د. يحيى المغربي
باحث بوحدة الدراسات الإيرانية
ارتكزت عملية “الغضب الملحمي” التي شنتها أمريكا وإسرائيل ضد إيران على هدفين أساسيين، الأول: يهدف إلى إسقاط النظام، والثاني: يهدف إلى القضاء على البرنامج النووي الإيراني. وبالرغم من الضربات القوية التي مُنيت بها إيران خلال أربعين يومًا إلا أنها مازالت تحتفظ بالأدوات والإمكانيات التي تمكنها من مواصلة برنامجها النووي، وباتت هناك رغبة في الحصول على سلاح ردع قوي بجانب الترسانة الصاروخية.
الداخل الإيراني والسلاح النووي
تُعدّ إيران إحدى الدول الموقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي، وتؤكد باستمرار أن برنامجها النووي موجّه للأغراض السلمية، فضلًا عن استنادها إلى فتوى المرشد السابق، علي خامنئي، التي تحرّم امتلاك السلاح النووي، غير أن المعطيات الراهنة توحي بأن هذا الوضع قد لا يستمر طويلًا، إذ تبدو البيئة السياسية والأمنية مهيأة بصورة متزايدة لتحركات أكثر جدية نحو امتلاك مستويات تخصيب مرتفعة قد تمكّن إيران، نظريًا، من الوصول للعتبة النووية.
وقد حرصت طهران مرارًا على التأكيد أن العائق الأساسي أمام امتلاك السلاح النووي لا يرتبط بضعف الإمكانات الفنية أو محدودية الخبرات العلمية، بل بالالتزام بفتوى خامنئي. وفي المقابل، تصاعدت داخل أروقة البرلمان الإيراني أصوات تدعو إلى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، وهو سيناريو قد يصبح أكثر ترجيحًا على المدى المنظور، خاصة إذا نجح المرشد الحالي، مجتبى خامنئي، في ترميم التداعيات التي خلّفتها الحرب، ثم إصدار فتوى تسمح بامتلاك سلاح ردع نووي، ولا سيما إذا اضطرت إيران إلى إخراج اليورانيوم المخصب من أراضيها أو خفض مستويات تخصيبه على المدى البعيد.
وفي هذا السياق، يمكن التدليل بما ذهب إليه الباحث الاقتصادي الإيراني سعيد ليلاز حول أن السبب الحقيقي الذي حال دون إقدام الولايات المتحدة وإسرائيل على شن هجوم تدميري شامل ضد إيران يتمثل في امتلاك طهران نحو 400 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وبحسب تقديره للموقف الحربي، فإن التطورات الجارية تدفع إيران عمليًا نحو الخروج من هذه الحرب بوصفها دولة نووية، أو على الأقل دولة تمتلك القدرة الكامنة على إنتاج السلاح النووي في وقت قصير.
دوافع إيران للحصول على سلاح نووي
1- ازدواجية المعايير: التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع الدول التي تحاول تخصيب اليورانيوم رغم امتلاكها وحليفتها إسرائيل سلاحا نوويا. ورغم عدم الوصول لنسبة التخصيب التي تمكنها من دخول النادي النووي إلا أنها تحاسب على نيتها في الحصول على سلاح نووي.
2- النموذج الليبي: هذا النموذج في البرنامج النووي ماثل بقوة أمام صناع القرار في إيران؛ لأن ليبيا عندما سعت لتطوير برنامجًا نوويًا في عهد القذافي، أزعجت أمريكا وإسرائيل وتواكب ذلك مع فرض عقوبات عليها إثر تورطها في حادث إسقاط طائرة ركاب في إسكتلندا؛ ونتيجة لذلك فككت ليبيا برنامجها لترفع العقوبات عن كاهلها. أما المفارقة هنا تكمن في أن إيران استطاعت أن تتكيف مع العقوبات وتمتص الصدمات بصبر عقائدي وإستراتيجي ينبع من جوهر الشخصية الإيرانية. كما قام حلف الناتو بضرب ليبيا في عام 2011، في حين أن تصريحات نتنياهو المتكررة بضرورة تطبيق النموذج الليبي على البرنامج الإيراني شكّلت دافعًا قويًا لإيران للاستمرار بقوة نحو تحقيق هدفها بإمتلاك التكنولوجيا النووية.
3- النموذج الباكستاني: تمتلك باكستان سلاحًا نوويًا منذ عام 1998م، يقدر بحوالي 170 رأسًا نووية، ومنذ انفصال باكستان والهند والدولتان تتبادلان أطراف الصراع من حين لآخر وتتأرجح علاقتهما بين اللين والشدة، وقد كان ذلك دافعًا لهما لامتلاك سلاح نووي، وبالتالي التنسيق مع شبكة عبد القدير خان الذي خطط لإنتاج القنبلة النووية الباكستانية وترى إيران أن قوة باكستان النووية مكنتها من الصمود في وجه الهند حليفة إسرائيل؛ لذلك قبلة طهران الوساطة الباكستانية في الحرب الجارية، في ضوء قناعتها برئاسة إسلام آباد في الحفاظ على النظام الإيراني الحالي حتى لا يتلاشى ويحل محله نظام آخر خاضع لإسرائيل، في حين ترى إيران أن ذلك النموذج الذي يمكنه استضافة أطراف الصراع في مفاوضات غير مباشرة ناتج الحصول على قوة نووية حقيقية.
التأثيرات المحتملة في حال إمتلاك إيران سلاح نووي
من المرجح أن يؤدي امتلاك إيران للسلاح النووي إلى إحداث تحول عميق في موازين القوة الإقليمية، بما يعزز من نفوذها السياسي والأمني بوصفها دولة نووية تمتلك، إلى جانب ذلك، ترسانة متقدمة من الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة وشبكات النفوذ الإقليمي، ومن ثمّ، فإن هذا التحول قد يفتح المجال أمام جملة من السيناريوهات والتداعيات المحتملة، يمكن إجمال أبرزها فيما يلي:
1ــ عودة شرطي الخليج: من المحتمل أن تنتهج إيران سياسة ضغط غير مباشر تجاه دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية شاركت بصورة أو بأخرى في استهداف إيران خلال حرب الأربعين يومًا، فضلًا عن دور بعض هذه الدول في تجميد أصول وأموال إيرانية، وفي ظل امتلاك طهران مظلة ردع نووي، قد تسعى إلى فرض معادلة أمنية جديدة في الخليج العربي تعيد إلى الأذهان الدور الذي لعبته إيران بوصفها “شرطي الخليج” خلال عهد الشاه، ولكن هذه المرة بمرجعية أيديولوجية وثورية أكثر تعقيدًا.
2ــ الضغط عبر هرمز: إذا كانت إيران قد أبدت في المرحلة الراهنة قدرًا من المرونة في ملف مضيق هرمز، عبر الإبقاء على حرية الملاحة وعدم فرض رسوم عبور مباشرة، فإن إعلانها امتلاك السلاح النووي قد يؤدي إلى إعادة فرض العقوبات الدولية عليها بصورة أشد قسوة. وفي هذه الحالة، قد تتجه طهران إلى توظيف سيطرتها الجغرافية على المضيق كورقة اقتصادية وسياسية، عبر فرض رسوم أو ترتيبات أمنية خاصة على حركة العبور، مستندة إلى قوة الردع الجديدة التي تمتلكها. وقد ترى إيران في عوائد التحكم بالمضيق مصدرًا ماليًا يفوق، على المدى الطويل، العوائد التقليدية لصادرات النفط، خاصة في ظل استمرار القيود المفروضة على قطاع الطاقة الإيراني.
3ــ الدعم لمحور المقاومة: من المرجح أن ينعكس امتلاك إيران للسلاح النووي على طبيعة دعمها لأذرعها الإقليمية وحلفائها غير الرسميين في المنطقة، بحيث يصبح هذا الدعم أكثر وضوحًا وجرأة وفاعلية. وقد يدفع ذلك إلى توسيع نطاق النفوذ الإيراني في عدد من الساحات العربية والإقليمية، بما يحول المنطقة إلى مساحة أكثر قابلية لتجسيد الرؤية الإيرانية للأمن الإقليمي ولتوسيع الامتداد العقائدي والسياسي المرتبط بمفهوم ولاية الفقيه.
4ــ تعميق عزلة إيران: يُتوقع أن يؤدي هذا التحول إلى تعميق عزلة إيران الدولية، سواء عبر تشديد العقوبات الاقتصادية أو زيادة الضغوط السياسية والدبلوماسية عليها. غير أن الخبرة التراكمية التي اكتسبتها طهران خلال العقود الماضية في إدارة العقوبات والتكيف مع العزلة قد تمنحها قدرة نسبية على احتواء آثار هذا السيناريو، ولو بدرجات متفاوتة، خاصة عبر توسيع شراكاتها مع قوى دولية غير غربية.
5ــ توازن الردع مع إسرائيل: يتمثل الجانب الإيجابي الوحيد، من منظور بعض القوى الإقليمية، في أن امتلاك إيران للسلاح النووي قد يفرض نوعًا من توازن الردع مع إسرائيل، بما يحدّ من التفوق الإسرائيلي المطلق في المنطقة ويكبح، إلى حد ما، مشاريع التوسع والهيمنة المرتبطة بفكرة إسرائيل الكبرى. ومع ذلك، يبقى من المستبعد أن توظف إيران هذه القوة في مواجهة مباشرة مع إسرائيل إلا بالقدر الذي يخدم مصالحها الإستراتيجية ويضمن بقاء النظام وتوازناته.
6ــ إحياء الإمبراطورية الفارسية: من المحتمل أن يفضي امتلاك إيران للسلاح النووي إلى إعادة إحياء التصورات المرتبطة بمشروع الإمبراطورية الفارسية بصيغته الجيوسياسية الحديثة، بما يعزز النزعة القومية الفارسية داخل بعض دوائر النخبة الإيرانية. ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال بعض المواقف الثقافية والتاريخية ذات النزعة الشعوبية التي لا تزال تنظر إلى العرب من منظور التفوق الحضاري أو الثأر التاريخي المرتبط بسقوط الإمبراطورية الساسانية. وهذه النزعة، وفق بعض القراءات، ليست وليدة مرحلة الفتح الإسلامي فحسب، بل تمتد جذورها إلى ما قبل الإسلام، واستمرت بدرجات متفاوتة حتى بعد دخول الفرس في الحضارة الإسلامية.
خاتمة
كلما لاحت فرصة حقيقية لإنهاء حالة الجمود الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة، سارعت واشنطن إلى رفع سقف مطالبها السياسية والفنية، بما يعيد العلاقات سريعًا إلى دائرة التعثر وانعدام الثقة. ومن غير الواقعي تصور أن طهران يمكن أن توافق بسهولة على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب أو التخلي عنه بصورة كاملة، لأن هذا المخزون لم يعد مجرد ملف تقني مرتبط بالبرنامج النووي، بل تحول إلى أحد أهم مرتكزات القوة الإستراتيجية والرمزية للنظام الإيراني بعد عقود من الاستثمار المالي والسياسي فيه. ومن ثم، فإن أي خطوة من هذا النوع ستُنظر إليها داخليًا باعتبارها ضربة قاصمة لهيبة النظام وتراجعًا أمام الضغوط الأمريكية، خاصة أن الخطاب الرسمي الإيراني ربط البرنامج النووي طويلًا بمفاهيم السيادة الوطنية والاستقلال العلمي. ورغم أن امتلاك سلاح نووي لا يمثل أولوية مباشرة للمواطن الإيراني الذي يرزح تحت أعباء اقتصادية ومعيشية متفاقمة، فإن المزاج العام داخل إيران لا يزال يميل إلى رفض التخلي عن اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، باعتبار ذلك تفريطًا في مكسب إستراتيجي تحمّلت الدولة والمجتمع كلفة باهظة من أجله على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية.
أحدث المنشورات
- دوافع إيران للحصول على سلاح نووي ومآلاته المحتملة
- صراع الاستراتيجيات في هرمز بين ترامب وخامنئي الابن
- مالي 2026م: تصاعد الهجمات المسلحة وإعادة رسم خريطة التهديدات الأمنية
- الدور المصري في قلب الاستراتيجية الفرنسية: قراءة في جولة ماكرون وإعادة تشكيل الحضور في إفريقيا
- مصر والإمارات والقرن الإفريقي: ملفات عدة وترتيبات محتملة
- الفساد السياسي في إسرائيل بين صراع السلطة وتآكل الدولة
- حروب إسرائيل بالألوان وتشكيل الأمن وهندسة الجغرافيا السياسية
- من النص التوراتي إلى القرار السياسي: قراءة في خطابات نتنياهو
الأحد, 17 مايو
