د.محمد أحمد صالح

ينظر بعض المحللين والمتابعين للشأن الإسرائيلي إلى أن حادثة تحطيم تمثال السيد المسيح عليه السلام في جنوب لبنان خلال العدوان الإسرائيلي الأخير لم تكن مجرد واقعة فردية معزولة، بل هي أزمة رمزية دولية استدعت استجابة سياسية وإعلامية سريعة من إسرائيل، خاصة في علاقتها مع العالم المسيحي. وتُظهر هذه الحالة كيف تتحول الرموز الدينية إلى أدوات ضغط جيوسياسي، وكيف تتفاعل الدول مع “الأزمات الرمزية” بشكل قد يفوق تفاعلها مع الأزمات الإنسانية المباشرة.

حادثة تحطيم تمثال السيد المسيح عليه السلام، لم تكن مجرد فعل عسكري فردي، بل تحولت إلى اختبار شامل لقدرة إسرائيل على إدارة صورتها أمام العالم المسيحي. وقد أظهرت استجابتها أن الرموز الدينية تمثل خطوطًا حمراء دولية، والإعلام قادر على تضخيم الحدث إلى أزمة عالمية، لتصبح الدبلوماسية الرمزية أداة مركزية في إدارة الصراعات. وفي النهاية، تبقى الإشكالية الكبرى: هل يمكن لدولة أن تحافظ على صورتها عبر إدارة الأزمات إعلاميًا، بينما تستمر التحديات على الأرض دون معالجة جذرية؟

كيف تنظر اليهودية وتراثها الديني للسيد المسيح عليه السلام؟

يمثل السيد المسيح عليه السلام شخصية محورية في الديانتين المسيحية والإسلامية، بينما يحتل موقعًا مختلفًا في التراث الديني اليهودي. وقد تداخلت الرؤية الدينية مع الممارسات السياسية الحديثة، خاصة في سياق الصراع الإسرائيلي العربي، ما أفرز إشكاليات معقدة تمس حرية العبادة، والهوية الدينية، والعلاقات بين الطوائف. وتبرز هذه التعقيدات بوضوح عند وقوع حوادث رمزية، مثل حادثة تحطيم تمثال السيد المسيح في جنوب لبنان، والتي أثارت ردود فعل متباينة دينيًا وسياسيًا وإعلاميًا.

في العقيدة اليهودية التقليدية، لا يُعترف بالسيد المسيح (عيسى بن مريم) بوصفه المسيح المنتظر (هماشيح هجوئيل המשיח הגואל). فاليهودية تنتظر “هماشيح” الذي يحقق شروطًا محددة، منها إعادة بناء- مايسمى- “الهيكل” في القدس، وتجميع اليهود مما يسمى “الشتات”، وإحلال السلام العالمي، وهي شروط ترى أنها لم تتحقق في حياة المسيح. أما في التلمود، فتوجد إشارات متفرقة إلى شخصية يربطونها بالسيد المسيح، غير أن هذه الإشارات غالبًا ما تتسم بالغموض أو الطابع النقدي السلبي.

ويفسر بعض المحللين تسمية السيد المسيح في اليهودية بـ”ישו يشو” بما يتفق وهذه الإشارات النقدية السلبية، خاصة إذا تم التعامل مع هذه التسمية على أنها اختصار لثلاث كلمات تعني ” יִמַּח שְׁמוֹ וְזִכְרוֹ ليمحى اسمه وذكره”، وعادة تستخدم هذه العبارة كدعاء يُستعمل في بعض النصوص القديمة عند ذكر شخص يُنظر إليه بسلبية شديدة وكراهية مقيتة.

ويربط متابعون إلى اتساق هذه الرؤى الدينية مع منع الشرطة الإسرائيلية بطريرك القدس للاتين بييرباتيستا بيتسابالا من الوصول إلى كنيسة القيامة في القدس الشرقية، بالتزامن مع الأعياد المسيحية في أبريل الماضي، ولاحقا فرضت الشرطة الإسرائيلية قيودا على مشاركة المسيحيين في عيد الفصح بكنيسة القيامة. كما وُثِّقت العديد من حوادث البصق على كنائس ورجال دين مسيحيين من قِبَل متطرفين إسرائيليين في القدس، فضلا عن مهاجمة كنائس في غزة، كما وُثِّقت اعتداءات مستوطنين على مقدسات في القدس والضفة الغربية خلال السنوات الماضية.

رد الفعل السياسي والدبلوماسي والميداني

لم يكن “الذهول والحزن” اللذان أبداهما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إزاء تحطيم تمثال السيد المسيح مجرد رد فعل عابر، بل كان استنفارا دبلوماسيا محسوبا بدقة، ففي اللحظة التي هوت فيها مطرقة الجندي الإسرائيلي على الرمز الديني المسيحي، استشعرت القيادات السياسية في تل أبيب خطر توتر في علاقتها بالفاتيكان والعواصم الغربية، فسارع نتنياهو هذه المرة، والذي اعتاد الصمت حيال انتهاكات جيشه وجنوده، إلى إدانة الأمر علانية، إذ كتب “لقد شعرت بالذهول والحزن لعلمي أن جنديا ألحق أضرارا بأيقونة دينية كاثوليكية. إنني أدين هذا العمل بأشد العبارات”. هذه المسارعة إلى الإدانة تعكس إدراكا عميقا بأن المساس بالمقدسات المسيحية هو “خط أحمر”، ما يزيد التدقيق الدولي في علاقة الحكومة الإسرائيلية بالمسيحيين. كما دخل وزير الخارجية جدعون ساعر على خط الإدانات متوعدا باتخاذ إجراءات صارمة بشأن الواقعة، وهو ما تُرجم لاحقا في بيان للجيش الإسرائيلي الذي أكد فيه فتح تحقيق في الواقعة. ورغم الوعيد الرسمي بمحاسبة المتورطين، فإن سقف الإجراءات توقف عند إعلان إبعاد الجندي وزميله المصور عن المهام القتالية، مع الاكتفاء بحبسهما عسكريا ثلاثين يوما فقط، في عقوبة بدت وكأنها امتصاص لغضب الرأي العام الدولي.

ما منح هذه الحادثة “خطورة” استثنائية لدى الدوائر الإسرائيلية هو توقيتها الحرج الذي جاء ليعمّق الفجوة الآخذة في الاتساع بين السلطات وممثلي الكنائس في القدس، إذ لا تزال أصداء أزمة منع الشرطة الإسرائيلية البطريرك اللاتيني للقدس وحارس الأراضي المقدسة من الوصول إلى كنيسة القيامة في القدس الشرقية ومنعه بالتالي من ممارسة الطقوس الدينية خلال احتفالات “أحد الشعانين” تتردد في أروقة الفاتيكان، هذه الواقعة تحولت حينها إلى “فضيحة دبلوماسية” وأحدثت ضجة دولية، فأجبرت الجيش الإسرائيلي على اتخاذ الترتيبات اللازمة لإقامة القداس في الموقع المسيحي المقدس.

حاول الجيش الإسرائيلي امتصاص الغضب بنشر صورة لتمثال بديل جرى وضعه بالتنسيق مع المجتمع المحلي في بلدة “دبل” اللبنانية، ولكن جاء الرد المسيحي الدولي حادا، إذ أعرب الكاردينال بييرباتيستا بيتزابالا عن “استياء عميق وإدانة غير مشروطة”، ووصف الفعل بأنه إهانة خطيرة. لكنَّ الهجوم الأكثر حدة جاء من رئيس الأساقفة فينتشنزو باليا، الذي وجّه رسالة مباشرة إلى نتنياهو قائلا “إن يسوع ذهب إلى صور وصيدا في جنوب لبنان، لكنه لم يذهب ليقتل أو يدمر، بل ليضاعف الخبز ويشفي المرضى”، وهي عبارة نسفت الرواية الإسرائيلية التي تحاول تبرير الحرب بوصفها دفاعا عن قيم الحضارة. كما طالب السفير الأمريكي مايك هاكابي بعقوبة “سريعة وقاسية وعلنية” لمرتكب الواقعة، كما وصف اليمين الأمريكي المشاهد بأنها “مروعة”.

يقرأ محللون هذا الاستنفار الرسمي الإسرائيلي بأنه ذعر من خسارة “اليمين المسيحي” أو محاولة استفزاز الفاتيكان الذي قد يكلف إسرائيل ثمنا باهظا يفوق كلفة مئات الأطفال الذين قُتلوا بأيدي الجيش الإسرائيلي في لبنان وغزة، ما دامت تلك الجرائم تقع بعيدا عن مراكز التأثير الدبلوماسي التي تهتز لأجل الرموز ولا تتحرك لأجل البشر.

الحدث كمحفّز استراتيجي

-طبيعة الحدث: تحطيم تمثال السيد المسيح عليه السلام، وهو رمز ديني عالمي، مع توثيق بصري وانتشار واسع، وفي توقيت حساس يشهد توترا إقليميا وانتقادات دولية. هذه المؤشرات تجعل الحدث يتجاوز كونه فعلًا فرديًا إلى أزمة إدراكية دولية.

-حساسية الرمز المسيحي: الرمز هنا ليس محليًا بل مرتبط بالفاتيكان ومركزيتها في الوجدان الجمعي المسيحي في العالم، والذي يمتد إلى أوروبا وأمريكا، ويحمل بعدا حضاريا وليس دينيا فقط. وهذا يجعل الاستجابة الإسرائيلية دبلوماسية-رمزية تتجاوز الاستجابة العسكرية.

الاستجابة الإسرائيلية

-رد الفعل السريع (Damage Control): سارعت القيادة السياسية في إسرائيل، ممثلة في رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته جدعون ساعار، إلى الإدانة الرسمية، عبر تقديم اعتذار دبلوماسي وإجراءات تأديبية محدودة، لم تتجاوز حبس الجندي ثلاثين يومًا، بهدف احتواء الغضب دون التسبب في أزمة داخلية في المؤسسة العسكرية.

-تعيين مبعوث خاص للعالم المسيحي: عينت وزارة الخارجية الإسرائيلية الدبلوماسي المسيحي العربي جورج يوسف ديك مبعوثا خاصا لتعزيز العلاقات مع المسيحيين عالميًا، وهذا ليس إجراءً إداريًا روتينيا فقط، بل رسالة للخارج مفادها أن “لدينا تمثيل مسيحي داخل الدولة”، ورسالة للغرب مفاها: “نحن نحترم التنوع الديني”، ورسالة لاستيعاب الأزمة مفادها: “نحن نستوعب الغضب ونتعامل معه”. ويأتي هذا التعيين كمحاولة لتحسين صورة إسرائيل. قالت وزارة الخارجية الإسرائيلية، في بيان لها، إن الوزير جدعون ساعر، عيّن ديك مبعوثا خاصا بهدف “تعزيز علاقات إسرائيل مع المجتمعات المسيحية حول العالم”. وأوضحت الوزارة أن ديك دبلوماسي بخبرة 18 عاما ويتمتع بخبرة واسعة، حيث شغل مؤخرا منصب سفير إسرائيل لدى أذربيجان، وكان أول سفير مسيحي في إسرائيل، وحاز على جائزة المدير العام للتميز من وزارة الخارجية. واستطردت أنه ينتمي إلى الجالية المسيحية العربية في يافا، فوالده، يوسف ديك، شغل منصب رئيس الجالية المسيحية الأرثوذكسية في يافا وإسرائيل لسنوات عديدة. وفي هذا الصدد، ادعى ساعر أن إسرائيل “تُولي أهمية بالغة لعلاقاتها مع العالم المسيحي ومع أصدقائها المسيحيين في جميع أنحاء العالم”، وقال “أنا على ثقة بأن جورج، الدبلوماسي المحترم وصاحب الخبرة، سيسهم إسهاما كبيرا في تعزيز الصداقة وتوطيد العلاقات بين إسرائيل والعالم المسيحي”.

-إعادة إنتاج الصورة (Image Reconstruction): إسرائيل حاولت استبدال التمثال، من خلال إبراز التنسيق مع المجتمع المحلي، والتأكيد على أن الحادثة “لا تمثل القيم”، وهذا يدخل ضمن إدارة السمعة الدولية  (Reputation Management)

الازدواجية في المعايير

يشير محللون إلى نقطة محورية مفادها انتقائية رد الفعل، فعند المساس برمز مسيحي تشهد الساحة الإقليمية والدولية تحركا سياسيا سريعا، وإدانات علنية، وضغطا دبلوماسيا، وعند المساس بالفلسطينيين تشهد الساحة الإقليمية والدولية نفسها بطء المحاسبة أو غيابها، وضعف التغطية الدولية، وتوصيف الحدث كـ”أضرار جانبية”. هذه المفارقة تُوصفت بأنها “انتقائية أخلاقية”.

العامل الغربي – لماذا يهم المسيحيون؟

-البعد السياسي: يمثل العالم المسيحي، خصوصًا الولايات المتحدة وأوروبا، كتلة ضغط سياسية وإعلامية مؤثرة.

-اليمين المسيحي: يشكل قاعدة دعم مهمة لإسرائيل، وأية صدمة رمزية قد تؤثر على هذا الدعم، لذلك الاستجابة كانت وقائية قبل أن تكون أخلاقية.

-الفاتيكان: تمثل مرجعية روحية عالمية تعني المؤمنين بالمسيحية في المقام الأول، من هنا ينظر إليها على أنها لاعب دبلوماسي ناعم، وأي توتر معها قد ينعكس على صورة إسرائيل عالميًا.

إدارة الأزمات الرمزية مقابل الأزمات الإنسانية

يتفق محللون على وجود مفارقة أساسية في التعامل مع هذا الحدث ودلالته مقارنة بما يحدث مع الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة، بغض النظر عن ديانة المستهدفين الفلسطينيين، مسلمين أو مسيحيين، فمع تحطيم تمثال تأتي الاستجابة عالية جدًا، ومع قتل مدنيين فلسطينيين تأتي الاستجابة محدودة نسبيًا. هذا يكشف عن أن الرمز أحيانًا أخطر سياسيًا من الإنسان.

البعد الإعلامي

-قوة الصورة: الفيديو انتشر عالميًا وخلق صدمة بصرية مباشرة، والإعلام هنا لم ينقل الحدث فقط، بل صنع الأزمة.

-المنصات الرقمية: نشر الجنود أنفسهم للمحتوى على  TikTok / X / Telegram، وهذا خلق أزمة ذاتية التوليد  (Self-inflicted crisis)

التوصيف الاستراتيجي للحالة

يمكن توصيف ما حدث  على أنه أزمة رمزية عالية الحساسية، وتهديد لعلاقات دينية-سياسية، واختبار لصورة الدولة عالميًا، وفرصة لإعادة التموضع الإعلامي.

أهداف إسرائيل من تحركها السريع

يمكن القول أن  إسرائيل استهدفت من تحركها وإجراءتها السريعة والمباشرة منع تصدع العلاقة مع العالم المسيحي، واحتواء الغضب الدولي سريعًا، حفاظا على حماية الدعم الغربي، وإعادة تسويق صورتها كـ”حامية الأديان”، والعمل على تحييد الفاتيكان.

من أبرز نقاط القوة في استجابة إسرائيل سرعة التحرك، واستخدام أدوات دبلوماسية ذكية، وتوظيف شخصية مسيحية (جورج ديك) كمبعوث إسرائيلي للعالم المسيحي. أما نقاط الضعف فتمثلت في  محدودية العقوبة وضعفها، فقد أعلن الجيش الإسرائيلي إبعاد الجندي الذي حطّم التمثال وزميله الذي صوّر الواقعة عن المهام القتالية، واحتجازهما لمدة ثلاثين يوما، لكنه أبقى عليهما في الخدمة العسكرية، فضلا عن التناقض مع الواقع الميداني، وفقدان المصداقية لدى بعض الأطراف.

هكذا تكشف حادثة تحطم تمثال السيد المسيح عليه السلام، أن السياسة الدولية لا تُدار فقط بالقوة، بل بإدارة الرموز والصور والانطباعات، وأن الدول قد تتحرك بسرعة أكبر لحماية “رمز ديني عالمي” أكثر من تحركها لحماية الإنسان العادي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version