الباحثة/ إيمان بخيت أحمد
المقدمة:
عادةً ما ترتبط الانتخابات الإسرائيلية بالتنافس التقليدي بين معسكري اليمين واليسار حول قضايا الأمن، والاستيطان، ومستقبل عملية السلام مع الفلسطينيين. إلا أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، المتوقع إجراؤها خلال عام 2026، تبدو مختلفة عن سابقاتها من حيث السياق السياسي والأمني الذي تجري فيه. فإسرائيل تواجه منذ أشهر حالة من الاستنزاف العسكري والأمني على أكثر من جبهة، بدءاً من الحرب في قطاع غزة، مروراً بالتوترات المستمرة على الحدود اللبنانية، وصولاً إلى المواجهة المباشرة وغير المباشرة مع إيران وحلفائها في المنطقة. وفي الوقت نفسه، تشهد الساحة الداخلية الإسرائيلية حالة من الانقسام الحاد، نتيجة تصاعد الخلافات بشأن قانون تجنيد الحريديم، واستمرار الجدل حول مشروع الإصلاح القضائي، فضلاً عن استمرار محاكمات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في قضايا الفساد، وهي عوامل مجتمعة تهدد استقرار الائتلاف الحاكم وتضع مستقبله السياسي على المحك.
وفي ظل هذه الظروف، يبرز تساؤل جوهري حول مستقبل العملية الانتخابية نفسها: هل ستُجرى الانتخابات في موعدها الدستوري؟ أم أن التطورات الأمنية والعسكرية قد تفتح المجال أمام تأجيلها أو إعادة تشكيل المشهد السياسي بطرق غير تقليدية؟ ويكتسب هذا التساؤل أهمية خاصة في ضوء الاتهامات التي توجهها المعارضة وبعض الأوساط السياسية لنتنياهو باستثمار البيئة الأمنية المتوترة لتعزيز بقائه في السلطة وإطالة أمد حكومته.
ومن هذا المنطلق، تكتسب التطورات العسكرية على الجبهة الشمالية، ولا سيما استمرار التوتر والمواجهات مع لبنان، بعداً سياسياً يتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة. فاستمرار حالة الطوارئ والحرب يوفر للحكومة مبررات قوية لتأجيل الاستحقاقات السياسية أو الحد من الضغوط الداخلية المطالبة بالتغيير، كما يسمح لنتنياهو بتقديم نفسه باعتباره القائد القادر على إدارة الأزمات الوجودية التي تواجه الدولة. كذلك تسهم الأوضاع الأمنية المتوترة في تحويل اهتمام الرأي العام من القضايا الداخلية، مثل الفساد والانقسامات المجتمعية والأزمات الاقتصادية، إلى ملفات الأمن القومي، وهو ما قد يخفف من حدة الانتقادات الموجهة للحكومة ويُصعّب على المعارضة تعبئة الشارع ضدها. وفي هذا السياق، يصبح استمرار الحرب أو التهديدات الأمنية عاملاً مؤثراً ليس فقط في حسابات الأمن القومي الإسرائيلي، وإنما أيضاً في حسابات البقاء السياسي لنتنياهو ومستقبل النظام الحزبي الإسرائيلي ككل.
لذلك، فإن الانتخابات المقبلة لا تمثل مجرد منافسة حزبية تقليدية على تشكيل الحكومة، بل تشكل اختباراً لمستقبل القيادة السياسية في إسرائيل، ولقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إدارة التوازن بين متطلبات الأمن القومي والاستحقاقات الانتخابية في ظل واحدة من أكثر المراحل تعقيداً منذ عقود.
أولاً: ما الذي يحدد شكل الانتخابات الإسرائيلية؟
لفهم السيناريوهات المحتملة، يجب أن نعرف أولاً العوامل التي تتحكم في سلوك الناخب الإسرائيلي وفي شكل المشهد السياسي. هذه العوامل أربعة أنواع، تتداخل مع بعضها ولا يمكن فصلها. أولاً: طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي نفسه. إسرائيل لديها نظام تمثيل نسبي دقيق، يعني أن هناك أكثر من 10 أحزاب صغيرة وكبيرة في الكنيست، ونادراً ما يحصل حزب واحد على الأغلبية المطلقة (61 مقعداً من 120). هذا النظام يخلق دوماً حالة من المفاوضات المعقدة لتشكيل الائتلافات، ويهيئ لسيناريو الجمود السياسي والبرلمان المنقسم. إضافة إلى ذلك، هناك أزمة أساسية عميقة تتعلق بالعلاقة بين الدين والدولة، وتتجلى بوضوح في أزمة تجنيد الحريديم: فالأحزاب الحريدية ترفض أن يخدم أبناؤها في الجيش وتطالب بإعفاءات تقليدية، بينما يطالب الجمهور العلماني والقضاء بتجنيد الجميع. هذه الأسباب وحدها قادرة على إسقاط أي حكومة. ثانياً: متعلق بكيفية تفكير الناخب الإسرائيلي. رغم أن تكاليف المعيشة مرتفعة جداً والفجوات الاجتماعية كبيرة، إلا أن الناخب الإسرائيلي لا يصوت أساساً على أساس اقتصادي، بل على أساس أمني وهوياتي. بمعنى، يهمه أكثر من يحمي الدولة ومن يحافظ على يهوديتها ومن يوسع المستوطنات. هذا يمنح أحزاب اليمين أفضلية في أوقات التوتر، لكنه يجعل أي تغيير انتخابي كبير بطيئاً وغير حاد. ثالثاً: العامل الجيوسياسي، وله علاقة بالحروب والأزمات الإقليمية. الحرب المستمرة على غزة، والتصعيد المفتوح مع حزب الله في لبنان، والضربات المتبادلة مع إيران، كلها تخلق حالة من القلق الدائم والاستنزاف العسكري والاقتصادي. في البداية، أي تصعيد عسكري يدفع الناخبين نحو اليمين ونحو نتنياهو، لكن مع طول أمد الحرب، يتحول هذا الدعم إلى استنزاف ونقد، خصوصاً إذا لم يتحقق نصر حاسم أو إذا تدهور الاقتصاد. رابعاً وأخيراً: استراتيجية إطالة الحرب على الجبهة اللبنانية. هذه الاستراتيجية تبدو وكأنها أصبحت خياراً سياسياً مقصوداً، وليس مجرد رد فعل عسكري. توفر هذه الاستراتيجية لنتنياهو غطاءً أمنياً وقانونياً لتمديد حالة الطوارئ، وتأجيل الانتخابات، والهروب من المحكمة، وتحويل كل الانتقادات ضده إلى مجرد “ثرثرة في زمن الحرب”. هذه النقطة الأخيرة هي مفتاح فهم الانتخابات القادمة، وسنخصص لها فقرة كاملة بعد قليل.
ثانياً: السيناريوهات المحتملة لنتائج الانتخابات:
السيناريو الأول (الأكثر ترجيحاً): الجمود السياسي المطول والبرلمان المنقسم مع تمديد مفتوح للحرب
هذا السيناريو هو الأكثر توافقاً مع طبيعة النظام الإسرائيلي المنقسم ومع استراتيجية نتنياهو في إدارة الأزمة. الفكرة ببساطة: بعد الانتخابات (إن حدثت)، سيحصل معسكر اليمين ومعسكر المعارضة على نتائج متقاربة جداً، ولن يتمكن أي من الطرفين من تحقيق الأغلبية المطلقة (61 مقعداً). في هذه الحالة، ومع استمرار الحرب في لبنان وغزة بشكل متقطع أو شبه يومي، سيتم استخدام حالة الطوارئ كمبرر قانوني وسياسي لتمديد عمل حكومة تصريف الأعمال لفترة طويلة جداً تمتد لشهور أو حتى لأكثر من عام. ستتأجل المفاوضات الائتلافية أو ستنهار في منتصف الطريق، وقد نصل إلى انتخابات ثانية أو ثالثة خلال فترة زمنية قصيرة، كما حدث في إسرائيل بين عامي 2019 و2021. النتيجة النهائية: إطالة أمد عدم الاستقرار السياسي، تجميد أي قرارات استراتيجية بشأن غزة أو لبنان أو العلاقة مع الفلسطينيين أو الإصلاح القضائي، واستمرار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية دون معالجة حقيقية. من يستفيد؟ نتنياهو وحده، لأنه يبقى في الحكم (ولو بشكل انتقالي) ويواصل تأجيل محاكمته والهروب من أي مساءلة.
السيناريو الثاني: (الأقل ترجيحًا) حكومة ائتلافية واسعة تُفرض تحت ضغط الحرب
إذا حدث تصعيد عسكري كبير على الجبهة اللبنانية (مثل توغل بري واسع، أو قصف صاروخي يطال تل أبيب والمرافق الحيوية)، فإن الأحزاب الكبرى قد تضطر إلى التنازل عن خلافاتها وتشكيل حكومة وحدة وطنية مؤقتة. هذه الحكومة ستضم الليكود (بقيادة نتنياهو)، ومعسكر الدولة (بقيادة بيني جانتس)، ويش عتيد (بقيادة يائير لابيد). الهدف: مواجهة الحرب فقط، مع تأجيل جميع الإصلاحات الخلافية إلى ما بعد انتهاء القتال. هذه الحكومة قد تعزز الاستقرار السياسي نسبياً وتسمح باتخاذ قرارات عسكرية كبرى، لكنها ستصطدم بعد تراجع حدة القتال بصعوبات كبيرة في التوفيق بين البرامج السياسية المتباينة، خاصة في ثلاث قضايا: الاستيطان (اليمين يريد التوسع، الوسط يريد التجميد)، الإصلاح القضائي (الليكود يريد إضعاف المحكمة، المعارضة تريد التراجع)، والعلاقة مع الفلسطينيين بعد الحرب (الحل العسكري مقابل الحل التفاوضي). من المتوقع أن تنهار هذه الحكومة بعد أشهر قليلة من انتهاء الحرب، أو أن تتحول إلى حكومة هشة.
السيناريو الثالث: استمرار اليمين في الحكم بقيادة نتنياهو:
هذا السيناريو أقل ترجيحاً من السابق، لكنه وارد إذا نجح نتنياهو في ثلاث مهام رئيسية في وقت واحد. المهمة الأولى: تسويق أي انتصار عسكري تكتيكي في لبنان (مثل إضعاف قدرات حزب الله، اغتيال قادة ميدانيين، تدمير بنية تحتية استراتيجية) على أنه نصر استراتيجي يعزز الردع الإسرائيلي، حتى لو لم تنته الحرب بشكل حاسم. المهمة الثانية: حل أزمة تجنيد الحريديم بطريقة ترضي الطرفين مؤقتاً، مثل تقديم أعداد رمزية من الحريديم للتجنيد لإرضاء المحكمة، مع الإبقاء على جوهر الإعفاءات التقليدية لإرضاء الأحزاب الحريدية. المهمة الثالثة: استغلال حالة الخوف والتعبئة الوطنية لتثبيت قاعدته الانتخابية واستقطاب الناخبين المترددين الذين يفضلون الاستقرار في زمن الحرب على المغامرة بحكومة يسارية أو وسطية لم تُختبر في إدارة الصراعات. لكن هذا السيناريو يبقى مرهوناً بشروط قاسية: ألا ينهار الاقتصاد الإسرائيلي بشكل كارثي، وألا يحدث تدهور أمني كبير داخل المدن الإسرائيلية، وألا تنجح المعارضة في تقديم بديل موحد ومقنع قبل الانتخابات مباشرة.
السيناريو الرابع (الأقل ترجيحاً بشكل كبير): فوز المعارضة وتشكيل حكومة بديلة
هذا السيناريو هو الأقل ترجيحاً في ظل المعطيات الراهنة. أولاً، يجب أن تتحد المعارضة بالكامل في قائمة أو كتلة واحدة متماسكة، وهذا يشمل أحزاباً متباينة جداً مثل العلمانيين واليسار والعرب وجزء من اليمين المعتدل المنشق عن نتنياهو. ثانياً، يجب أن يحدث تراجع هائل وكارثي في شعبية نتنياهو نتيجة كارثة عسكرية كبرى. ثالثاً، يجب أن تنتهي الحرب بشكل شبه كامل قبل الانتخابات، لكي تتمكن المعارضة من تسليط الضوء على ملفات الفساد والإصلاح القضائي والفشل الاقتصادي دون أن يتهمها أحد بـ “التخوين في وقت الحرب”. إذا تحقق هذا السيناريو (وهو ضعيف جداً)، فمن المتوقع أن تتجه الحكومة الجديدة إلى إعادة ترتيب الأولويات الداخلية، مع التركيز على معالجة الانقسامات المجتمعية، وإصلاح العلاقات بين مؤسسات الدولة، وتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب
ختامًا:
من خلال المعطيات الراهنة فهذه الانتخابات المزمع إقامتها هذا العام 2026 لن تكون مجرد استحقاق انتخابي عادي، بل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على الفصل بين إدارة الحرب وإدارة السياسة الداخلية، وهو ما يبدو غير ممكن حالياً. فاستراتيجية إطالة أمد الحرب على الجبهة اللبنانية تمثل الآلية المركزية التي يستخدمها نتنياهو لتحقيق ثلاثة أهداف مترابطة: تأجيل الانتخابات غير الملائمة له، الهروب من قضايا الفساد والإصلاح القضائي، وإبقاء المعارضة مشتتة وعاجزة عن الحشد. وبناءً على ذلك، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو الجمود السياسي المطول مع برلمان منقسم وحرب متواصلة بمستوى منخفض من التصعيد، يليه حكومة ائتلافية هشة تُفرض تحت ضغط الحرب، بينما تتراجع فرص فوز المعارضة بشكل كبير طالما استمر القتال.

