د. نهال حمدي (باحثة في وحدة الدراسات الإيرانية)
في سياق الحروب والأزمات الدولية، تتحول التصريحات السياسية إلى أدوات مؤثرة لا تقل أهمية عن التحركات العسكرية على الأرض، وفي هذا الإطار، أثارت التصريحات المتناقضة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال إحدى مراحل التصعيد العسكري حالة واسعة من الجدل، ليس فقط داخل الولايات المتحدة، بل أيضًا على مستوى القوى الإقليمية والدولية.
وقد برزت طهران كأحد أبرز الأطراف التي تعاملت مع هذه التصريحات بقدرٍ كبيرٍ من التحليل والحذر، ساعية إلى تفكيك دلالاتها وفهم أبعادها الإستراتيجية، في ظل تاريخ طويل من التوتر مع واشنطن، ومنذ اندلاع المواجهات الأخيرة بين واشنطن وطهران برزت تصريحات الرئيس الأمريكي كأداة مركزية في إدارة هذه المواجهات، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضًا في إطار الحرب النفسية والإعلامية ومحاولة توجيه الرأي العام داخل إيران وخارجها.
فقد اتسمت مواقف ترامب تجاه إيران بالحدة والتصعيد تارة، والسعي إلى ترسيخ انطباع بأن النظام الإيراني قد استسلم ويهدف إلى إبرام معاهدة ويسعى للتوصل إلى تفاهم معه وتحقيق السلام تارة أخرى، هذا التذبذب لم يكن مجرد خطاب سياسي عابر، بل شكل تحديًا إستراتيجيًا لطهران، التي وجدت نفسها أمام معادلة معقدة تتطلب مزيجًا من الحذر والمرونة في آنٍ واحد.
خطاب مزدوج يربك المشهد
اتسمت تصريحات دونالد ترامب منذ اندلاع الأزمة بنبرة حادة ومباشرة، إذ هدّد إيران بعواقب “غير مسبوقة” ولوّح برد عسكري سريع وقاسٍ، مؤكدًا امتلاك الولايات المتحدة أهدافًا داخل إيران واستعدادها لضربها عند الضرورة، في إطار إستراتيجية ردع قائمة على التهديد الصريح وطمأنة الحلفاء الإقليميين.
في المقابل، عاد في عدة مناسبات ليُبدي استعداده للتفاوض دون شروط مسبقة، متحدثًا عن إمكانية التوصل إلى “اتفاق أفضل”، بل ومشيرًا إلى تواصل بعض القادة الإيرانيين معه، وهو ما عكس ازدواجية واضحة في الخطاب.
هذا التذبذب خلق حالة من عدم اليقين وفتح تساؤلات حول ما إذا كان يعكس إستراتيجية ضغط محسوبة أم ارتباكًا في صنع القرار، خاصة مع رفض طهران التفاوض تحت وطأة الحرب والتهديد، ومع تطور مجريات الحرب، أصبح الخطاب أكثر تعقيدًا، حيث جمع بين التقليل من قدرات إيران الاقتصادية والعسكرية والتلويح المستمر بتصعيد أكبر، مع التأكيد في الوقت ذاته على عدم السعي إلى حرب شاملة.
وفي المراحل اللاحقة، اتجهت التصريحات نحو توظيف الأزمة سياسيًا، إذ حمّل ترامب إيران مسؤولية التوترات ودعا إلى موقف دولي أكثر صرامة، سعيًا لبناء تحالف داعم للموقف الأمريكي، بينما حرص داخليًا على تقديم نفسه كقائد قوي يحمي المصالح الأمريكية، بما يعكس تداخل الخطاب السياسي مع حسابات النفوذ الداخلي والخارجي دون أن يفقد طابعه التهديدي.
رد طهران بين التصعيد المحسوب والصبر الإستراتيجي
واجهت إيران هذه التصريحات المتناقضة عبر تبني سياسة تقوم على “الصبر الإستراتيجي”، مع الاحتفاظ بخيارات تصعيد محدودة ومدروسة، فقد رفضت الدخول في مفاوضات تُجرى تحت وطأة الحرب أو في ظل خطاب تهديدي، مؤكدة أن مثل هذه الأجواء لا يمكن أن تشكل أساسًا لحوار جاد، وفي المقابل، حرصت على توجيه رسائل قوة محسوبة، سواء من خلال تصريحات مسؤوليها أو عبر تحركات إقليمية مدروسة، بهدف ترسيخ معادلة ردع واضحة.
وفي هذا السياق، يمكن توصيف النهج الإيراني بـ”الإستراتيجية المزدوجة”، التي جمعت بين ضبط النفس من جهة، وتفعيل أدوات الردع من جهة أخرى، فعلى المستوى السياسي، استمرت طهران في رفض التفاوض تحت الضغط، بينما سعت على المستوى الميداني، إلى إظهار قدرتها على الرد، مع توسيع نطاق تأثيرها الإقليمي وإيصال رسائل غير مباشرة تفيد بأن أي تصعيد سيُقابل برد محسوب.
ورغم هذا النهج الحازم، لم تُغلق إيران الباب أمام المسار الدبلوماسي، بل شددت على أن الحوار يظل خيارًا قائمًا، بشرط أن يستند إلى التوازن والاحترام المتبادل، وبذلك، اتسمت ردود الفعل الإيرانية بنوع من التوازن الدقيق بين التصعيد الخطابي والتهدئة الدبلوماسية، حيث أكدت أنها لن تنجر إلى الاستفزازات، لكنها في الوقت ذاته لن تتهاون في الدفاع عن مصالحها وأمنها القومي، في مقابل خطاب أمريكي متذبذب يفتقر إلى الوضوح.
استثمار التناقضات الأمريكية
سعت طهران إلى توظيف تناقضات تصريحات ترامب إعلاميًا وسياسيًا، مقدّمةً إياها كدليل على عدم موثوقية السياسة الأمريكية وغياب إستراتيجية واضحة لدى واشنطن، وقد أسهم ذلك في تعزيز خطابها الداخلي وكسب قدر من التعاطف الدولي، مع تأكيد موقفها الرافض للتفاوض تحت التهديد، مقابل إبقاء الباب مفتوحًا أمام مسارات دبلوماسية قائمة على الاحترام المتبادل، كما نجحت في تحويل هذه التناقضات إلى ورقة ضغط، عبر إبرازها كعامل مفاقم للأزمة وليس وسيلة لحلها.
ورأت النخبة السياسية والإعلامية الإيرانية في هذا التباين انعكاسًا لغياب الاتساق داخل دوائر صنع القرار الأمريكي، معتبرةً أنه يتجاوز كونه أسلوبًا تفاوضيًا إلى مؤشر على ارتباك إستراتيجي. وفي هذا السياق، ركزت التحليلات على أن هذا النهج قد يكون محاولة لاختبار ردود الفعل الإيرانية وقياس قدرتها على الصمود تحت الضغط.
وامتد هذا التفسير إلى الأوساط الأكاديمية والتحليلية، التي انقسمت بين من اعتبر التصريحات تعبيرًا عن صراع داخلي أمريكي، ومن رآها جزءًا من إستراتيجية تفاوضية محسوبة، وعلى المستوى الشعبي، عززت هذه التناقضات حالة عدم الثقة تجاه الولايات المتحدة، ودعمت التوجه نحو الاعتماد على الذات وتقوية القدرات الداخلية تحسبًا لأي تصعيد محتمل.
ولقد سعت وكالات الأنباء الإيرانية إلى توظيف تصريحات بعض القيادات الأمريكية المنتقدة لسياسات الرئيس دونالد ترامب، في إطار بناء سردية إعلامية تخدم موقف طهران، حيث عملت على إبراز هذه الانتقادات بوصفها دليلًا على وجود تباين داخل النخبة السياسية الأمريكية تجاه نهج التصعيد.
فعلى سبيل المثال نشرت وكالات الأنباء الإيرانية وعلى نطاق واسع لقاء جيك سوليفان مستشارالأمن القومي الأمريكي السابق في برنامج “ذا ديلي شو” والذي صرح فيه قائلا: “قبل أيام قليلة من شروعنا في قصف إيران، طرح الإيرانيون في جنيف مقترحًا على طاولة المفاوضات كان من شأنه إلى حد كبير المساعدة في تسوية القضية النووية. وانطباعي هو أن وفدنا، أي مفاوضينا، لم يدركوا أساسًا ماهية ما عُرض عليهم. لقد تجاهلوا ذلك المقترح وقرروا المضي قدمًا في الهجوم… وإذا استمعتم إلى طريقة حديث مسؤولي إدارة ترامب الذين كانوا معنيين بهذا الملف عن المقترح الإيراني، فستلاحظون وجود حالة واضحة من عدم التنسيق وفجوة بين ما كانوا يصرّحون به وما أعلنه الوسطاء، أي العُمانيون”.
كما تم نشر تصريح الصحفي الأمريكي هيلث رانجر على نطاق واسع والذي ذكر فيه قوله: “كانت جميع المفاوضات التي أجرتها الولايات المتحدة مع إيران صورية دائمًا، بمعنى أن المفاوضين الأمريكيين لم يدخلوا المفاوضات منذ البداية بحسن نية، والاختلاف الوحيد الآن هو أن إيران ترفض المشاركة في هذه المفاوضات الشكلية، لذلك، بات على دونالد ترامب أن يخترع مسؤولين إيرانيين وهميين يدّعي أنهم يوافقون تقريبًا على جميع مطالب الولايات المتحدة، هذا المستوى من السذاجة يتجاوز حدود المتوقع”.
وفي المقابل، حرصت نفس هذه الوكالات على إظهار صورة من التماسك الداخلي في الجانب الإيراني، مؤكدة وجود توافق كامل بين القيادات، مع نفي أي مؤشرات على صراعات داخلية أو انقسامات صفية، كما ركز الخطاب الإعلامي على التأكيد بأن قنوات التفاوض ــ إن وجدت ــ تخضع بشكل صارم لإشراف القيادة العليا، ممثلة في آية الله مجتبى خامنئي، بما ينفي إمكانية وجود اتصالات موازية أو تفاهمات منفردة مع إدارة ترامب خارج الإطار الرسمي، وهو ما يعزز صورة الدولة المركزية المنضبطة التي تتحكم في مساراتها التفاوضية والسياسية بشكل كامل.
خاتمة
في ضوء ما سبق، يتضح أن طهران لم تتعامل مع تصريحات ترامب المتناقضة بوصفها مواقف عابرة، بقدر ما تعاملت معها كجزء من سياق أوسع يتطلب قراءة إستراتيجية متأنية، وبين الحذر من النوايا الأمريكية والاستعداد لمختلف السيناريوهات، تسعى إيران إلى الحفاظ على توازن دقيق بين الردع والانفتاح، في مشهد دولي تتداخل فيه الحسابات السياسية مع الاعتبارات العسكرية، وتبقى هذه التصريحات، بما تحمله من تناقض، عاملًا إضافيًا يزيد من تعقيد المشهد، ويدفع الأطراف المختلفة إلى إعادة تقييم مواقفها بشكل مستمر، وتبقى هذه التجربة نموذجًا لكيفية إدارة الأزمات الدولية في ظل بيئة تتسم بالتعقيد وعدم اليقين.

