حسن رامي

باحث في وحدة الدراسات الإسرائيلية

شهدت الولايات المتحدة خلال انتخابات عام 2026 تطورات سياسية مهمة تتعلق بمستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، وموقف الأحزاب من الحرب على غزة، وحجم المساعدات العسكرية المقدمة لإسرائيل. وقد تزامنت هذه التطورات مع تزايد الاعتراض الشعبي على استمرار الدعم العسكري دون شروط، وظهور أصوات سياسية تطالب بمراجعة السياسة الأمريكية تجاه الحكومة الإسرائيلية. وفي هذا السياق، يبرز فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي الكونجرس، ونجاح عبدول السيد في الفوز بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان، باعتبارهما تطورين مهمين يستحقان الدراسة من حيث انعكاساتهما المحتملة على القضية الفلسطينية، ونفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، ومستقبل الدعم العسكري والسياسي الأمريكي.

وتُعد الولايات المتحدة الداعم السياسي والعسكري الأهم لإسرائيل، حيث يبلغ حجم اتفاق المساعدات العسكرية للفترة من 2019م إلى 2028م نحو 38 مليار دولار، بمتوسط 3.8 مليار دولار سنويًا، منها 3.3 مليار دولار للمشتريات العسكرية و500 مليون دولار لبرامج الدفاع الصاروخي المشتركة. ويمنح هذا الدعم إسرائيل قدرات عسكرية واستراتيجية كبيرة، ويجعل الموقف الأمريكي عنصرًا أساسيًا في قدرتها على مواصلة تطوير منظومتها العسكرية. ولذلك فإن أي مراجعة للمساعدات أو فرض شروط على استخدام الأسلحة قد تمثل أداة ضغط مؤثرة، وإن كانت لا تعني بالضرورة توقف الدعم بصورة فورية.

وقد شهد الرأي العام الأمريكي تغيرًا ملحوظًا في النقاش بشأن المساعدات العسكرية لإسرائيل، مع تزايد الأصوات المطالبة بتقليلها أو وقفها، خاصة بين قطاعات من الناخبين الديمقراطيين والشباب. كما أصبح التعاطف مع الفلسطينيين أكثر حضورًا داخل القاعدة الديمقراطية، مقارنة بالاتجاهات التقليدية التي كانت تمنح إسرائيل مساحة أكبر من التأييد. ولا يعني ذلك اختفاء التأييد الأمريكي لإسرائيل، بل يعكس اتساع الانقسام حول سياساتها، خصوصًا فيما يتعلق بالحرب على غزة واستخدام الأسلحة الأمريكية.

ومن أبرز مظاهر هذه الانتخابات الدور الذي لعبته جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها منظمة AIPAC واللجان السياسية المرتبطة بها. فقد واجه عبدول السيد إنفاقًا سياسيًا وإعلانيًا تجاوز 54 مليون دولار، ووصل إجمالي الإنفاق المرتبط بالجهات المؤيدة لمنافسته هالي ستيفنز إلى أكثر من 60 مليون دولار، وفق التقارير المتعلقة بالانتخابات التمهيدية في ميشيجان. ومن المهم التمييز بين إنفاق AIPAC وحدها وإنفاق بقية اللجان والجهات السياسية، إذ لم تكن جميع هذه الأموال صادرة عن المنظمة مباشرة.

وخاض عبدول السيد الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي أمام هالي ستيفنز، وتمكن من الفوز بالترشيح رغم الدعم السياسي والمالي الذي حظيت به منافسته. ثم واجه الجمهوري مايك روجرز في الانتخابات العامة، وحقق الفوز بمقعد مجلس الشيوخ. وتوضح هذه النتيجة أن الإنفاق المالي الضخم لا يضمن حسم الانتخابات، وأن الناخبين قد يختارون مرشحين ينتقدون الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل رغم الضغوط السياسية والإعلانية.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية إضافية مع فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي النواب والشيوخ، وهو ما يمنحهم قدرة أكبر على التأثير في الميزانية والمساعدات الخارجية ومراقبة صفقات الأسلحة، فالكونجرس يمتلك أدوات لمراجعة التمويل العسكري، أو وضع شروط على استخدام الأسلحة، أو طلب التحقيق في استخدام المساعدات. ومع ذلك، لا يستطيع عضو واحد، حتى لو كان في مجلس الشيوخ، تغيير السياسة الأمريكية بمفرده، كما أن الرئيس يمتلك صلاحيات تنفيذية وحق الاعتراض على التشريعات.

ويمثل وصول عبدول السيد إلى مجلس الشيوخ فرصة لزيادة حضور القضية الفلسطينية داخل مؤسسات صنع القرار الأمريكي، خاصة فيما يتعلق بحماية المدنيين، ومراجعة المساعدات العسكرية، والالتزام بالقانون الدولي والإنساني. كما قد يشجع نجاحه مرشحين آخرين على تبني مواقف أكثر وضوحًا بشأن حقوق الفلسطينيين ووقف العمليات العسكرية. لكن التأثير الفعلي سيظل مرتبطًا بقدرته على بناء تحالفات تشريعية وتحويل المواقف إلى قرارات وتصويتات عملية.

وعلى المستوى المصري، تكتسب هذه التحولات أهمية خاصة نظرًا للدور المصري المحوري في القضية الفلسطينية، سواء من خلال الوساطة لوقف إطلاق النار، أو إدخال المساعدات الإنسانية عبر معبر رفح، أو التنسيق مع الأطراف الدولية والإقليمية. كما ترفض مصر تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، وتؤكد ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، ودعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967م وعاصمتها القدس الشرقية. ومن ثم فإن أي تغيير في الموقف الأمريكي قد يمنح التحركات الدبلوماسية المصرية مساحة أكبر للضغط من أجل وقف الحرب وإعادة الإعمار، دون المساس بالأمن القومي المصري أو تصفية القضية الفلسطينية على حساب دول الجوار.

أما عربيًا، فإن تراجع الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل قد يفتح المجال أمام تنسيق عربي أوسع لممارسة ضغوط سياسية واقتصادية ودبلوماسية، وتوحيد المواقف بشأن وقف الحرب وإعادة إعمار غزة. وتظل الحاجة قائمة إلى تحويل المواقف العربية المعلنة إلى أدوات عملية، تشمل المساعدات الإنسانية وإعادة بناء المستشفيات والمدارس والبنية التحتية، ودعم المؤسسات الفلسطينية.

وبالنسبة للفلسطينيين، فإن الأهمية الأساسية لهذه التحولات لا تكمن في المكاسب الانتخابية وحدها، وإنما في إمكانية ترجمتها إلى وقف فعلي للعمليات العسكرية، وضمان دخول الغذاء والدواء والمياه والوقود، وحماية المدنيين، وإنهاء معاناة النازحين. كما أن دعم حل الدولتين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات يمثلان مطلبين أساسيين لتحقيق تسوية عادلة ومستدامة.

وقد يمتد تأثير التحولات الأمريكية إلى الاتحاد الأوروبي، خاصة الدول الأكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية، مثل إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا، ما قد يشجع على مراجعة اتفاقيات التعاون وتشديد ضوابط تصدير الأسلحة. لكن اختلاف مواقف الدول الأوروبية يظل عائقًا أمام اتخاذ قرارات موحدة.

ولا يمكن تفسير المكاسب الديمقراطية بالملف الفلسطيني وحده، فالاقتصاد الأمريكي وارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والوقود والرعاية الصحية تمثل عوامل مؤثرة في اختيارات الناخبين. ولذلك فإن مستقبل السياسة الأمريكية سيعتمد على التوازن بين المصالح الداخلية والالتزامات الخارجية.

وتكشف هذه التطورات عن مرحلة جديدة في النقاش الأمريكي بشأن إسرائيل وفلسطين، لكنها لا تعني بالضرورة حدوث تغيير فوري في السياسة الخارجية. فالتغيير الحقيقي لا يقاس بمجرد فوز المرشحين أو تغير الأغلبية البرلمانية، بل بمدى القدرة على تحويل نتائج الانتخابات إلى قرارات تحد من استخدام القوة العسكرية، وتحمي المدنيين، وتدعم الحقوق الفلسطينية، وتفتح الطريق أمام حل سياسي عادل يضمن الأمن والاستقرار لمصر والدول العربية والمنطقة بأكملها.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version