د. محمد محسن أبو النور

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية

جاء خطاب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الأربعاء 23 سبتمبر 2026م، في واحدة من أكثر اللحظات تعقيدا في مسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران منذ اندلاعها في 28 فبراير 2026م، ذلك أن طهران دخلت اجتماعات الجمعية العامة وهي تحت ضغط عسكري واقتصادي وبحري متزامن، فيما تحاول واشنطن الجمع بين الضغط العسكري والعقوبات والحصار البحري وطرح التفاوض في الوقت نفسه.

ومن هذه الزاوية، تكمن أهمية خطاب بزشكيان في مضمونه السياسي المعلن، جنبا إلى جنب مع محاولته صياغة معادلة دقيقة تجمع بين ثلاث رسائل متزامنة تنهض على رفض الاستسلام أمام الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، وتثبيت شرعية البرنامج النووي السلمي وحق إيران في الدفاع عن نفسها، والإبقاء على باب الدبلوماسية مفتوحا أمام تسوية تنهي الحرب.

وقد تزامن ذلك مع اتصالات أمريكية ــ إيرانية غير مباشرة في نيويورك، استمرت نحو ثلاث ساعات عبر وساطة قطرية، ومع طرح إيراني يقضي بوقف إقليمي لإطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز تدريجيا مقابل إنهاء الحصار الأمريكي على المواني الإيرانية، بما يجعل الخطاب جزءا من عملية تفاوضية أوسع لا يمكن فهمه بمعزل عن التطورات الميدانية والاقتصادية والإقليمية.

أولا: رفض الاستسلام والإبقاء على باب الدبلوماسية

تكشف بنية خطاب بزشكيان عن محاولة واضحة للفصل بين التفاوض والاستسلام، فقد بدأ الرئيس الإيراني من موقع الرفض الكامل للضغوط الأمريكية، وقدم الحرب باعتبارها عدوانا مفروضا على إيران، واستعاد في هذا السياق اغتيال المرشد الإيراني السابق علي خامنئي (1989 ــ 2026م)، وضرب المنشآت المدنية، وصور ضحايا مدرسة ميناب، قبل أن ينتقل إلى التأكيد أن إيران مستعدة للحوار والتفاوض، ولكن “من دون لغة القوة”.

وتبدو هذه الثنائية مقصودة، ذلك أن طهران تحتاج إلى طمأنة مؤسسات القوة في الداخل بأن فتح قنوات التفاوض لا يعني التراجع، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى إبلاغ واشنطن بأن المسار الدبلوماسي لم يغلق.

وقد انعكست هذه الثنائية بوضوح في ردود الفعل الإيرانية، إذ أشاد مسؤولون محافظون، بينهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وقائد الجيش أمير حاتمي، ومحمد مخبر، مستشار مجتبى خامنئي، واللواء علي عبداللهي، قائد مقر خاتم الأنبياء الذي يتولى إدارة الحرب في إيران، بالخطاب، بينما ركزت الصحف الإصلاحية على الجزء المتعلق باستعداد إيران للتفاوض، وانتقده الأكاديمي والسياسي الإصلاحي صادق زيباكلام الخطاب، ووصفه في منشور على منصة “إكس” بأنه: “بذل كل ما لديه من أجل أقلية تبلغ 5 في المئة، بينما كان من الأفضل، أن يتضمن الخطاب كلمتين لتحسين أوضاع الـ95 في المئة من المجتمع الإيراني”.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية أكبر إذا وضعت في سياق ما سبق الخطاب مباشرة، فقد أعلن مسؤول إيراني كبير قبل وصول بزشكيان إلى نيويورك أن الوفد الإيراني يمتلك صلاحية كاملة لاستئناف الدبلوماسية، وأن طهران نقلت إلى واشنطن عبر وسطاء في 16 سبتمبر 2026م، مقترحا لإنهاء الأعمال القتالية، بينما كانت واشنطن قد أبقت بدورها على باب الاتصالات مفتوحا.

وفي 22 سبتمبر 2026م، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن واشنطن منفتحة على لقاء ممثلين إيرانيين إذا كان ذلك يمكن أن يقود إلى نتيجة ملموسة، في حين أعلن ترامب أمام الجمعية العامة أنه يتوقع التوصل إلى اتفاق بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، مع إبقائه خيار التصعيد مطروحا، وفي اليوم نفسه جرت محادثات غير مباشرة بين عباس عراقجي وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بوساطة قطرية، في أول اتصالات من هذا المستوى منذ انهيار مسار يونيو.

غير أن بزشكيان لم يقدم في خطابه خطة سلام تفصيلية بقدر ما قدم إطارا سياسيا عاما للتفاوض، وهذه نقطة مهمة في تقدير الوظيفة العملية للخطاب، لأن المفاوضات الفعلية تجري في مسار مختلف عن المنصة الأممية، وتتركز حول إجراءات متبادلة يمكن تنفيذها ميدانيا، وبحسب المعطيات التي ظهرت في نيويورك، فإن إيران طرحت وقفا إقليميا لإطلاق النار لمدة تصل إلى 60 يوما، وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة تدريجية، وإنهاء الحصار الأمريكي، تمهيدا لمفاوضات أوسع.

كما قالت مصادر مطلعة إن المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين يبحثون صيغة مرحلية تجعل فتح المضيق مقابل تخفيف الحصار جزءا من عملية متبادلة، لكن الطرفين لا يزالان متباعدين بشأن من يقدم التنازل الأول، ومن ثم فإن القيمة الأساسية للخطاب تكمن في توفير الغطاء السياسي لهذا المسار، أكثر من كونه وثيقة تفاوضية قائمة بذاتها.

ثانيا: الصراع والتفاوض على البرنامج النووي ومضيق هرمز

أعاد بزشكيان في خطابه تثبيت الموقف الإيراني التقليدي بشأن البرنامج النووي الذي ينهض على رفض امتلاك السلاح النووي مع التمسك بحق إيران في التكنولوجيا النووية السلمية، غير أن أهمية هذا الموقف في الظروف الحالية تتجاوز الجانب الدعائي، لأن الملف النووي يمثل أحد الشروط المركزية التي تطرحها واشنطن لأي اتفاق، بينما ترى طهران أن التخلي عن التخصيب أو عن البنية الأساسية لبرنامجها النووي يعني تحويل التفاوض إلى عملية إكراه.

وفي المقابل قال وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو الذي أصبح مستشار الأمن القومي أيضا للمرة الأولى في التاريخ الأمريكي المعاصر منذ هنري كسينجر (1973 ــ 1975م)، إن الهدف الأمريكي هو ضمان ألا تمتلك إيران سلاحا نوويا، وإن أي اتفاق يحتاج إلى “الكثير من العمل” على مدى فترة زمنية، وهكذا بقيت الفجوة الأساسية قائمة بحيث تتحدث إيران عن حق نووي سلمي، فيما تركز واشنطن على القيود القابلة للتحقق على القدرات التي يمكن أن تقود إلى إنتاج السلاح.

أما مضيق هرمز فقد أصبح في خطاب بزشكيان أكثر من قضية سيادة أو أمن ملاحي، إذ تحول تدريجيا إلى ورقة تفاوض مركزية، فقبل الخطاب بيوم، قال مسؤول إيراني في تقرير نشرته وكالة رويترز للصحفية الإيرانية برسيا حافظي، إن طهران تستطيع إعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام إذا خففت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت حصارها عن المواني الإيرانية، وبعد الخطاب، ظهرت تقارير عن بحث صيغة مرحلية تربط إعادة فتح المضيق بتخفيف الحصار الأمريكي.

وتكشف هذه المعادلة عن التحول في طبيعة الأزمة، إذ أصبحت إيران تستخدم قدرتها على التأثير في أحد أهم ممرات الطاقة العالمية للحصول على تخفيف للضغط الاقتصادي، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى استعادة حرية الملاحة من دون منح طهران مكاسب سياسية واقتصادية قبل تنفيذ التزاماتها.

وتزداد أهمية هذه الورقة لأن أزمة هرمز لم تعد إيرانية أمريكية فقط، فقد أصبحت دول الخليج معنية مباشرة بإعادة حركة الملاحة، في الوقت الذي يفرض فيه استمرار اضطراب المضيق كلفة على صادرات الطاقة والتجارة الإقليمية، وتشير المعطيات الأخيرة إلى أن حركة السفن التجارية ما تزال منخفضة للغاية، فقد تراجعت عبور سفن السلع عبر المضيق في 24 سبتمبر 2026م، إلى تسع سفن، مقابل متوسط يقارب 18 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة.

وفي المقابل، برزت دعوات خليجية إلى صياغة ترتيبات أمنية إقليمية تشمل إيران، فيما تحدث رئيس الوزراء القطري الشیخ محمد بن عبد الرحمن آل ‌ثانی عن إطار أمني إقليمي يقوم على الضمانات والتشابك الاقتصادي، وهنا يصبح خطاب بزشكيان عن “أمن المنطقة من خلال الجيران الأقوياء” متصلا بمسار إقليمي آخذ في التشكل، وليس مجرد شعار دبلوماسي، وهو رأي ذهبت إليه الكاتبة الإيرانية، نهال فرخي، في تحليل لها بصحيفة “توسعه ايرانى” الإصلاحية (بالعربية: التنمية الإيرانية) وحمل التحليل عنوان: “بی‌اعتمادی؛ لایه الحاقی جنگ به روابط تهران و همسایگان” (بالعربية: انعدام الثقة.. البعد الإضافي للحرب في علاقات طهران مع جيرانها).

ثالثا: الرسائل السياسية الداخلية والخارجية للخطاب

أنتج الخطاب على المستوى السياسي الداخلي مساحة مشتركة بين تيارات سياسية إيرانية مختلفة، لكن هذه المساحة لا تعني انتهاء الخلاف حول التفاوض، فقد تبنى المحافظون، بمن فيهم شخصيات عسكرية وسياسية بارزة، اللغة الأكثر صرامة في الخطاب، خصوصا عبارات رفض الاستسلام ومواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما ركز الإصلاحيون والمعتدلون على أن بزشكيان أبقى باب الحوار مفتوحا.

وذهبت صحيفة “كيهان” على لسان رئيس تحرير حسين شريعتمداري، إلى تقديم الخطاب باعتباره مواجهة سياسية مع واشنطن وتل أبيب، وهو ما فعلته صحيفة “جوان” الأصولية، بينما أبرزت الصحف الإصلاحية عبارات من قبيل عدم الخوف من الحرب وعدم الابتعاد عن التفاوض، وفي المقابل، انتقد بعض المتشددين مثل الكاتب الصحفي المحافظ داود مدرسيان استمرار الحديث عن التفاوض مع واشنطن، معتبرين أن ذلك قد يفسر بوصفه تنازلا في لحظة الحرب، وفي المقابل شكك الكاتب الإصلاحي أحمد زيد آبادي في الترحيب الحماسي الذي أبداه بعض أشد معارضي بزشكيان للتفاوض مع الولايات المتحدة.

وتكشف هذه الاستجابة الداخلية وتناقضاتها عن مشكلة أعمق تتعلق بحدود الحركة السياسية لبزشكيان، إذ تمكن الخطابمن توحيد اللغة حول رفض الضغوط، لكنه لم يحسم بصورة علنية سؤالا جوهريا حول حدود التنازلات الممكنة في التفاوض، ولعل هذه المسألة باتت أكثر حساسية مع انتقال المفاوضات من المستوى النظري إلى ملفات محددة مثل الحصار ومضيق هرمز والبرنامج النووي.

وقد أشارت تحليلات إيرانية إلى أن بعض القوى المحافظة رحبت بالخطاب تحديدا لأنه لم يتضمن تنازلات معلنة، بينما رأى إصلاحيون أن استمرار الدبلوماسية هو الجزء الأكثر أهمية فيه، وفي هذا السياق، تظل المواقف التي تصدر عن مؤسسات القوة الإيرانية ذات أهمية خاصة، إذ أعلن قادة سياسيون وعسكريون دعمهم للخطاب، لكن الإشارات العلنية حول تفاصيل التفاوض ظلت محدودة.

خارجيا، جاءت ردود الفعل لتؤكد أن خطاب بزشكيان لم يغير بصورة مباشرة مواقف الأطراف الأساسية، لكنه وضع مسارا تفاوضيا إقليميا أمام المجتمع الدولي، فقد انسحب ممثل عن الوفد الأمريكي مع بدء الخطاب، كما غاب الوفد الإسرائيلي عن الجلسة، بينما وصف روبيو الخطاب بأنه لا يقدم جديدا كافيا في مسار التسوية، مع تأكيده أن الاتفاق المحتمل يحتاج إلى مفاوضات طويلة.

وفي المقابل، استمرت الاتصالات الإقليمية، إذ التقى بزشكيان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في نيويورك يوم الخميس 24 سبتمبر 2026، وأكد شريف بعد اللقاء أن مذكرة تفاهم إسلام آباد ما تزال مقبولة لدى طهران وأنها مستعدة للمضي في تنفيذها، كما استمرت قطر في دور الوساطة، فيما برزت مواقف خليجية تدفع باتجاه ترتيبات أمنية إقليمية أوسع، وبذلك انتقل الملف من مواجهة ثنائية مغلقة إلى شبكة تفاوض تضم واشنطن وطهران ودول الخليج ووسطاء إقليميين، وهو ما كتبه بالحرف الواحد الصحفي فارنوش أميري في تحليل له بصحيفة لوس أنجليس تايمز حمل عنوان: ” In defiant speech, Pezeshkian calls out Trump, declaring that Iran will not bow to force ” (بالعربية: في خطاب التحدي.. بزشكيان ينتقد ترامب ويعلن أن إيران لن ترضخ للقوة).

خاتمة

يمكن قراءة خطاب بزشكيان في الدورة الـ81 بالجمعية العامة للأمم المتحدة والذي جاي يوم الأربعاء 23 سبتمبر 2026م، باعتباره محاولة إيرانية لإدارة معادلة شديدة التعقيد تنهض على الحفاظ على صورة الدولة القادرة على الصمود أمام الحرب والضغط الاقتصادي، مع منع إغلاق المسار الدبلوماسي الذي قد يوفر مخرجا من حرب طويلة واستنزاف اقتصادي متزايد، وقد نجح الخطاب، على المستوى الداخلي، في الجمع مؤقتا بين تيارات متباينة حول لغة رفض الإكراه، لكنه لم يلغ الخلاف حول طبيعة التسوية الممكنة مع واشنطن. أما على المستوى الخارجي، فلم يحمل الخطاب اختراقا تفاوضيا، لكنه جاء في لحظة بدأت فيها الاتصالات الأمريكية الإيرانية تتحول من تبادل الرسائل إلى بحث ترتيبات مرحلية تشمل وقف إطلاق النار ورفع الحصار وإعادة فتح هرمز.

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version