حسين محمود التلاوي
أوردت الصحف العالمية مجموعة من التقارير ذات الصلة بإقليم القرن الإفريقي، تصدرها تقرير عن تخصيص إثيوبيا قاعدة عسكرية جديدة لمتمردي الدعم السريع في السودان، وسط أنباء عن سيطرة تحالف من المعارضة الإثيوبية عليها، الى جانب ملف القرصنة أمام سواحل الصومال، والأوضاع الإنسانية المتردية في السودان. وتلقي هذه المتابعة الضوء على أبرز تلك التقارير.
قاعدة إثيوبية للدعم السريع
ذكرت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن السلطات الإثيوبية تستمر في تقديم الدعم لقوات الدعم السريع السودانية في كتمان تام، موضحًا أنه جرى تحديد قاعدة ثانية لقوات الدعم السريع في إثيوبيا، في إشارة إلى التورط المتزايد لرئيس الوزراء أبي أحمد في الأزمة السودانية؛ مما يهدد بتحويل الحرب الأهلية في السودان إلى صراع إقليمي.
وينتقل التقرير الفرنسي إلى التفاصيل يقول إنه في الحرب المستمرة منذ عام 2023، بات بإمكان قوات الدعم السريع الاعتماد على الدعم الإثيوبي؛ إذ تُقدم حكومة أديس أبابا، في سرية تامة، دعمًا لوجستيًّا وعسكريًّا متزايد الأهمية لقوات الدعم السريع مضيفًا أن القيادة العسكرية الإثيوبية وضعت إحدى قواعدها العسكرية تحت تصرف قوات الدعم السريع، منذ أغسطس الماضي.
وحسب التقرير الصحفي فقد وثّق مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل الأمريكية، المعروف بمتابعته الحرب في السودان عبر بيانات الأقمار الصناعية، في تقرير نُشر في 28 أغسطس، “تكثيفًا كبيرًا للنشاط وزيادة في العتاد الموجود بقاعدة قوات الدفاع الوطني الإثيوبية في أصوصا، في الفترة ما بين 23 و28 أغسطس”. وتوجد هذه البنية التحتية العسكرية في منطقة بني شنقول-قُمز الإثيوبية، على بُعد أقل من 20 كيلومترًا من الحدود السودانية.
ويذكر التقرير أن صور الأقمار الصناعية تشير إلى أعمال تجهيز وتوسعة كبيرة نُفذت في أغسطس، تتضمن بناء مستودعات جديدة، وتدفق مفاجئ لنحو 20 شاحنة مقطورة، ووصول نحو 60 حاوية، و15 عربة مصفحة لنقل الجنود، وأكثر من 100 سيارة دفع رباعي (بيك أب) يمكن تجهيز بعضها بمدافع رشاشة. ووفقًا لمختبر جامعة ييل، فإن “عدد السيارات الجديدة الموجودة بقاعدة أصوصا كافٍ لنشر قوة كبيرة، بحجم فوج أو لواء، قادرة على نقل ما بين 750 و1000 فرد”.
لكن ما لم يرد في التقرير الفرنسي أن تطورات المواجهات بين قوات المعارضة والقوات الحكومية في إثيوبيا تشير إلى أن استفادة الدعم السريع من هذه القاعدة بات محل شك؛ حيث دخلت قوات المعارضة الإثيوبية إلى مدينة أصوصا مقر القاعدة، وسيطرت على محيط القاعدة. ووفق وسائل إعلام سودانية وكذلك إثيوبية معارضة، تمكن تحالف من جبهة تحرير بني شنقول وقوات فانو من السيطرة على مدينة أصوصا عاصمة إقليم بني شنقول ومحيط القاعدة، وسط ضغوط متزايدة على القوات الحكومية الإثيوبية.
وللمدينة أهمية استراتيجية بالغة بالنسبة لكل من السودان وإثيوبيا؛ حيث تقع بالقرب من ولاية النيل الأزرق السودانية؛ ما يجعلها نقطة إمداد رئيسية للدعم السريع، كما أن سد النهضة الإثيوبي مقام في إقليم بني شنقول؛ مما يجعل وقوع عاصمة الإقليم في يد تحالف معارض مؤشر على انفلات نسبي للأمور من يد القوات المسلحة الإثيوبية التي لم تتمكن من الدفاع عن منطقة استراتيجية تمس عصب الأمن القومي الإثيوبي.
الأزمة الإنسانية بالسودان: احتياجات متزايدة وتحديات تمويل
وفي استمرار لمتابعة الملف السوداني، نشرت صحيفة “لا ريبوبليكا” الإيطالية تقريرًا عن الأوضاع الإنسانية في السودان، في إطار اهتمام الصحيفة بهذا الملف. لكن هذا التقرير لم يرصد فقط ملامح الأزمة، بل حمل كذلك تحذيرًا من تزايد الاحتياجات الإنسانية مع تزايد التحديات أمام التمويل في الوقت نفسه.
ويبدأ التقرير برصد الواقع الإنساني فيقول أن الصراع في السودان، تحول بعد 3 سنوات، من حالة طوارئ مؤقتة إلى واقع يومي يعيشه الملايين، ممتدًا بآثاره العميقة ليشمل من فروا خارج البلاد، والذين اختاروا البقاء رغم الخطر، فضلًا عن العائدين الذين يحاولون التعافي. ويضيف أنه بينما تتحمل المجتمعات المضيفة، في حالة النزوح الداخلي، عبئًا كبيرًا في مشاركة الغذاء والماء والموارد المحدودة مع الأسر النازحة، يتجاوز النطاق الجغرافي لهذه الأزمة الحدود الوطنية ليؤثر بشكل مباشر في دول الجوار.
ويستعرض التقرير دور الهلال الأحمر السوداني؛ فيصف دور المتطوعين فيه بـ”الدور المحوري”، ويقول إن عددهم يبلغ 122 ألف متطوع، يواصلون تقديم الإسعافات والمستلزمات الطبية في جميع الولايات، وتأسيس العيادات الميدانية على الرغم من تدمير المستشفيات والمخاطر الشديدة التي أودت بحياة عدد منهم في سبيل إيصال المساعدات للنزلاء والمعزولين.
وفي مؤشر على الأهمية المتزايدة لدور منظمات الإغاثة، يلفت التقرير الإنتباه إلى أن تركيز الاستجابة الإنسانية تحول من مجرد إنقاذ الأرواح إلى مساعدة المتضررين على إعادة بناء حياتهم؛ حيث تعتمد المنظمات ومجموعات الصليب الأحمر والهلال الأحمر على توزيع المساعدات النقدية المباشرة التي تتيح للسكان والنازحين حرية اختيار أولوياتهم؛ سواء لشراء الغذاء والتداوي، أو ترميم المنازل، أو إقامة مشروعات صغيرة جديدة.
وينتقل التقرير إلى تداعيات الأزمة على دول الجوار؛ فيقول إنها آخذة في التمدد في بلدان الجوار؛ مثل مصر وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان وأوغندا؛ حيث تستقبل طواقم الإغاثة تدفقات اللاجئين بتقديم العون المالي والغذائي.
وينتهي التقرير بتحذير من اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والموارد المتاحة على الأرض، مشيرًا إلى أن المنظمات الإنسانية تؤكد على الضرورة القصوى لاستمرار الدعم الدولي وتوفير التمويل المستدام، ليس فقط من أجل الاستجابة العاجلة للبقاء على قيد الحياة، بل لتمكين ملايين المتأثرين من تجاوز الصدمات وإعادة بناء مستقبلهم.
القرصنة في الصومال: عوامل وتداعيات
تناولت جريدة “الجارديان” البريطانية أزمة القرصنة أمام سواحل الصومال في تقرير شامل غطى الأبعاد المختلفة للأزمة.
بدأ التقرير بالتأكيد على عودة نشاط القرصنة الصومالية لسفن البضائع وقوارب الصيد قبالة القرن الأفريقي إلى مستويات لم تشهدها المنطقة منذ عقد. ويوضح التقرير أسباب هذا التفاقم فيقول إنه نتيجة تضافر العوامل الناجمة عن حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، إلى جانب ما وصفه بـ”تزايد عدم الاستقرار السياسي” داخل الصومال.
ويضيف التقرير أن من بين الأسباب كذلك تحول اهتمام القوات البحرية الدولية التي كانت تؤمن المنطقة سابقًا نحو مواجهة التهديدات الهجمات الحوثية في البحر الأحمر والتوترات في مضيق هرمز؛ مما دفع نحو 70% من حركة الملاحة البحرية إلى تغيير مسارها والاقتراب من السواحل الصومالية؛ وهو ما وضع السفن في دائرة استهداف القرصنة، مشيرًا إلى عوامل أخرى ساهمت في تصاعد نشاط القرصنة؛ مثل ضعف الإمكانيات المحلية الصومالية في تأمين السواحل الواسعة، ونقص تمويل دوريات الشواطئ منذ سقوط النظام المركزي عام 1991، مع استغلال شبكات السلاح والمرتبطين بحركة الشباب المجاهدين الإرهابية لهذا الفراغ.
ووفق التقرير فقد تجلت ملامح عودة القرصنة في تسجيل 8 حالات اختطاف لسفن منذ أواخر أبريل، كان أبرزها الاستيلاء على السفينة “لوتوف” الحاملة لمعدات عسكرية، والتي جرى تنسيق الهجمة عليها باستخدام سفينة شحن إيجار سابقة كقاعدة للانطلاق، مع استخدام تقنيات حديثة متطورة مثل خدمة “ستارلينك” لتعقب الأهداف وتنسيق الاتصالات.
وتُظهر تفاصيل هذه الحادثة تداعيات دفع مبالغ فدية كبيرة، تجاوزت مليوني دولار في واقعة تلك السفينة حسب التقرير؛ إذ حذر المسئولون من أن دفع الأموال يُغذي الشبكات الإجرامية، ويعيد إنعاش الاقتصاد المحلي في مناطق كمدينة جالكعيو عبر ضخ السيولة وتدفق السلع والسيارات الفارهة وارتفاع استهلاك القات، فضلًا عن الآثار الاجتماعية السلبية المتعلقة بانتشار الإدمان والأنشطة غير المشروعة.
ويختتم التقرير برسم صورة قاتمة؛ حيث يقول إنه على الرغم من تحرير بعض السفن عبر عمليات عسكرية مشتركة، شملت ضربات بطائرات مسيرة تركية، أسفرت عن تدمير قوارب للمعتدين وقُتل خلالها عدد من المسلحين، يبدو الخيار النهائي لمواجهة الظاهرة معقدًا في ظل “غياب الإرادة” أو القدرة الدولية لتمويل حملات بحرية ضخمة مماثلة لتلك التي شهدها العقد الماضي وبلغت تكاليفها مليارات الدولارات. ويورد التقرير آراء عدد من الخبراء والأكاديميين، قالوا إن حسم أزمة القرصنة لا يمكن أن يتحقق بالحلول البحرية وحدها، بل يتطلب في المقام الأول معالجة جذور المشكلة وإقرار الاستقرار على الأراضي الصومالية منعًا لإعادة استثمار أموال الفدى واستقطاب الشباب إلى هذه الأنشطة وغيرها من الأنشطة الإجرامية المرتبطة بها أو المترتبة عليها.
ضربات أمريكية في مناطق سكنية بالصومال
ولا زلنا مع الملف الصومالي ومن صحيفة “جارديان”، لكن في مسار ميداني؛ وهو الضربات الجوية الأمريكية على مواقع تقول إنها لجماعات مصنفة إرهابية.
يفتتح التقرير البريطاني بالقول إن التحقيقات الميدانية وشهادات العيان كشفت عن تفاصيل الغارة الجوية التي نفذتها طائرات مسيرة أمريكية على بلدة “جَامَامِي” جنوب الصومال، والتي أسفرت عن مقتل 12 مدنيًّا على الأقل؛ من بينهم 8 أطفال، دون أن تعترف الولايات المتحدة بوقوع ضحايا مدنيين أو تُجري تحقيقات لمحاسبة المسئولين.
ويشير التقرير إلى أن الحادثة أدت إلى أعلى حصيلة للضحايا في عملية واحدة منذ عقود؛ حيث أدت الانفجارات المتتالية إلى “تدمير المنازل وتمزيق الضحايا”؛ بمن فيهم أبناء عائلة واحدة وأمهم الحامل أثناء تناولهم وجبة الإفطار، إضافة إلى تسجيل إصابات بالغة بالشظايا بين أطفال آخرين في المنطقة.
ويلفت التقرير النظر إلى أن هذه العملية تثير تساؤلات حادة حول طبيعة المعلومات الاستخباراتية المعيبة وآليات إقرار الضربات في المناطق السكنية المكتظة؛ لا سيما مع توافر تقنيات البث المباشر عالي الدقة للطائرات المسيرة التي تتيح رصد التفاصيل الدقيقة على الأرض قبل إطلاق الصواريخ.
ويذكر التقرير البريطاني أن هذه التطورات تأتي في ظل تصاعد حملات القصف الجوي في القرن الأفريقي، وتزايد المخاوف بشأن “غياب الرقابة والمساءلة القانونية عن سقوط المدنيين”، إلى جانب الانعكاسات السلبية للتصريحات السياسية الصادرة عن الإدارة الأمريكية التي قال التقرير إنها “تُقلل من شأن الضحايا وتضعف حمايتهم”.
أحدث المنشورات
- صحافة عالمية: قاعدة جديدة للدعم السريع في إثيوبيا “والمعارضة الإثيوبية تسيطر عليها”
- الأوراق البحثية الإثيوبية: “الأمر الواقع” في النيل و”التغلغل” في الصومال
- موقف إيران من تطورات الأحداث في اليمن بعد سيطرة الحوثيين على المخا
- دور حزب “كوادر البناء” في الحياة السياسية الإيرانية وموقفه من العلاقات مع الصين وروسيا وأمريكا في زمن الحرب
- معاداة السامية: الذات الزائفة للخطاب الصهيوني.
- لماذا انتشرت ظاهرة تأجير الأرحام في إيران بعد العقوبات الأمريكية؟!
- نحو نظام أمني جديد في الشرق الأوسط تركيا والتحولات في خريطة التحالفات الإقليمية
- من سماء العلمين إلى آفاق الاقتصاد.. الطيران التركي وجسر جديد بين مصر وتركيا
الجمعة, 18 سبتمبر
