د. خلود عبدالحفيظ يعقوب
باحث أول في وحدة الدراسات الإيرانية
يعتبر مركز دراسات وزارة الخارجية الإيرانية المعروف باسم “مركز الدراسات السياسية والدولية الإيراني” (IPIS) أحد المراكز التي يمكن من خلالها متابعة القضايا التي تشغل الدبلوماسية الإيرانية وطريقة تقديمها إلى الخارج، ولا يعني ذلك أن كل ما ينشره المركز يمثل موقفا رسميا للدولة، لكن اختيار الموضوعات والضيوف والفعاليات يعطي مؤشرا على الملفات التي ترى الخارجية الإيرانية أهمية إبقائها قيد النقاش.
وفي العينة التي يقوم عليها هذا الرصد للفترة من 26 سبتمبر إلى 1 أكتوبر 2026، أمكن تحديد ستة منشورات وأنشطة رئيسية قام المركز بنشرها خلال تلك الفترة، بموجب مقالتين تناولتا الحرب وأمن غربي آسيا والنظام الدولي من خلال حوارات مع شخصيات أجنبية، وأربع مقالات وأنشطة ارتبطت بأرمينيا وجنوب القوقاز والممرات الجديدة مع امتداد النقاش إلى آسيا الوسطى.
كما ظهر نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والدولية بوزارة الخارجية للشؤون البحثية والدراسات، علیرضا خداقلیپور، مباشرة في مناقشات منتدى APRI في العاصمة الأرمنية يريفان، الذي انعقد بين 23 و25 سبتمبر.
ويكشف هذا الرصد عن ثلاث قضايا رئيسية اهتم بها المركز خلال تلك الفترة وهي شكل الأمن الإقليمي بعد الحرب، ومستقبل الممرات في جنوب القوقاز، ومحاولة إيران الحفاظ على موقعها في شبكات التجارة والاتصال الجديدة.
أولا: الأمن الإقليمي بعد الحرب.. ما الذي يريد IPIS وضعه للنقاش؟
أجرى المرکز لقاء أونلاين مع “أوليفر ماكترنان”، مؤسس منظمة Forward Thinking البريطانية والمتخصصة في الحوار وحل النزاعات، وكذلك السياسي الباكستاني “مشاهد حسين سيد”. وناقش ماكترنان تأثير الحرب على إيران والمنطقة، وتراجع احترام قواعد القانون الدولي، والحاجة إلى الحوار، بينما تحدث حسين سيد عن التحولات في النظام الدولي وعن ضرورة ألا تعتمد دول المنطقة بصورة كاملة على قوى خارجية في توفير أمنها.
المهم هنا النظر إلى سبب اختيار IPIS لهذه القضايا تحديدا لعرضها من خلال هؤلاء الضيوف، فبعد أشهر من الحرب يركز المركز على سؤال يتجاوز العمليات العسكرية نفسها إلى من يحدد شكل الأمن في المنطقة بعد انتهاء القتال؟! ومن خلال استضافة أصوات أجنبية تتحدث عن الحوار والقانون الدولي وتقليص الاعتماد على القوى الخارجية، يضع IPIS هذه الأفكار في مقدمة النقاش من ولا يقدمها فقط على لسان مسؤول إيراني.
ويزداد معنى هذا الاختيار وضوحا مع تصريحات خداقلی پور في يريفان، حيث قال إن إيران تجري اتصالات مع دول الجوار لمناقشة ترتيبات أمنية مستقبلية للمنطقة في ضوء الدروس التي أفرزتها الحرب، وهنا يظهر عنصر مهم في الخطاب الإيراني الحالي طهران لا تتحدث فقط عن حماية نفسها من هجوم جديد، بل تحاول فتح نقاش أوسع حول شكل الترتيبات الأمنية في جوارها وهذه ليست فكرة إيرانية جديدة بالكامل، لكن الحرب أعادتها إلى الواجهة ومنحتها أهمية أكبر.
ثانيا: القلق الإيراني من مشروع طريق TRIPداخل أرمينيا
كان الملف الأكثر حضورا في المقالات المرتبطة بجنوب القوقاز هو مشروع TRIPPالأرميني وهو اختصار لـTrump Route for International Peace and Prosperity، أي “طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي”، والمشروع يقوم على إنشاء شبكة عبور متعددة الوسائط داخل الأراضي الأرمينية تربط الجزء الرئيسي من أذربيجان بجمهورية نخجوان الأذربيجانية المنفصلة جغرافيا عنه، ويمكن أن تشمل الطرق والسكك الحديدية وخطوط الطاقة والاتصالات.
كما يستهدف الطريق ربط هذا المسار بطريق التجارة العابر لبحر قزوين بين آسيا الوسطى وأوروبا، وينص الاتفاق الأمريكي ــ الأرميني على بقاء الأرض تحت السيادة والقانون الأرمينيين، بينما تتولى شركة تطوير مشتركة تنفيذ المشروعات، بحصة أمريكية تبلغ 74% وأرمينية 26% خلال فترة أولية مدتها 49 عاما.
وهنا يمكن فهم القلق الإيراني بصورة واضحة فالمشروع لا يتعلق بطريق تجاري بعيد عن إيران، وإنما بمسار في جنوبي أرمينيا في منطقة شديدة الحساسية بالنسبة إلى طهران، لأنه يغير شبكة الطرق على حدودها الشمالية ويمنح الولايات المتحدة دورا اقتصاديا طويل الأمد في مشروع إستراتيجي هناك.
لذلك لا ترفض إيران رسميا فتح طرق جديدة، بل تقول إن قبولها يتوقف على بقاء أرمينيا صاحبة السيادة وعدم تحول المشروع إلى وجود أمني أو عسكري أمريكي قرب الحدود الإيرانية، وقد طالب خداقلی پور أرمينيا بتقديم ضمانات عملية في هذا الشأن لا الاكتفاء بتطمينات سياسية.
ومن الجدير بالملاحظة أن الاتفاق الرسمي يؤكد على أن أرمينيا تحتفظ بالسيادة والرقابة على الحدود والجمارك والأمن داخل أراضيها، لكن طهران تنظر إلى المشروع على المدى الطويل ولديها مخاوف كثيرة مثل من سيدير البنية التحتية؟ وما حجم الدور الأمريكي؟ وهل سيغير الطريق مسارات التجارة الحالية؟ ولهذا أكد خداقلی پور في كلمته أن TRIPP يجب أن يكون إضافة إلى الطرق الموجودة وليس بديلا عنها، وهذا يوضح أن الاهتمام الإيراني بالمشروع يجمع بين قلق أمني مباشر ومصلحة اقتصادية تتعلق بعدم تراجع أهمية الأراضي الإيرانية في حركة النقل الإقليمية.
ثالثا: محاولة الحفاظ على موقع إيران في خريطة الممرات
يفسر هذا أيضا الاهتمام الكبير الذي أظهره IPIS بأرمينيا خلال الأسبوع، فإيران ترتبط بأرمينيا بحدود مباشرة كما تمثل الأراضي الأرمينية أحد منافذها نحو القوقاز وما بعده، وقد تحدث خداقلی پور عن العمل على مشاريع جديدة يمكن أن ترفع العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية، مشيرا إلى أن الحرب أعادت إظهار أهمية جنوبي القوقاز وآسيا الوسطى بالنسبة إلى إيران، لذلك لا يمكن فصل متابعة طهران لمشروع TRIPPعن حرصها على تعزيز علاقتها مع يريفان.
كما شارك خداقلی پور في جلسة أخرى بمنتدى APRI بعنوان “جنوب القوقاز واللوجستيات الجديدة لأوراسيا”، تناولت موقع المنطقة بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا، ويعتبر هذا النقاش مهما لإيران لأن السنوات الأخيرة شهدت توسع مشروعات تربط آسيا الوسطى وبحر قزوين وأذربيجان وتركيا بأوروبا.
وفي المقابل تمتلك إيران طرقا تربط الخليج بآسيا الوسطى والقوقاز وروسيا؛ لذلك تتمثل المصلحة الإيرانية في ألا يظهر طريق جديد يحل محل هذه المسارات، بل أن تبقى الطرق المختلفة مفتوحة ومترابطة بحيث تحتفظ إيران بدورها كدولة عبور.
وعند قراءة هذه المنشورات والأنشطة مجتمعة تتضح وظيفة IPIS بصورة أفضل، ذلك أن المركز لا يصنع السياسة الخارجية الإيرانية لكنه يساعد في شرحها وتقديم القضايا التي تعتبرها الخارجية مهمة إلى جمهور من الباحثين ومراكز الفكر والمسؤولين خارج إيران.
إلى جانب أن اختيار موضوعات مثل أمن المنطقة بعد الحرب، والعلاقة مع أرمينيا، وTRIPP، وشبكات النقل في أوراسيا خلال فترة زمنية قصيرة يشير إلى أن طهران تتابع بصورة خاصة التحولات التي يمكن أن تؤثر في بيئتها الأمنية وفي موقعها الاقتصادي معا.
خاتمة
تكشف أجندة IPIS خلال هذا الأسبوع عن أن إيران منشغلة بما سيأتي بعد الحرب بقدر انشغالها بالحرب نفسها، ففي غربي آسيا تطرح مسألة شكل الأمن الإقليمي ودور دول المنطقة فيه، وفي جنوبي القوقاز تراقب مشروع TRIPP بسبب ما يحمله من تغير في طرق النقل ودور أمريكي قريب من حدودها، وفي علاقاتها مع أرمينيا وآسيا الوسطى تسعى إلى الحفاظ على موقعها داخل شبكات التجارة والعبور الجديدة، ومن ثم فإن القاسم المشترك بين هذه الملفات واضح وهو منع التغيرات الإقليمية الجارية من تقليص أمن إيران أو تجاوز موقعها الجغرافي.
