محمد خيري

باحث في وحدة الدراسات الإيرانية

تدخل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث، بعد نجاح النظام في إيران – رغم الضربات الأمريكية الإسرائيلية المركزة – في الصمود أمام الآلة العسكرية المتطورة، من خلال تصعيد شخصيات جديدة إلى مواقع السلطة بعد اغتيال عدد كبير من قادة الصف الأول، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي نفسه، وهو ما يضع النظام الإيراني أمام تحدٍ كبير وتساؤل ملح عن عوامل قدرته على الصمود في تلك الحرب.

ولا تنفصل عوامل صمود النظام عن عوامل صمود المجتمع الداخلي في إيران في مواجهة الحرب، وهو ما يرتبط بثلاثة عوامل تأتي على النحو التالي:

توافر السلع الغذائية الإستراتيجية

تجهز النظام والمجتمع الداخلي في إيران لتلك الحرب مسبقًا من عدة أوجه، كان أبرزها توفير السلع الغذائية والإستراتيجية اللازمة لتخزينها وقت الحرب أو في حالات الطوارئ والتعبئة العامة.

وطبقًا لرئيس المنظمة البيطرية في إيران علي رضا رفيعي بور، فقد عمل النظام على تعزيز واردات البلاد من اللحوم الحمراء والمجمدة من باكستان والهند والقوقاز والبرازيل والعديد من دول آسيا الوسطى خلال الشهور الماضية، لتعزيز المخزون الإستراتيجي من تلك السلع، علاوة على توفير المواد الغذائية في صورة مواد معلبة قابلة للتخزين في المنازل لفترات طويلة، كما تم طرح كميات مناسبة من تلك السلع في الأسواق للمواطنين بأسعار مخفضة.

ويُضاف إلى ذلك أن أجهزة الدولة عملت على توزيع عدد كبير من السلع بشكل منظم، وطالبت المواطنين بعدم التكالب على الأسواق نظرًا لتوافر السلع، حيث أسهم توافر السلع بشكل كبير في التخفيف من التوتر المجتمعي أو المخاوف المتعلقة بتوافر السلع الغذائية، علاوة على توفير تطبيق “شهرزاد” الذي يسهل توصيل السلع الغذائية إلى المواطنين في منازلهم.

مخزون الردع الإستراتيجي

يتمثل مخزون الردع الإستراتيجي في منظومتي الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة؛ إذ أعدت إيران العدة منذ حرب الإثني عشر يومًا، وتجهزت لمواجهة مرتقبة أكبر وأعمق من مواجهتها مع إسرائيل منفردة، فعملت على زيادة إنتاج الصواريخ والطائرات المسيرة على وجه التحديد. وقد اعتبر النظام في إيران أن عدم وجود جوار جغرافي بين إيران وإسرائيل، أو حتى بين إيران والولايات المتحدة، يجعل السلاح المثالي في التعامل مع كل من هاتين القوتين هو المنظومة الباليستية التي طالما رغبت واشنطن في أن تكون ضمن ملفات التفاوض، وكذلك منظومة الطائرات المسيرة المصنعة محليًا، وهي طائرات انتحارية قليلة التكلفة شديدة التدمير، وهو ما يسهل استنزاف إيران للقوى المعادية بأقل الخسائر الممكنة.

وسبق أن كشفت تقديرات استخباراتية أن إيران كانت تمتلك قبل الأحداث الجارية أكثر من 3000 صاروخ باليستي بمديات مختلفة، تتراوح بين صواريخ “شهاب-1” بمدى 300 كم، وصواريخ “ذو الفقار” الذي يصل مداه إلى نحو 700 كم، إلى جانب صواريخ “شهاب-3” متوسطة المدى بمدى يصل إلى 1300 كم، فضلًا عن صواريخ بعيدة المدى من طراز “عماد” و”سجيل” و”خرمشهر-4″ التي يصل مداها إلى ما بين 2000  و2500 كم.

وعلى الرغم من وجود تقديرات تشير إلى خسارة إيران لنصف هذا المخزون على الأقل، سواء نتيجة الضربات الإيرانية لإسرائيل أو الخسائر الناجمة عن الضربات الأمريكية لمواقع ومنصات الإطلاق، فإن المخزون المتبقي يكشف عن قدرة إيران على الصمود لفترة أطول، إذا ما أُخذ في الاعتبار إنتاجها من الطائرات المسيرة، وقدرتها على استيراد منظومات أخرى من الصواريخ والطائرات من حلفائها، سواء روسيا أو الصين أو حتى كوريا الشمالية.

التماسك الداخلي

يمثل تماسك الجبهة الداخلية أمام الدعوات الأمريكية الإسرائيلية للخروج ضد النظام الحاكم في إيران أحد أكبر العوامل الضاغطة على الولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة أنهما تتحركان دون إدراك كامل لطبيعة الشخصية الإيرانية التي ترفض أي تغيير يطرأ عليها من الخارج، وخاصة إذا كان هذا التغيير من الولايات المتحدة الأمريكية، التي تمثل في الفكر الإيراني “الشيطان الأكبر”، وهو اللقب الذي ترسخ في العقلية الإيرانية، سواء على مستوى المواطنين أو النظام، منذ أكثر من 47 عامًا، وهي عمر النظام الثيوقراطي الحاكم في إيران الآن.

ويُضاف إلى ذلك القراءة الخاطئة من جانب صانعي السياسات الأمريكية والإسرائيلية لتحركات البازار الأخيرة، المتمثلة في التظاهرات العارمة التي شهدتها عدة مدن إيرانية اعتراضًا على تردي الأوضاع الاقتصادية، وهو ما استغلته واشنطن وتل أبيب للدعوة مرة أخرى إلى التظاهر ضد النظام، ومساندة القوى الانفصالية في تحركاتها ضد الحرس الثوري وقوات الباسيج.

وقد تجلى هذا الدعم الشعبي للنظام بعد الإعلان عن انتخاب مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل علي خامنئي، والذي اعتبره قطاع من الشعب أيقونة للنضال ضد القوة الإمبريالية الأكبر في العالم، وهي الولايات المتحدة، وربيبتها في منطقة الشرق الأوسط، وهي إسرائيل؛ حيث انتشرت المسيرات الداعمة لانتخاب مجتبى، الذي لم يظهر بوجهه لمخاطبة الشعب.

خاتمة

تضافرت ثلاثة عوامل في مواجهة رغبة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في إسقاط النظام أو حتى محاولات تطويعه، وهو ما كشف عن غياب الوعي الأمريكي والإسرائيلي بطبيعة الشخصية الإيرانية، التي دخلت في حرب مع جارتها العراق في ثمانينيات القرن الماضي امتدت لثماني سنوات. وفي المقابل، قد تزداد قدرة الإيرانيين على الاستمرار في تلك الحرب أكثر مما تطيق واشنطن وتل أبيب، وهو ما يكشف عن خطأ إستراتيجي وقعت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل بتصورهما أن اغتيال الشخصيات الحاكمة قد يحدث فراغًا في السلطة ينتج عنه انهيار بنية هذا النظام العنقودي الحاكم، والذي أثبتت هذه الحرب أنه لن يسقط بالإستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية الراهنة.

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version