د. خلود عبد الحفيظ يعقوب

باحث أول في وحدة الدراسات الإيرانية

لا يمكن فهم الموقف البريطاني من أزمة مضيق هرمز في عام 2026 باعتباره مجرد دفاع عن حرية الملاحة، فمنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026م، أصبح المضيق الإستراتيجي المهم نقطة التقاء بين أمن الطاقة والحرب والضغط الاقتصادي والتفاوض مع طهران.

وفي سبتمبر 2026 ارتفعت صادرات النفط المارة عبر هرمز إلى نحو 7.4 مليون برميل يوميا، لكنها بقيت أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، بينما واصل الوسطاء اتصالاتهم بشأن صيغة إيرانية تربط إعادة فتح المضيق بتخفيف الضغط العسكري والقيود الاقتصادية، وفي 22 سبتمبر شددت لندن على أهمية إعادة الملاحة، وربطت الأزمة بتأثيرها في تكلفة المعيشة داخل بريطانيا، لكن هناك بعدا آخر فبريطانيا التي تتحدث اليوم عن حماية ممر دولي هي نفسها التي ارتبط اسمها في الذاكرة الإيرانية بتاريخ طويل من التدخل السياسي والاقتصادي.

أولا: طبيعة دور بريطانيا في أزمة مضيق هرمز

في 2025 كان يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط والمنتجات النفطية، أي قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحرا عالميا، إضافة إلى نحو 19 بالمئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، كما أن نحو 95 بالمئة من تجارة بريطانيا من حيث الحجم تنقل بحريا؛ لذلك فإن تعطل هرمز يرفع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، ثم ينتقل أثره إلى الأسعار والتضخم داخل بريطانيا، ومن هنا تصبح حرية الملاحة بالنسبة إلى لندن مبدأ قانونيا ومصلحة اقتصادية داخلية.

ومنذ شهر إبريل 2026 تحركت بريطانيا لتحويل الأزمة من مواجهة بين إيران وخصومها إلى قضية دولية، ففي 2 إبريل 2026 جمعت لندن ممثلين عن أكثر من أربعين دولة ومنظمة دولية لمناقشة إعادة فتح المضيق، ثم قادت مع فرنسا في مايو ترتيبات لمهمة عسكرية متعددة الجنسيات وُصفت بأنها دفاعية، هدفها طمأنة السفن التجارية والمساعدة في إزالة الألغام.

وهنا يمكن القول إن المعنى السياسي لهذا التحرك واضح في لندن لأنها لا تريد أن تتحول الأفضلية الجغرافية الإيرانية في المضيق إلى قدرة على تحديد من يمر ومتى وبأي شروط، بل تسعى إلى تثبيت هرمز باعتباره ممرا دوليا لا ورقة تفاوض إيرانية.

وفي الوقت نفسه تحاول لندن التمييز بين حماية الملاحة وبين المشاركة المباشرة في الحرب، وفي 24 سبتمبر 2026م، ناقش وزير الخارجية البريطاني “إد ميليباند” مع نظيره الإيراني “عباس عراقجي” إعادة فتح المضيق، مع تأكيد الرغبة في الوصول إلى حل دبلوماسي، غير أن هذا الفصل بين الدفاع والمشاركة قد لا يبدو بالوضوح نفسه من طهران، فإيران تنظر إلى بريطانيا باعتبارها جزءا من شبكة غربية أوسع تضم الولايات المتحدة والعقوبات والتعاون العسكري والأمني، وهنا تحديدا يبدأ التاريخ في التأثير على قرارات الحاضر فالسلوك البريطاني لا يرى في إيران انطلاقا مما تفعله لندن اليوم فقط، وإنما انطلاقا مما فعلته في إيران من قبل.

ثانيا: بريطانيا في الذاكرة الإيرانية أكثر من مجرد دولة أجنبية

بدأ الشك الإيراني في بريطانيا حتى قبل قيام الجمهورية الإسلامية بعقود طويلة، ففي 1872 منح ناصر الدين شاه القاجاري البارون جوليوس دو رويتر امتيازا واسعا شمل الموارد المعدنية والسكك الحديدية والطرق ومجالات اقتصادية أخرى، قبل أن يلغى هذا الامتياز لاحقا.

وفي 1890 منح البريطاني جيرالد تالبوت امتياز احتكار تجارة التبغ، فأثار احتجاجا واسعا انتهى بإلغائه، ثم جاء الاتفاق البريطاني – الروسي عام 1907 ليقسم إيران عمليا إلى منطقة نفوذ روسية في الشمال وأخرى بريطانية في الجنوب الشرقي ومنطقة محايدة بينهما، من دون مشاركة الحكومة الإيرانية، وبعد ذلك جاء الاتفاق الأنجلو-فارسي لعام 1919، الذي لم يجعل إيران مستعمرة بريطانية رسميا، لكنه كان سيتيح إدخال مستشارين بريطانيين إلى مؤسسات الدولة، والاستعانة بضباط بريطانيين لإعادة تنظيم الجيش، إلى جانب التعاون في السكك الحديدية والجمارك، وفي ذلك الوقت لم يصادق البرلمان الإيراني على الاتفاق، لكنه ترك انطباعا قويا بأن لندن تحاول فرض الوصاية على مؤسسات الدولة بدلا من الاحتلال المباشر.

ثم جاءت أحداث 1921 و1941 لتعزز هذه الصورة، فانقلاب فبراير 1921 قاده السيد “ضياء الدين طباطبائي” والضابط “رضا خان”، الذي أصبح لاحقا رضا الشاه مؤسس الدولة البهلوية، وفي ذلك الوقت لم يكن الانقلاب عملية بريطانية بالمعنى الحرفي للكلمة، لكن المصادر التاريخية تشير إلى مساعدة مهمة قدمها البريطانيون، وإلى دور الجنرال “إدموند آيرونسايد” في صعود رضا خان داخل قوات القوزاق.

وفي أغسطس 1941 غزت بريطانيا والاتحاد السوفيتي إيران، ثم تنازل رضا شاه عن العرش في 16 سبتمبر 1941م، لذلك ارتبط تصور اليد البريطانية في الذاكرة الإيرانية بمحطات حقيقية شهدت تغيرا في موازين السلطة تحت ضغط أجنبي مباشر.

وجاءت أزمة النفط لتمنح هذا الشك المثال الأكثر وضوحا، ففي 1947 دفعت شركة النفط الأنجلو-إيرانية للحكومة البريطانية ضرائب تجاوزت أكثر من ضعفي ما حصلت عليه الحكومة الإيرانية من الشركة، وهو اختلال غذى المطالبة بالسيطرة الوطنية على النفط.

وبعد أن أمم محمد مصدق الصناعة النفطية عام 1951م، مارست بريطانيا ضغوطا اقتصادية وقانونية ضد إيران وتعاونت مع الولايات المتحدة في المسار الذي انتهى بإسقاط حكومة مصدق في أغسطس 1953م، وفي الحقيقة لا تترك الوثائق الأمريكية المنشورة عن هذه الفترة المسألة للشك بل توثق التخطيط الأمريكي البريطاني لإسقاط مصدق، ومنذ ذلك الوقت أصبح الحديث الإيراني عن التدخل البريطاني يستند إلى واقعة تاريخية موثقة غيرت مسار السياسة الإيرانية.

ثالثا: المثل الشعبي “هذا من فعل الإنجليز” وقراءة هرمز اليوم

من هذه الخبرات التاريخية خرجت في الثقافة السياسية الإيرانية العبارة الشعبية الشهيرة “کار، کارِ انگلیسی‌هاست”، ومعناها “هذا من فعل الإنجليز” أو “الإنجليز وراء الأمر”، وتقال عندما يُشتبه في وجود تدبير خفي وراء حدث ما، وهنا تأتي أهمية الرواية الإيرانية الشهيرة “دائى جان ناپلئون” للكاتب الإيراني، إيرج پزشكزاد، أي “خالي العزيز نابليون”.

فالرواية الشعبية المتواترة لم تخلق هذا الاعتقاد، وإنما سخرت منه من خلال شخصية ترى البريطانيين وراء كل ما يحدث تقريبا، حتى المشكلات العائلية الصغيرة، لذلك تُذكر الرواية هنا لأنها توضح كيف خرج الشك في بريطانيا من مجال السياسة والتاريخ إلى الثقافة الشعبية، حتى أصبح الإيرانيون أنفسهم يستخدمونه أحيانا للسخرية من الميل إلى تفسير كل حدث بالمؤامرة البريطانية.

واللافت أن البريطانيين أنفسهم يدركون ثقل هذا الإرث، ففي رد للحكومة البريطانية على تقرير لجنة الاستخبارات والأمن بشأن إيران، ورد أن القيادة الإيرانية تنظر إلى بريطانيا باعتبارها خصما وثعلبا ماكرا.

وهذه نقطة مهمة لفهم ما يحدث في هرمز فعندما تصف لندن القوة البحرية متعددة الجنسيات بأنها مهمة دفاعية لحماية السفن وإزالة الألغام، قد تقرأها طهران عبر ذاكرة مختلفة تماما تستحضر أعوام 1907 و1919 و1921 و1953، وهكذا يصبح التاريخ جزءا من المعضلة الأمنية فالإجراء الذي يراه طرف دفاعيا قد يراه الطرف الآخر مقدمة لفرض النفوذ عليه.

ومع ذلك فإن استدعاء المثل الشعبي لا يعني أن كل تحرك بريطاني اليوم امتداد مباشر لسياسات بريطانيا، فبريطانيا في 2026م لا تملك القدرة التي كانت تملكها في مطلع القرن العشرين، كما أن التفاوض الراهن حول هرمز يدور أساسا بين طهران وواشنطن بمشاركة وسطاء إقليميين، لكن الوزن الرمزي لبريطانيا داخل الوعي الإيراني لا يزال كبيرا، ولذلك يمكن أن يُقرأ أي تحرك بريطاني في الخليج العربي على مستويين متزامنين ماذا تفعل لندن الآن؟ وماذا فعلت بريطانيا في إيران من قبل؟ ومن تداخل السؤالين يتولد جانب مهم من الريبة الإيرانية المعاصرة تجاه الدور البريطاني.

خاتمة

تكشف أزمة مضيق هرمز أن العلاقات الإيرانية – البريطانية لا تحكمها المصالح الحالية وحدها، فبالنسبة إلى لندن القضية تتعلق بحرية الملاحة وأمن الطاقة والتجارة واستقرار الأسعار، أما في إيران فإن هذه التحركات تمر عبر ذاكرة تاريخية تستحضر الامتيازات الأجنبية، وتقسيم مناطق النفوذ، واتفاق 1919، وانقلاب 1921، واحتلال 1941، ثم أزمة النفط وانقلاب 1953؛ لذلك فإن المثل الشعبي “کار، کارِ انگلیسی‌هاست” لا يفسر كل شيء، لكنه في الوقت نفسه ليس تعبيرا نشأ من فراغ، فهو يكشف كيف يمكن لتاريخ حقيقي من التدخل أن يتحول بمرور الزمن إلى نمط دائم من الشك والريبة والشعور بالخوف الدفين. وفي مضيق هرمز اليوم لا تتواجه المصالح العسكرية والاقتصادية وحدها، بل تتواجه أيضا ذاكرة إيرانية قديمة مع خطاب بريطاني معاصر يقدم دوره باعتباره دفاعا عن النظام الملاحي الدولي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version