سعد عبد العزيز محمد
في مشهد يجمع بين طموح الرؤية السعودية 2030 وبراغماتية الدبلوماسية الفرنسية، قام ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بزيارة باريس حاملاً معه أكثر من مجرد شيك استثماري. فالصفقة التي أُعلن عنها بقيمة 7 مليارات دولار لإنشاء مجمع ترفيهي سعودي متكامل في ضواحي العاصمة الفرنسية، ليست مجرد استثمار عقاري أو سياحي، بل هي حلقة جديدة في استراتيجية المملكة لترسيخ حضورها كفاعل جيوسياسي لا يُستهان به، حتى في عقر دار القرار الأوروبي.
لكن ما يثير الفضول، هو ما تلا التوقيع من حديث سياسي رفيع المستوى حول لبنان، والقرار الأممي 1701، ونزع سلاح التنظيمات، ودعم الجيش اللبناني. فجأة، انتقلت الصفقة من دائرة الاقتصاد إلى قلب المعادلة الشرق أوسطية، حيث تتقاطع المصالح الإيرانية والتركية والأمريكية والإسرائيلية في ساحة واحدة هي بيروت. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا لبنان تحديداً، وماذا تريد السعودية هناك؟
الصفقة الظاهرة.. واستراتيجية النفوذ الخفية!
وقّعت شركة «القدية» السعودية للاستثمار اتفاقية تمويل ضخمة لإقامة مجمّع ترفيهي متكامل في محيط العاصمة الفرنسية، يُتوقع أن يوفّر عشرات الآلاف من فرص العمل للاقتصاد الفرنسي. وفي قراءة سطحية، تبدو الصفقة انتصاراً دبلوماسياً للرئيس إيمانويل ماكرون، الذي يسعى لضخ أموال حيوية في خزائن بلاده، وإنجازاً تسويقياً للمملكة التي تواصل استثمار نفوذها المالي في قلب أوروبا.
لكن المحللين الإسرائيليين يرون في هذه الصفقة أكثر من مجرد تبادل تجاري. فهي، بالنسبة للرياض، حلقة جديدة في استراتيجية «شراء النفوذ» السياسي، ورسالة ضمنية إلى واشنطن وتل أبيب مفادها أن للمملكة بدائل استراتيجية لا تقتصر على التحالف التقليدي مع الولايات المتحدة.
بيروت.. الساحة الحقيقية للصراع!
غير أن المفاجأة الأكبر تكمن في البيان المشترك الذي صدر عقب اللقاء بين ماكرون وبن سلمان، إذ أعاد الطرفان فجأة إحياء الحديث عن القرار الدولي 1701 الخاص بلبنان، متحدثين عن «نزع سلاح التنظيمات خارج إطار الدولة» في إشارة واضحة إلى حزب الله، وعن دعم الجيش اللبناني وضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.
وهنا يبرز الدور الفرنسي السعودي كفاعل جديد يسعى إلى ملء الفراغ السياسي في بيروت، مستفيداً من تراجع النفوذ الإيراني، ومن انشغال الولايات المتحدة بملفات أخرى. ففرنسا، التي فقدت الكثير من أدوات الضغط الاقتصادي في لبنان خلال السنوات الأخيرة، وجدت في السعودية «ظهراً مالياً» يعيد لها وزنها الدبلوماسي، بينما تحصل الرياض على غطاء سياسي ودولي يخدم أجندتها الإقليمية.
أربعة أطراف على طاولة لبنان!
يكشف المحلل الاستراتيجي الإسرائيلي “عميت يجور” في تناوله للمشهد اللبناني عن تنافس محتدم بين أربعة محاور رئيسية، يسعى كل منها إلى رسم ملامح المرحلة المقبلة في بيروت:
1. المحور الإيراني-الشيعي، الذي يعمل على التمسك بنموذج «الدولة المزدوجة» واستخدام مؤسسات الدولة غطاءً لنشاط حزب الله.
2. المحور التركي-السوري، حيث تسعى أنقرة لتعميق نفوذها المدني والسياسي في أوساط السنة، بينما يبحث النظام السوري عن استعادة نفوذه السابق في العاصمة اللبنانية.
3. المحور الفرنسي-السعودي، الذي يطرح نموذجاً قائماً على إعادة الإعمار الاقتصادي والمؤسسي لإزاحة النفوذ الإيراني والتركي معاً، ولكن بشروط تحددها باريس والرياض.
4. المحور الأمريكي-الإسرائيلي، الذي يراهن على ترسيخ الحكومة اللبنانية وتهيئة الأجواء لتطبيع مستقبلي، مع الحد من دور اللاعبين الخارجيين الآخرين.
إسرائيل بين المطرقة والسندان!
من زاوية تل أبيب، يبدو المخطط الفرنسي-السعودي في لبنان بمثابة سيف ذو حدين. فمن جهة، يتضمن نزع سلاح حزب الله وتعزيز مؤسسات الدولة، وهو ما يتوافق مع المصالح الإسرائيلية. لكن من جهة أخرى، تنظر إسرائيل بعين الريبة إلى آليات الإنفاذ الرخوة التي قد تفرضها باريس، وإلى احتمالية منح الجيش اللبناني حصانة دولية دون ضمانات فعلية بتفكيك البنية التحتية لحزب الله.
ويحذر المحلل الإسرائيلي “يجور”، من أن إعادة طرح القرار 1701 بقيادة فرنسية قد تُقيد حرية الجيش الإسرائيلي في التحرك العملياتي مستقبلاً، وتخلق أعرافاً دولية جديدة لا تراعي الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية العاجلة.
ويضيف ياجور أن غياب تحرك إسرائيلي نشط في الملف اللبناني، بالتزامن مع صعود المحور السعودي-الفرنسي، قد يحوّل مؤتمر باريس المرتقب لدعم الجيش اللبناني إلى منصة تُملَى منها قواعد جديدة للعبة في الشرق الأوسط، تكون إسرائيل فيها متفرجاً لا لاعباً.
كيف ستواجهه إسرائيل التحرك السعودي؟
في ظل تلك المعطيات، يدعو المحللون الإسرائيليون إلى تحرك دبلوماسي عاجل بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية، يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية:
• ربط أي دعم أمريكي لمؤتمر باريس بخطوط حمراء واضحة، أبرزها الحفاظ على حرية إسرائيل العملياتية في مواجهة التهديدات الفورية.
• عدم منح الجيش اللبناني والاقتصاد اللبناني «شيكاً على بياض»، بل ربط الدعم السعودي بمراحل قابلة للقياس تشمل تفكيك منشآت حزب الله فعلياً، وفرض رقابة نشطة على المعابر الحدودية، وإنشاء آلية مراقبة خارجية بقيادة القيادة المركزية الأمريكية.
• توجيه رسالة دبلوماسية إلى الرياض عبر واشنطن، مفادها أن الاستثمار في لبنان دون ضمانات صارمة لنزع السلاح قد يُعرّض الأموال السعودية نفسها للخطر في حال اندلاع أي تصعيد مستقبلي.
لبنان محطة اختبار إقليمية!
ما يحدث اليوم في بيروت ليس مجرد أزمة سياسية محلية، بل هو مرآة تعكس التحولات الكبرى في موازين القوى الإقليمية. فبينما تتراجع إيران وتتقدم تركيا، تحاول السعودية وفرنسا رسم ملامح نظام جديد في المنطقة، وسط مخاوف إسرائيلية من أن تكون هذه الصفقة، رغم بريقها المالي والسياسي، فاتورة باهظة تدفعها تل أبيب في نهاية المطاف.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح باريس والرياض في فرض رؤيتهما على لبنان، أم أن الساحة اللبنانية ستشهد مفاجآت إضافية قبل إسدال الستار على هذه الجولة من الصراع الدولي على بيروت؟
توصيات لتعظيم المكاسب وتقليل الخسائر
من خلال ما سبق، يمكن اقتراح عدة توصيات لتعزيز الموقف السعودي في هذا الملف الشائك:
1 – توثيق التنسيق مع واشنطن : بقدر ما يحمل تحرك الرياض مع باريس أهمية كبيرة، تظل العلاقة مع واشنطن هي الضامن الأساسي لأي تسوية إقليمية. وينبغي على الرياض التأكد من أن أي ترتيبات لبنانية تحظى بغطاء أمريكي يضمن استدامتها ويمنع أي طرف من التفلت منها.
2 – ربط الدعم المالي للبنان بجدول زمني واضح، وذلك على غرار ما تفعله المؤسسات المالية الدولية، ينبغي ربط كل مرحلة من مراحل إعادة الإعمار بتقدم ملموس في ملف نزع السلاح الحزب الشيعي، وتحقيق الاستقرار والمصالح السعودية.
3 – إشراك كافة الأطراف اللبنانية: إذ يجب أن يكون الخطاب السعودي موجهاً إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها، مع فتح قنوات حوار مع جميع المكونات اللبنانية التي تؤمن بدولة القانون، لتوسيع قاعدة التأييد للتحرك السعودي وعدم حصره في فريق سياسي واحد.
4 – تطوير دور الإعلام السعودي: في ظل حرب السرديات الإقليمية، يجب على الإعلام السعودي تسليط الضوء على الجوانب الإنسانية والتنموية للتدخل في لبنان، مع توضيح أن المملكة لا تسعى إلى الهيمنة، بل إلى استقرار يخدم جميع طوائف الشعب اللبناني الذي عانى طويلاً من ويلات الصراعات الداخلية والإقليمية.
5 – التنسيق مع الدول الصديقة: يُفضل أن تنسق السعودية مع بعض الدول الصديقة مثل مصر والأردن ودول الخليج لإنشاء آلية عربية مشتركة لمتابعة الملف الأمني في لبنان، بحيث لا يكون القرار فرنسياً–سعودياً فقط، بل عربياً بامتياز.
6 – توجيه رسائل ردع للمحور الشيعي: يجب التواصل مع طهران عبر قنوات وسيطة (مثل عُمان أو قطر) لتوضيح أن المملكة لن تسمح بعودة النفوذ الإيراني إلى لبنان بنفس الصيغة السابقة، وأن أي محاولة لإفشال الترتيبات الجديدة ستقابل بردود فعل سعودية قاسية.
7 – تعزيز التواجد الدبلوماسي والعسكري الاستشاري في لبنان، من خلال زيادة عدد الملحقين العسكريين والخبراء الأمنيين، مع الحفاظ على الطابع الاستشاري غير المباشر.
8 – الاستعداد لسيناريو الفشل من خلال وضع خطط بديلة حال تعثرت الترتيبات اللبنانية، تشمل إعادة توجيه الاستثمارات إلى دول أخرى، والانسحاب التدريجي من الملف اللبناني للحد من الخسائر وحفظ ماء الوجه.
أحدث المنشورات
- رؤية إسرائيلية للأبعاد الخفية للاستثمار السعودي في باريس!
- اتفاقيات أبراهام في مهب التحول الإقليمي تآكل النموذج الإسرائيلي وصعود شرق أوسط متعدد الشبكات
- حزب «عمخا يسرائيل» بقيادة عوفر فينتر: ورقة قوة لليمين أم تهديد جديد لمعسكر نتنياهو؟
- قلنديا وما بعد الأونروا تفكيك الوجود الأممي وقضية اللاجئين في القدس قبيل الانتخابات الإسرائيلية 2026م
- أزمة الشمال” في الأوراق البحثية الإثيوبية عجز ميداني وغياب الحلول السياسية
- التنافس الأمريكي – الصيني في الذكاء الاصطناعي التداعيات الاستراتيجية على إسرائيل
- السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية من إدارة الصراع إلى الضم الفعلي وإعادة إنتاج الجغرافيا
- القرن الأفريقي في مرحلة إعادة تشكيل القوة
الخميس, 27 أغسطس
