د. محمد محسن أبو النور
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية
لم يعد ثمة مجال واسع للشك في أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد انخرطت في مواجهة مفتوحة مع إيران دون امتلاك تصور مكتمل المعالم لتحقيق نصر حاسم، ذلك أن القصف الأمريكي المتواصل منذ 28 فبراير 2026 لم ينجح في إسقاط النظام الإيراني، ولا دفعه إلى الاستسلام، كما لم يؤدِ إلى إشعال انتفاضة داخلية واسعة، بل على العكس، أسهم في تعميق نزعة التشدد داخل بنية النظام، وعزز من تماسكه الداخلي عبر إعادة توجيه الغضب الشعبي نحو الخارج، وتحميل الولايات المتحدة الأمريكية وحدها مسؤولية الدمار والخسائر، ولعل هذا المسار يعكس قدرة الدولة الإيرانية على امتصاص الصدمات الكبرى وإعادة إنتاج توازنها الداخلي، حتى تحت وطأة ضغط عسكري غير مسبوق في تاريخها الحديث.
ضمن هذا السياق، تبرز مجموعة من أوراق القوة الإستراتيجية التي لا تزال تمتلكها إيران، وفي مقدمتها التحكم النسبي في معادلات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، إلى جانب قدرتها على الحفاظ على استمرارية مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وتعويض خسائرها القيادية بوتيرة سريعة.
هذه العوامل مجتمعة تجعل أي تحرك عسكري أمريكي واسع محفوفا بدرجة عالية من المخاطر، وتؤكد أن الضغوط الخارجية، مهما بلغت حدتها، لم تفلح حتى الآن في تقويض الاستقرار النسبي للنظام، وقد انعكست هذه الرؤية في عدد من التقديرات الغربية، التي أشارت إلى أن بنية النظام الإيراني أكثر صلابة مما يفترض في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي والأمريكي، وهنا أخص بالذكر ما ذهب إليه دومينيك واجورن، محرر الشؤون الدولية في سكاي نيوز.
في المقابل، تشير المعطيات المتاحة إلى أن التحركات الأمريكية الأخيرة، بما في ذلك إرسال آلاف الجنود من قوات المارينز والمظليين إلى المنطقة، لا تعكس نية للانخراط في احتلال شامل، بقدر ما تعبر عن استعداد لتنفيذ عمليات تكتيكية محدودة داخل الأراضي الإيرانية برغم إدراك واشنطن للكلفة العالية لمثل هذه العملية.
وتتمحور هذه السيناريوهات حول استهداف نقاط حساسة بعينها، مثل جزيرة خارك التي تمثل الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيراني، أو تدمير مواقع صاروخية إستراتيجية، وهو ما يكشف عن توجه داخل البنتاجون نحو إدارة الصراع عبر “الضربات الجراحية” بدلا من الحروب الشاملة.
غير أن هذه المقاربة، على محدوديتها الظاهرية، لا تخلو من تعقيدات ميدانية كبيرة، فإيران راكمت خبرة طويلة في إدارة الحروب غير المتكافئة، وطورت أدوات فعالة في هذا المجال، تشمل الطائرات المسيرة، والصواريخ الدقيقة، والألغام البحرية، بما يجعل أي عملية برية، حتى لو كانت محدودة، عرضة للتحول إلى مواجهة معقدة وغير محسوبة النتائج، ومن ثم، فإن السيطرة على أهداف إستراتيجية مثل جزيرة خارك لا يمكن النظر إليها باعتبارها عملية سهلة أو سريعة، بل هي أقرب إلى “مقامرة عسكرية” تنطوي على مخاطر تصعيد غير مقصود.
وتكتسب جزيرة خارك أهمية مضاعفة في هذا السياق، نظرا لدورها المحوري في تصدير ما يقرب من 90% من النفط الإيراني، ما يجعلها هدفا مغريا من الناحية الإستراتيجية، لكنه شديد الكلفة من الناحية العملياتية، فإلى جانب التحديات المرتبطة بالسيطرة عليها، تبرز معضلة تأمينها في حال نجاح العملية، في ظل بيئة قتالية معادية وقدرات إيرانية مصممة خصيصا لإرباك أي وجود عسكري أجنبي في الخليج.
على المستوى السياسي، تبدو هذه التحركات العسكرية جزءا من إستراتيجية ضغط مزدوجة، تمزج بين التصعيد العسكري والحراك الدبلوماسي، إذ ينظر إلى التهديد بعمل بري، حتى وإن كان محدودا، باعتباره أداة تفاوضية لدفع إيران إلى تقديم تنازلات، سواء فيما يتعلق بسلوكها الإقليمي أو بحرية الملاحة في مضيق هرمز، غير أن استمرار الغارات الجوية في الوقت ذاته يعكس استعدادا أمريكيا للانتقال إلى مستويات أعلى من التصعيد في حال تعثر المسار الدبلوماسي، وهو ما يضفي على المشهد طابعا شديد السيولة والتعقيد.
داخليا، تواجه الإدارة الأمريكية قيدا لا يقل أهمية يتمثل في الرأي العام، حيث تشير استطلاعات رأي أجراها مركز “بيو” للأبحاث إلى معارضة أكثر من 62 بالمئة من الأمريكيين لإرسال قوات برية إلى إيران، ويعني ذلك أن أي قرار بالانخراط في مواجهة برية، حتى لو كانت محدودة، سيصطدم باعتبارات سياسية داخلية قد تحد من استمراريته أو توسعه، وتفرض على صانع القرار الأمريكي حسابات دقيقة تتجاوز البعد العسكري.
وفي هذا الإطار، يتقاطع تقييم عدد من الخبراء الدوليين مع هذه المعطيات، ومن بينهم محلل الشؤون الدولية في إندبندنت البريطانية، روبرت فوكس، إذ يميل إلى التشكيك في قدرة الولايات المتحدة على تحقيق نصر واضح في حال الانخراط في عمليات برية، في ظل ما يعتبروه فجوة بين الأهداف المعلنة والوسائل المتاحة، مقابل قدرة إيرانية ملحوظة على المناورة والتكيف وإدارة الخسائر.
فإيران، وفق هذه التقديرات، لا تراهن على الحسم السريع، بل على استنزاف الخصم وإطالة أمد الصراع ضمن حدود يمكن التحكم فيها، ويعكس الخطاب الإعلامي الغربي هذا الإدراك، حيث يتركز الحديث حول عمليات محدودة النطاق تستهدف تحقيق مكاسب تكتيكية، دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وفي المقابل، تسعى إيران إلى تحويل هذه العمليات المحتملة إلى فرص لاستدراج القوات الأمريكية إلى بيئات قتالية معقدة، بما يحول التفوق العسكري الجوي الأمريكي إلى عبء ميداني، ولعل هذا الإطار التفسيري كاف لفهم تصريح نائب الرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، إذ يقول “إن الرئيس ترامب قادر على إرسال قواته بريا إلى إيران لكنه لن يكون قادرا على استعادتهم”.
ومن ثم، فإن التداخل بين البعدين العسكري والدبلوماسي يظل سمة أساسية للمشهد الراهن، فالتحركات العسكرية لا تنفصل عن الحسابات السياسية، بقدر ما تستخدم كأدوات ضغط ضمن مسار تفاوضي أوسع، في حين يبقى خيار التصعيد قائما كاحتمال دائم، يفرض نفسه كلما تعثرت الجهود الدبلوماسية.
في ضوء ما سبق، تبدو الحرب البرية خيارا مطروحا على الطاولة ويتم التعامل معه إيرانيا كونه حتمية رياضية مؤكدة، لكنه ليس خيارا مربحا للولايات المتحدة التي تواجه معضلة تحقيق أهداف محدودة دون الانجرار إلى مستنقع استنزاف طويل، بينما تراهن إيران على قدرتها على امتصاص الضربة الأولى وإعادة تشكيل مسرح العمليات بما يخدم إستراتيجيتها الدفاعية الهجينة، وهو ما يخلق حالة من “الانتظار الحذر”، حيث يتحرك الطرفان على حافة التصعيد دون القفز الكامل إليه.
وعليه، يمكن القول إن أي مواجهة برية محتملة ستكون، في أغلب تقديراتها، محدودة من حيث النطاق والزمن، لكنها مفتوحة من حيث النتائج والتداعيات، فالمخاطر الكامنة في هذا الخيار لا تتوقف عند حد الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى احتمالات توسع الصراع إقليميا، وتحوله إلى مواجهة طويلة الأمد إذا فشلت الحسابات التكتيكية في تحقيق أهدافها بسرعة.
وخلاصة الأمر أن موازين القوى في صورتها الراهنة لا تمنح الولايات المتحدة أفضلية حاسمة في سيناريو الحرب البرية، بقدر ما تمنح إيران قدرة أعلى على المناورة والاستدامة الإستراتيجية، ومع ذلك، تبقى المرحلة الحالية محكومة بدرجة عالية من الترقب، حيث يسعى كل طرف إلى تعظيم مكاسبه دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة غير مضمونة العواقب، في ظل معادلات صفرية لدى الطرفين، وخيارات سياسية قد تدفع نحو قرارات حادة في لحظات حرجة.
