا في إيران.

على المستوى العلمي، جمع مصباح اليزدي بين التكوين الفقهي التقليدي والدراسة العميقة للفلسفة الإسلامية، ولا سيما الفلسفة الصدرائية التي أسسها الملا صدرا، وقد تتلمذ على يد عدد من كبار علماء الحوزة في قم، من بينهم العلامة محمد حسين طباطبائي صاحب تفسير الميزان الشهير.

وقد منح هذا التكوين الفلسفي مصباح اليزدي قدرة على بناء خطاب نظري متماسك يدافع عن فكرة الحكومة الإسلامية في مواجهة التيارات الليبرالية والإصلاحية التي ظهرت داخل إيران في مراحل لاحقة من عمر الجمهورية الإسلامية.

ولم يقتصر تأثير مصباح اليزدي على المجال العلمي، بل امتد إلى المجال المؤسسي أيضًا، إذ أسس مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحوث في قم، والتي تحولت إلى أحد أهم مراكز إنتاج الكوادر الفكرية والدينية المرتبطة بالتيار المحافظ. وقد لعبت هذه المؤسسة دورًا ملحوظًا في تشكيل نخبة عقائدية داخل الحوزة والمؤسسات السياسية والعسكرية، بما في ذلك بعض الدوائر القريبة من الحرس الثوري.

العلاقة الفكرية والسياسية بين مصباح اليزدي ومجتبى خامنئي

تُظهر المعطيات المتاحة أن العلاقة بين مصباح اليزدي ومجتبى خامنئي لم تكن مجرد علاقة تعليمية تقليدية بين أستاذ وتلميذ، بل تطورت إلى علاقة مركبة تجمع بين التأثير الفكري والتقارب السياسي داخل معسكر المحافظين المتشددين.

فقد حضر مجتبى خامنئي عددًا من دروس مصباح اليزدي في قم، وكان ضمن الدائرة الطلابية التي تأثرت بمدرسته الفكرية التي تركز على مركزية ولاية الفقيه وضرورة الحفاظ على الطابع الأيديولوجي للنظام.

في المقابل، رأى مصباح اليزدي في مجتبى خامنئي شخصية قادرة على الاستمرار في الدفاع عن الخط العقائدي للجمهورية الإسلامية، خصوصًا في مرحلة شهدت تصاعد التيارات الإصلاحية داخل إيران خلال فترة رئاسة محمد خاتمي بين عامي 1997 و2005.

وقد دفع هذا السياق بعض دوائر المحافظين إلى تعزيز شبكاتهم السياسية والمؤسسية، وهو ما أسهم في صعود تيار أكثر تشددًا داخل النظام، كان من أبرز تجلياته وصول محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة عام 2005 ونجح في ولاية ثانية وأخيرة عام 2009 أدت إلى نشوب ما يعرف في التاريخ الإيراني بـ”الثورة الخضراء”.

كما أن العلاقة بين الرجلين تعززت في إطار شبكة أوسع من التحالفات داخل بنية السلطة الإيرانية، خاصة مع بعض مراكز القوة المرتبطة بالحرس الثوري والمؤسسات العقائدية في قم.

وفي سياق هكذا، وفرت أفكار مصباح اليزدي إطارًا نظريًا يدعم رؤية أكثر تشددًا لدور القيادة في النظام الإسلامي، وهو ما يتقاطع مع التصورات المنسوبة إلى مجتبى خامنئي بشأن ضرورة الحفاظ على قوة موقع المرشد داخل بنية النظام السياسي.

انعكاسات المدرسة الفكرية لمصباح اليزدي على مستقبل القيادة في إيران

وفق التأثير الفكري لمدرسة مصباح اليزدي في تكوين مجتبى خامنئي، فمن الممكن رصد عدد من الانعكاسات المحتملة لهذا التأثير على طبيعة القيادة في المرحلة المقبلة، على ثلاثة مستويات:

الأول: المستوى العقائدي، فقد يستمر التأكيد على القراءة الصارمة لنظرية ولاية الفقيه، بما يعزز مركزية موقع المرشد في النظام السياسي ويحد من محاولات توسيع نطاق المشاركة السياسية خارج الإطار الذي ترسمه المؤسسات العقائدية.

الثاني: المستوى السياسي، فقد ينعكس هذا التأثير في تبني موقف أكثر حذرًا أو تشددًا تجاه التيارات الإصلاحية داخل إيران، مع التركيز على الحفاظ على الطابع الثوري للجمهورية الإسلامية. وقد يعني ذلك استمرار الخطاب السياسي الذي يؤكد على مقاومة الضغوط الغربية وتعزيز استقلال القرار الإيراني في القضايا الإقليمية والدولية.

الثالث: المستوى المؤسسي، فمن المحتمل أن يستمر الاهتمام ببناء شبكات من الكوادر العقائدية الموالية للنظام داخل المؤسسات الدينية والعسكرية والثقافية. ويعد هذا النهج أحد الآليات التي استخدمها التيار المحافظ للحفاظ على استمرارية المشروع السياسي للجمهورية الإسلامية، عبر إعادة إنتاج النخب المرتبطة بالرؤية الأيديولوجية للنظام.

الخاتمة

تشير المعطيات الفكرية والسياسية المرتبطة بالعلاقة بين مصباح اليزدي ومجتبى خامنئي إلى أن المدرسة العقائدية التي يمثلها الأول قد تشكل أحد أهم الروافع الفكرية للقيادة الإيرانية في المرحلة المقبلة. ومع ذلك، فإن تأثير هذه المدرسة لن يكون العامل الوحيد المحدد لمسار السياسة الإيرانية، نظرًا للطبيعة المركبة للنظام السياسي في إيران، الذي يضم مراكز قوى متعددة تشمل المؤسسة الدينية والحرس الثوري والمؤسسات الدستورية المختلفة.

ومن ثم فإن مستقبل القيادة الإيرانية قد يتشكل عبر تفاعل معقد بين المرجعية العقائدية ومتطلبات إدارة الدولة، وهو ما يجعل دراسة الخلفيات الفكرية للنخب الحاكمة أداة مهمة لفهم الاتجاهات المحتملة للسياسة الإيرانية في السنوات القادمة، وعليه من المرجح أن يصدر القائد الإيراني الجديد فتوى بإباحة امتلاك السلاح النووي وفق تلك الروافع الفكرية والعقائدية التي استمدها من أستاذه مصباح اليزدي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version