كامل مصطفى كامل
باحث سياسي
اكتسبت المضائق والممرات المائية منذ العصور القديمة اهمية كبرى نظرا لاعتبارها قنوات للتنقل والتواصل بين الشعوب والحضارات وزادت اهميتها ايضا مع تطور العلم وبدء حركة التجارة وتبادل البضائع لذلك اصبح لهذه الممرات المائية اهمية تجارية واقتصادية. مع ظهور الدول الحديثة حرصت هذه الدول على تقنين وضع هذه المضائق والممرات المائية من خلال المعاهدات والاتفاقات مثل اتفاقية القسطنطينية واتفاقية مونترو وقانون البحار. ظهر فيما بعد لهذه الممرات اهمية استراتيجية وجيوسياسية كبيرة تمنع الدول المتحكمة فيها مكانة هامة على خريطة السياسة الدولية ، وانطلاقا من ذلك سنتطرق في هذا المقال الى التطور الذي طرأ على دور المضائق والممرات المائية في الحروب والصراعات الدولية، حيث تحولت من سبب لقيام الصراعات ومحفز لتحرك القوى الاقليمية والدولية للسيطرة على هذه الممرات الى اسلحة ردع وورقة ضغط تستخدمها الدول لتغيير مسارات الحروب والصراعات.
اهمية الممرات المائية وتنظيم عملها قانونياً
تنفل هذه المضايق والقنوات البحرية أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية للسلع والبضائع، وما يزيد عن 60% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال. إن وجود هذه الممرات يساهم بشكل مباشر في تقليل مسافات الإبحار بين القارات، مما يؤدي إلى خفض تكاليف الشحن وتوفير الوقود والوقت، وتنعكس هذه الكفاءة التشغيلية على أسعار السلع المستهلكة نهائياً حول العالم، وتجعل سلاسل الإمداد والتوريد أكثر مرونة واقتصادية. تُعد هذه الممرات نقاط اختناق جغرافية يترتب على التحكم فيها أو التأثير على أمنها حسم الصراعات ونفوذ القوى العظمى. إن قدرة أي دولة على حماية أو تهديد ممر مائي حرج تمنحها أوراق ضغط سياسية وعسكرية هائلة، فالسيطرة على هذه المنافذ تضمن للدول الشاطئية تأمين سلامة أراضيها وردع الخصوم، بينما تسعى القوى البحرية الدولية دائماً لضمان حرية الملاحة فيها لمنع تفوق أي منافس إقليمي، ولضمان وصول الإمدادات العسكرية والطاقوية لشهود النزاعات أو القواعد العسكرية الموزعة عبر العالم.
من الناحية الجيوسياسية، فإن الممرات البحرية ترسم خريطة التحالفات والنزاعات الدولية بشكل مباشر، حيث تشكل هذه المضايق والقنوات نقاط تقاطع للسيادة الوطنية والدولية، حيث تسعى الدول المحاذية لها للتأثير في القضايا الإقليمية بفضل موقعها الفريد، بينما تتدخل القوى العظمى لحماية مصالحها وحماية حرية حركة الأساطيل التجارية والعسكرية. لضمان عدم تحول هذه الممرات إلى مناطق صراع مفتوح أو فوضى تشغيلية، يخضع تنظيم العمل فيها لإطار قانوني دولي دقيق ومحكم، تقوده اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982، كما تتولى المنظمة البحرية الدولية (IMO) وضع المعايير التقنية الدقيقة للسلامة، وتحديد مسارات فصل الملاحة لمنع التصادم، وفرض قواعد صارمة للحد من التلوث البحري وحماية البيئة البحرية للدول الشاطئية.
ممرات الملاحة المائية كفتيل لإشعال الصراعات
لم تكن هذه المنافذ مجرد مسارات لإبحار السفن، بل كانت في كثير من الأحيان سبباً مباشراً أو محركاً غير مباشر لنشوء صراعات مسلحة وتفاقم أزمات دولية واشتعال تنافس محدم بين القوى الكبرى الساعية لتأمين نفوذها أو حرمان منافسيها منه. من أبرز الأمثلة التاريخية على الصراعات المباشرة التي كانت الممرات المائية محورها الأساسي، أزمة السويس (العدوان الثلاثي على مصر) عام 1956، فعقب قرار مصر تأميم شركة قناة السويس لشحذ مواردها الوطنية، أقدمت بريطانيا وفرنسا بالتعاون مع إسرائيل على شن هجوم عسكري ضد مصر. كان الهدف الغربي المباشر هو استعادة السيطرة على هذا الشريان الملاحي الحيوي الذي يربط الشرق بالغرب ويؤمن تدفق النفط الخليجي إلى أوروبا. ورغم فشل العدوان عسكرياً وسياسياً بسبب الضغوط الدولية، إلا أنه جسّد كيف يمكن لإعادة تشكيل السيادة على ممر مائي اصطناعي أن تقود إلى مواجهة عسكرية دولية تسببت في تحول موازين القوى العالمية وإنهائي العصر الإستعماري التقليدي.
في السياق الإقليمي المعقد لشرق الأوسط، شكل مضيق تيران شرارة مباشرة لاشتعال حرب يونيو 1967، ففي مايو من ذلك العام، أغلقت مصر خليج العقبة ومضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية، وهو ما اعتبرته تل أبيب بمثابة “عمل من أعمال الحرب” وتهديداً لميناء إيلات والمنفذ البحري الوحيد لها نحو آسيا وأفريقيا. أدى هذا الإغلاق للممر المائي إلى اندلاع الحرب التي غيرت الخريطة الجيوسياسية للمنطقة لعقود طويلة، مما يبرز كيف أن تقييد حرية الملاحة في المضايق الضيقة يمكن أن يكون الذريعة المباشرة لاندلاع الحروب الشاملة.
في شرق آسيا، يبرز مضيق مالقا وبحر الصين الجنوبي كمسرح لأبرز أشكال التنافس غير المباشر بين الولايات المتحدة والصين. يُشكل مضيق مالقا نقطة ضعف استراتيجية لبكين، حيث تعتمد الصين على هذا الممر في استيراد أجزاء ضخمة من احتياجاتها من النفط والغاز. تخشى الصين من إمكانية فرض حظر بحري أمريكي على المضيق في حال نشوب صراع حول تايوان، مما دفع بكين إلى تعزيز تواجدها العسكري وبناء جزر اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، بالتوازي مع ضخ استثمارات ضخمة في “مبادرة الحزام والطريق” لإيجاد طرق برية وبحرية بديلة. هذا السباق لبسط النفوذ وتأمين الممرات البحرية يحول المنطقة إلى ساحة حرب باردة جديدة بين القوتين العظميين.
التحول الى سلاح ردع
خلال الصراعات الاخيرة خصوصاً تلك التي نشأت في الشرق الاوسط، يمكن ملاحظة تحول مهم في وظيفة الممرات البحرية داخل النظام الدولي، ففي مراحل تاريخية سابقة، كان التنافس حول المضائق والممرات يتمحور أساسًا حول السيطرة الإقليمية عليها أي أن الدولة أو القوة الكبرى تسعى إلى امتلاك الممر أو السيطرة على السواحل المحيطة به من أجل ضمان حرية الحركة لقواتها ومنع خصومها من استخدامها. أما في الصراعات المعاصرة، فقد أصبحت السيطرة المادية الكاملة على الممر ليست شرطًا ضروريًا لاستخدامه سياسيًا؛ إذ يستطيع فاعل أقل قوة من خلال الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام أو حتى التهديد باستهداف السفن، أن يرفع تكلفة المرور ويخلق حالة من عدم اليقين تدفع شركات الملاحة والدول إلى تغيير سلوكها. بذلك انتقلت الممرات البحرية تدريجيًا من كونها أهدافًا للصراع إلى كونها أدوات لإدارة الصراع ذاته. ولم يعد الهدف بالضرورة هو إغلاق الممر إغلاقًا كاملًا؛ بل قد يكفي تهديد إمكانية الإغلاق أو تعطيل جزء من حركة الملاحة لإنتاج تأثير سياسي واقتصادي يوازي في بعض الحالات تأثير استخدام القوة العسكرية المباشرة.
تتمثل الفكرة المركزية لهذه الدراسة في أن القيمة الجيوسياسية للممرات والمضائق البحرية لم تعد ناتجة فقط عن قدرة الدولة على السيطرة عليها، وإنما أيضًا عن قدرتها على تحويل درجة الاعتماد الدولي عليها إلى قدرة على الردع والمساومة والضغط والتفاوض.
هذا التحول يخلق ما يمكن تسميته “بمعضلة الاعتماد البحري”. فكلما زاد اعتماد الاقتصاد العالمي على ممر محدود البدائل، ارتفعت القيمة السياسية لمن يستطيع تهديد هذا الممر، حتى إذا كان أضعف عسكريًا من الدول التي تعتمد عليه. توضح أبحاث اقتصادية حديثة أن آثار تعطيل نقاط الاختناق لا تقتصر على السفن التي تمر عبرها مباشرة، لأن تغيير مسارات السفن يؤدي إلى تأخير الرحلات وارتفاع تكاليف النقل وإعادة توزيع الاختناقات على موانئ ومناطق أخرى. كما أن طول فترة الإغلاق يزيد الخسائر التراكمية حتى عندما تستطيع الشركات إعادة توجيه جزء من حركة السفن. هنا تحديدًا تبدأ الممرات البحرية في التحول إلى أداة استراتيجية غير متماثلة، فالفاعل الذي لا يستطيع مواجهة خصمه عسكريًا بصورة مباشرة قد يستطيع التأثير عليه عبر نقطة حساسة في الاقتصاد العالمي.
وقد ظهر هذا بوضوح في البحر الأحمر، حيث أدت الهجمات الحوثية واستهدافهم للسفن المارة في مضيق باب المندب -كدعم لحركة حماس في مواجهة العدوان الاسرائيلي- إلى اضطراب حركة التجارة وإجبار عدد كبير من السفن على تجنب طريق البحر الأحمر وقناة السويس واختيار طريق رأس الرجاء الصالح الأطول. وقد وصفت المنظمة البحرية الدولية الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر بأنها تهديد مباشر لحرية الملاحة وتسبب اضطرابات كبيرة في التجارة الإقليمية والعالمية.
من الناحية الاستراتيجية، كانت أهمية هذه السياسة في أن الحوثيين لم يكونوا بحاجة إلى السيطرة البحرية التقليدية على باب المندب. بل استطاعوا من خلال الصواريخ والطائرات المسيّرة رفع مستوى المخاطر المرتبطة بالمرور، وبالتالي انتقل المضيق من مجرد موقع جغرافي إلى أداة لإيصال الصراع في غزة إلى الاقتصاد العالمي.
في يناير 2025، ومع التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، أعلن الحوثيون أنهم سيوقفون عملياتهم ضد إسرائيل والسفن التجارية في البحر الأحمر إذا دخلت الهدنة حيز التنفيذ. ونقل عن المتحدث الحوثي محمد البخيتي أن العمليات ستتوقف إذا توقفت الحرب على غزة وكذلك الهجمات الأمريكية والبريطانية على اليمن، ثم مع تجدد التصعيد في مارس 2025، أعلنت الجماعة إعادة فرض حظر على الملاحة المرتبطة بإسرائيل في نطاق شمل البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وربطت ذلك بعدم إدخال المساعدات إلى غزة. بذلك أصبح الحوثيون قادرين على ربط السلوك الإسرائيلي في غزة بمصلحة دولية أوسع هي حرية الملاحة والتجارة العالمية
مضيق هرمز يقدم نموذجًا أكثر وضوحًا لاستخدام الممر باعتباره أداة تفاوض استراتيجية وسلاح ردع، فالحرب الأمريكية–الإيرانية التي اندلعت في 2026 وضعت مضيق هرمز في قلب المعادلة العسكرية والسياسية، اعتمدت إيران على فكرة استراتيجية بسيطة لكنها شديدة التأثير: إذا تعرضت إيران لضغط عسكري واقتصادي، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها يمكن أن يدفعوا أيضًا ثمنًا اقتصاديًا عبر اضطراب حركة الطاقة، ومن ثم تحول المضيق إلى وسيلة لإعادة توزيع تكلفة الحرب.إيران لم تستخدم هرمز فقط باعتباره أداة عسكرية؛ بل استخدمته تدريجيًا كأداة تفاوض، حيث أصبح إعادة فتح المضيق نفسه موضوعًا للتفاوض.
الولايات المتحدة ايضاً حاولت بدورها تحويل مسألة الملاحة في المضيق إلى أداة ضغط على إيران، ففي أبريل 2026 قال الرئيس دونالد ترامب إن إيران لا تستطيع «ابتزاز» الولايات المتحدة بإغلاق مضيق هرمز، في إشارة صريحة إلى إدراك واشنطن أن المضيق أصبح أداة ضغط في الحرب. وسعت لقلب الامور على ايران من خلال فرض حصار بحري على ايران من خلال منع السفن المتجهة اليها او الخارجة منها غبر مضيق هرمز مما أثر سلياً على الاجانب الايراني من خلال خنق صادراتها النفطية والتأثير على امنها الغذائي في محاولة لترويض السلوك الايراني.
نظرة استشرافية
يمكن القول إن العالم دخل مرحلة جديدة من الجغرافيا السياسية لنقاط الاختناق، لم يعد السؤال فيها فقط من يسيطر على المضيق؟، وإنما أصبح من يستطيع تعطيله؟ ومن يستطيع تحييد تأثير تعطيله؟ ومن يستطيع تحويل إعادة فتحه إلى مكسب سياسي؟
من غير المرجح أن يتراجع الدور الاستراتيجي للممرات والمضائق البحرية في المستقبل المنظور، لكن من المرجح بدرجة كبيرة أن تتغير طبيعة هذا الدور، فالاعتماد على النقل البحري لن يختفي، بل قد يزداد مع استمرار نمو التجارة الدولية وارتباط سلاسل الإمداد العالمية بالموانئ وشبكات النقل البحري. وفي الوقت نفسه، سيؤدي الانتقال العالمي في مجال الطاقة إلى إعادة تشكيل أهمية بعض الممرات دون إلغاء أهمية الممرات البحرية عمومًا، ومن المرجح كذلك أن تصبح الممرات البحرية أكثر أهمية مع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، لأن الدول الكبرى ستحتاج إلى تأمين طرق التجارة والطاقة، وفي الوقت ذاته منع خصومها من استخدام نقاط الاختناق ضدها.
من المرجح أن يتعامل النظام الدولي مع هذه المشكلة من خلال استراتيجية متعددة المستويات، مثل “التنويع الجغرافي” أي ألا تعتمد الدول على طريق واحد للطاقة أو التجارة. وسيؤدي ذلك إلى زيادة الاستثمار في خطوط الأنابيب والموانئ البديلة والطرق البرية وخطوط السكك الحديدية والمخزونات الاستراتيجية والممرات البحرية البديلة. من المتوقع ايضا أن يزداد التعاون البحري الدولي سواء من خلال تحالفات مؤقتة أو ترتيبات أمنية إقليمية أو وجود بحري دائم للقوى الكبرى، وهو ما شهدنا مؤخرا من انشاء تحالف دفاعي بحري تقوده السعودية ويضضم عدد من الدول لحماية الملاحة في البحر الاحمر وتأمين الامدادات. لجأت الدول كذلك الى التحصين الاقتصادي من خلال بناء مخزونات نفطية وغذائية أكبر، وتطوير شبكات طاقة متجددة أكثر مرونة وتوسيع قدرات التخزين وتطوير عقود توريد متعددة المصادر.
انطلاقاً مما سبق يمكن التنبؤ بأحد السيناريوهات التالية. السيناريو الأول يتمثل في استمرار قدرة الممرات البحرية على لعب دور أساسي كسلاح للردع والضغط، ويفترض هذا السيناريو أن العالم سيظل شديد الاعتماد على بعض نقاط الاختناق، وأن البدائل ستظل أكثر تكلفة من الطرق الأصلية. في هذه الحالة سيظل الفاعلون القريبون جغرافيًا من المضائق قادرين على استخدامها كورقة سياسية. اتوقع هذا السيناريو هو الأكثر احتمالًا على المدى القصير والمتوسط. يرتبط بهذا السيناريو سيناريو اخر يتناول “تسييس الملاحة” وتحول المرور إلى امتياز مشروط، أي أن بعض الدول قد تبدأ في التعامل مع الممر باعتباره أداة سياسية، فتسمح لسفن معينة بالمرور وتمنع أخرى أو تفرض رسومًا أو شروطًا سياسية أو أمنية. هذا الخطر ظهر في أزمة هرمز الحالية؛ إذ لم يعد النقاش مقتصرًا على فتح المضيق، وإنما امتد إلى تحديد طرق المرور وشروطها ومن يملك سلطة تنظيمها.
هناك اتجاه اكثر تفاؤلاً يمثله السيناريو الثالث الذي يقوم على تآكل القوة السياسية للممرات تدريجيًا، حيث يفترض أن النظام الدولي سيبدأ تدريجيًا في التخلص من الاعتماد المفرط على نقاط الاختناق. قد يتحقق ذلك من خلال الاستثمار في خطوط أنابيب جديدة وتوسيع الموانئ، وبناء طرق تجارية بديلة وتطوير مصادر طاقة محلية وزيادة المخزونات الاستراتيجية، والاهم من ذلك هو التعاون بين الدول في بناء خطوط سكك حديدية وقد بدأ هذا الاتجاه في البروز مؤخرا من خلال دراسة عدة مشاريع. في هذه الحالة سيظل المضيق مهمًا، لكنه لن يكون قادرًا على فرض نفس مستوى الضغط.
السيناريو الرابع يتوقع عودة الممرات إلى مركز النظام الدولي بصورة أكبر، فبدلًا من تراجع أهمية المضائق، قد تؤدي المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا والقوى الإقليمية إلى زيادة أهميتها، فكلما زاد التنافس بين القوى الكبرى، أصبحت السيطرة على خطوط الإمداد أكثر أهمية، وفي هذه الحالة قد تتحول الممرات إلى مناطق عسكرية شديدة التحصين، وتزداد القواعد البحرية حولها، وتظهر تحالفات هدفها الأساسي حماية طرق التجارة، سيصبح كل مضيق تقريبًا جزءًا من شبكة أوسع من التنافس بين القوى الكبرى.
في الختام يتضح لنا أن الممرات والمضائق البحرية لم تعد مجرد ممرات جغرافية لنقل التجارة والطاقة، وإنما أصبحت مكونات أساسية في بنية القوة داخل النظام الدولي، لما تتمتع به من قدرة على التأثير في حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة وحسابات القوى الكبرى. وقد أظهرت الدراسة أن القيمة الاستراتيجية لهذه الممرات لم تعد مرتبطة فقط بالسيطرة المادية المباشرة عليها، بل أصبحت مرتبطة بدرجة أكبر بالقدرة على تعطيلها أو تهديد أمنها أو رفع تكلفة المرور عبرها، وهو ما أدى إلى تحولها من أهداف تسعى الدول إلى السيطرة عليها إلى أدوات يمكن توظيفها في الردع والمساومة والضغط السياسي وإعادة توزيع تكاليف الصراع. كما بينت دراسة حالات قناة السويس ومضيق تيران ومضيق مالقا وباب المندب ومضيق هرمز أن العلاقة بين الممرات المائية والصراعات الدولية شهدت تحولًا من الصراع على امتلاك الممر إلى الصراع على القدرة على التحكم في تدفق الحركة داخله، بما يعكس صعود أنماط جديدة من القوة غير المتماثلة تستطيع من خلالها أطراف أقل قوة عسكريًا التأثير في مصالح قوى أكبر منها عبر استهداف نقاط الاختناق ذات الاعتماد الدولي المرتفع.
إن التحدي أمام النظام الدولي لا يتمثل فقط في حماية حرية الملاحة وفق القواعد القانونية الدولية، وإنما في معالجة الاعتماد الهيكلي المفرط على عدد محدود من نقاط الاختناق وإذا نجحت الدول في بناء شبكات أكثر تنوعًا للتجارة والطاقة والنقل، فقد تتراجع تدريجيًا قدرة الممر الواحد على ابتزاز الاقتصاد العالمي، أما إذا استمر الاعتماد المرتفع على هذه النقاط بالتوازي مع تصاعد الصراعات والتنافس الدولي، فمن المرجح أن تتحول الممرات البحرية بصورة متزايدة إلى ميادين للصراع غير المباشر وأدوات استراتيجية لإدارة الحرب والسلام معاً.
