د/ محمد أحمد صالح
تشكل تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس نقطة انعطاف سياسية أكثر من كونها مجرد مقابلة إعلامية. فهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها مسؤول بهذا المستوى داخل الإدارة الأمريكية بصورة علنية عن أربعة ملفات كانت حتى وقت قريب من المحرمات السياسية في واشنطن: وجود محاولات إسرائيلية للتأثير على القرار الأمريكي، واعتراف ضمني بوجود نشاطات تأثير سرية مرتبطة بالحكومة الإسرائيلية، والإقرار بأن إسرائيل تخسر معركة الرأي العام الأمريكي، وفتح الباب مجدداً أمام ملف جيفري إبستين وربطه بعلاقات استخباراتية أمريكية وإسرائيلية.
هذه التصريحات لا تعني بالضرورة أن السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل ستنقلب جذرياً، لكنها تكشف عن تغير مهم في طبيعة النقاش داخل النخبة الحاكمة الأمريكية، وتستحق القراءة باعتبارها مؤشراً على تحولات أوسع في البيئة السياسية الأمريكية.
تصريحات فانس الاستثنائية
منذ عقود تقوم العلاقة الأمريكية الإسرائيلية على قاعدة أساسية مفادها أن الخلافات تتم خلف الأبواب المغلقة، أما أن يخرج نائب رئيس الولايات المتحدة ليقول علناً إن هناك شخصيات إسرائيلية حاولت التأثير على القرار الأمريكي، وإسرائيل تمول حملات ضد مسؤولين أمريكيين، وإسرائيل تخسر الرأي العام الأمريكي، وإبستين كانت له صلات استخباراتية إسرائيلية، فهذه لغة مختلفة تماماً عن الخطاب التقليدي.
السياق الأمريكي الداخلي
لفهم تصريحات فانس يجب النظر إلى الصراع داخل الحزب الجمهوري نفسه. ويمكن تقسيم الجمهوريين اليوم إلى أربعة تيارات رئيسية:
-المحافظون التقليديون: يمثلون الامتداد التاريخي للحزب، ويؤمنون بالتحالف المطلق مع إسرائيل، والتدخل العسكري، وحماية النظام الدولي الأمريكي.
-تيار “ماجا MAGA”: يمثل دونالد ترامب وجي دي فانس تيار “Make America Great Again
لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، من أولويات هذا التيار أمريكا أولاً، وتقليل الحروب، والتركيز على الداخل، ورفض استنزاف الموارد. بالنسبة لهذا التيار إسرائيل حليف، ولكن ليست صاحبة القرار.
-المحافظون الجدد: برزوا بقوة بعد أحداث 11 سبتمبر، يرون أن إسقاط الأنظمة يخدم الأمن الأمريكي، وإسرائيل جزء من الأمن القومي الأمريكي.
-الانعزاليون: يرفضون معظم التدخلات الخارجية.
تصريحات فانس جاءت لتعبر عن رؤية التيار الثاني أكثر من أي شيء آخر.
أسباب اختيار فانس هذه الملفات تحديداً
اختار فانس ملفات بعينها؛ لأنها تمثل أكثر القضايا حساسية لدى القاعدة الجمهورية الجديدة، وهي نفوذ اللوبيات، وملفات إبستين، والحرب مع إيران، والتمويل السياسي، الإعلام، والعلاقة مع إسرائيل. أي أنه يخاطب جمهوره الانتخابي بقدر ما يخاطب الرأي العام.
الحملات السرية وتأثيرها في السياسة الأمريكية
توجد في الولايات المتحدة أشكال متعددة من أنشطة التأثير السياسي، مثل جماعات الضغط (Lobbying)، والحملات الإعلامية، وتمويل الإعلانات السياسية وفق القوانين الأمريكية، ونشاط مراكز الأبحاث، والحملات الرقمية، والتواصل مع صناع القرار. وقد أشارت تقارير صحفية خلال السنوات الأخيرة إلى حملات رقمية ومبادرات دعائية مرتبطة بأطراف مختلفة، بما فيها حكومات أجنبية، للتأثير على النقاش العام.
فانس ومجلة تايم
اشار فانس إلى مجلة “تايم”؛ لأن الاستناد إلى تقرير صحفي معروف يمنحه غطاءً سياسياً، بحيث لا يبدو وكأنه يطرح اتهامات من فراغ. فهو يقول عملياً: “لست أنا من كشف القصة” بل: “هناك تقارير منشورة”، وهذا أسلوب شائع في الخطاب السياسي لتقليل كلفة الاتهام.
الموساد والحرب غير التقليدية
يشتهر الموساد بعمليات متنوعة تشمل جمع المعلومات، والتجنيد، والعمل السري، وعمليات خاصة نُسب إليه تنفيذها في دول مختلفة. كما نُشرت عبر العقود دراسات وكتب تتناول استخدام أجهزة الاستخبارات، بما فيها الإسرائيلية وغيرها، لوسائل مثل بناء شبكات بشرية، والاختراق التقني، والعمليات النفسية، والتأثير الإعلامي، والتعاون مع أجهزة استخبارات حليفة. لكن من المهم التمييز بين ما هو موثق رسمياً أو مدعوم بأدلة قوية، وبين ما يبقى في إطار التكهنات أو الروايات غير المؤكدة.
إبستين في هذا المشهد
هذه القضية من أكثر الملفات إثارة للجدل. المؤكد تاريخياً أن إبستين امتلك شبكة علاقات واسعة، وارتبط بساسة، وارتبط برجال أعمال، وارتبط بأمراء، وارتبط بعلماء، وارتبط بمشاهير. لكن السؤال الأكبر ظل: لماذا كان يملك كل هذه العلاقات؟. لا يوجد حتى اليوم دليل رسمي قاطع يثبت أنه كان يعمل لصالح جهاز استخبارات معين. وقد طُرحت فرضيات متعددة في الإعلام والكتب والتحقيقات، بعضها أشار إلى احتمال وجود صلات استخباراتية، إلا أنها لم تُحسم قضائياً أو عبر تحقيق رسمي نهائي. تصريحات فانس تعيد هذا الجدل إلى الواجهة، لكنها لا تُغني عن الحاجة إلى أدلة موثقة.
أسباب تراجع شعبية إسرائيل داخل أمريكا
يمكن تفسير أسباب تراجع شعبية إسرائيل داخل أمريكا بعدة عوامل متداخلة:
-اختلاف الأجيال: الشباب الأمريكي أقل ارتباطاً بالسرديات التقليدية للحرب الباردة، وأكثر حضوراً على المنصات الرقمية التي تعرض روايات متعددة عن الصراع.
-الحروب الطويلة: جزء من الرأي العام الأمريكي أصبح أكثر ميلاً لتجنب الانخراط العسكري الخارجي بعد تجارب العراق وأفغانستان.
-الاستقطاب الحزبي: أصبحت مواقف بعض القضايا الخارجية، ومنها إسرائيل، أكثر ارتباطاً بالانقسام السياسي الداخلي.
-الإعلام الجديد: لم تعد الرواية الإعلامية تأتي من عدد محدود من القنوات والصحف، بل من منصات رقمية متعددة ومؤثرين واتجاهات مختلفة.
مستويات رسائل فانس
يمكن قراءة رسائله على ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: إلى الداخل الأمريكي وأمريكا أولاً.
المستوى الثاني: إلى إسرائيل، الحليف لا يحدد السياسة الأمريكية.
المستوى الثالث: إلى إيران، لا يزال باب التفاوض قائماً إذا انسجم مع المصالح الأمريكية.
تغير العقيدة الأمريكية
لم تتغير العقيدة الأمريكية بالكامل، لكنها تتحول تدريجياً من حماية النظام الدولي بأي ثمن إلى حماية المصالح الأمريكية أولاً. وهذا يعكس توجهاً ينسجم مع شعار “أمريكا أولاً” الذي يتبناه تيار ترامب.
السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول.. إعادة ضبط العلاقة: قد تستمر الشراكة الاستراتيجية مع زيادة مساحة الخلافات العلنية في بعض الملفات، دون أن يصل الأمر إلى قطيعة. احتمال تحققه مرتفع.
السيناريو الثاني.. استقلال أكبر للقرار الأمريكي: قد تسعى الإدارة الأمريكية إلى إظهار استقلالية أكبر في بعض الملفات الإقليمية، مع استمرار التعاون الأمني والعسكري. احتمال تحققه متوسط.
السيناريو الثالث.. تصاعد الخلافات: إذا اتسعت الخلافات بشأن ملفات مثل إيران أو قضايا إقليمية أخرى، فقد تتزايد حدة الخطاب السياسي، مع بقاء المؤسسات الأمنية والعسكرية في إطار التعاون. احتمال تحققه متوسط إلى منخفض.
السيناريو الرابع.. عودة الخطاب التقليدي: قد تتراجع حدة هذا النقاش إذا تغيرت الظروف السياسية أو نتائج الانتخابات أو أولويات الإدارة. احتمال تحققه قائم، لكنه يعتمد على التطورات الداخلية الأمريكية.
ختاما:
تشير تصريحات فانس إلى عدد من الاتجاهات المحتملة، منها ازدياد الجرأة في مناقشة ملفات كانت تُعد شديدة الحساسية داخل السياسة الأمريكية، واستمرار الانقسام داخل النخبة الأمريكية بشأن أولويات السياسة الخارجية، وتزايد أهمية الرأي العام الأمريكي في تشكيل الخطاب تجاه الحلفاء، واستخدام قضايا مثل إبستين والحملات السرية كجزء من السجال السياسي الداخلي، مع ضرورة التمييز بين ما هو مثبت وما هو محل جدل.
تمثل تصريحات جيه دي فانس تحولاً في الخطاب السياسي أكثر منها دليلاً على تحول جذري في السياسة الأمريكية. فهي تعكس صعود تيار داخل الحزب الجمهوري يدعو إلى إعطاء الأولوية للمصلحة الأمريكية حتى في العلاقة مع أقرب الحلفاء، وينتقد محاولات التأثير الخارجي على القرار الأمريكي أيّاً كان مصدرها.
أما فيما يتعلق بملف جيفري إبستين، فرغم أن القضية لا تزال محاطة بأسئلة كثيرة، فإن الادعاءات حول ارتباطه بأجهزة استخبارات مختلفة لم تُثبت رسمياً حتى الآن. ولذلك ينبغي التعامل مع أي تصريحات أو تحليلات في هذا الشأن بوصفها جزءاً من نقاش سياسي وإعلامي مستمر، لا باعتبارها حقائق محسومة.
وبالنظر إلى المستقبل، يبدو أن العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية مرشحة لمزيد من الجدل العلني حول كيفية تعريف “المصلحة الأمريكية”، مع بقاء الأسس الاستراتيجية للتحالف قوية في المدى المنظور، ما لم تطرأ تحولات سياسية كبرى داخل الولايات المتحدة أو المنطقة.

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version