حسين محمود التلاوي
المستلخص: تنظر إثيوبيا إلى تطورات في القرن الإفريقي بعين القلق؛ وما قد تؤدي إليه من تداعيات سلبية على مخططاتها؛ فمن الانفتاح الأمريكي على إريتريا بواسطة مصرية، إلى تنامي نفوذ حركة الشباب، تجد إثيوبيا نفسها وسط تحديات استراتيجية كبيرة. تلقي هذه الورقة الضوء على رؤى بحثية إثيوبية لتلك الملفات مع نظرة تحليلية عليها. فقد تناولت مقالات وتحليلات إثيوبية ملفات مختلفة في منطقة القرن الإفريقي؛ مثل السياسة الأمريكية الأخيرة تجاه إريتريا، ونشاط حركة الشباب الصومالية، مع التركيز على المصلحة الإثيوبية في تلك الملفات. تستطلع هذه الورقة الشواغل الإثيوبية بنظرة تحليلية تفكك منهجيتها وتستطلع دلالاتها على رؤية الدولة الإثيوبية للمنطقة.
الانفتاح الأمريكي على إريتريا وتخوفات إثيوبية
نشر معهد الشئون الخارجية الإثيوبي التابع لوزارة الخارجية، تحليلًا بعنوان “السلام تهديدًا: الانفتاح الأمريكي على إريتريا وحدود الانخراط الدبلوماسي” يتناول فيه الكاتب “هابتون جبريزجيابر” الحراك الدبلوماسي الأمريكي الإريتري الذي يجري بوساطة مصرية، وانعكاساته على المصالح الإثيوبية في القرن الإفريقي. يشير الباحث إلى أن الجهود الدبلوماسية الأمريكية الأخيرة في القرن الإفريقي تستكشف “فرص الانخراط مع إريتريا” وتخفيف العقوبات عنها لضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر، غير أنه ينوه إلى أن هذا التوجه يواجه تحديات وصفها بالـ”معقدة” تتجاوز مجرد فك العزلة الدبلوماسية. وفي تفاصيل ذلك يزعم أن إريتريا تعتمد استراتيجية إقليمية تُعرف بحسابات “تسيمدو”؛ أي التناغم أو التقييد؛ وهي استراتيجية تُفضل “إدارة التوترات الحدودية وتوظيفها على حسم السلام النهائي للحفاظ على نفوذها السياسي”، مشيرًا إلى أن ذلك يتجلى في ابتعادها عن اتفاق بريتوريا و”تواصلها مع أطراف مناهضة للاستقرار في إثيوبيا”، إلى جانب دعمها للقوات المسلحة في السودان و”تقاطع مصالحها مع مصر بشأن ملف أرض الصومال للحد من النفوذ الإثيوبي”.
ويتابع الباحث قائلًا إنه على الرغم من منطقية المسعى الأمريكي لحماية مضيق باب المندب، فإن “إغفال التوافق بين هذه التحركات والالتزامات الأمنية الإقليمية قد يقوض اتفاقيات السلام القائمة و”يفتح المجال أمام استغلال إريتريا الانفتاح الجديد”؛ ما يفرض، حسب الكاتب، ربط أي تقارب أمريكي مع إريتريا بتغيرات ملموسة في سلوكها الإقليمي، و”الاعتماد على أطر متعددة الأطراف لضمان أمن مستدام في المنطقة”.
يعكس هذا الموضوع مخاوف إثيوبيا من أن يؤدي أي تقارب أمريكي إريتري إلى كسر عزلة إريتريا، وتزداد هذه المخاوف بارتكاز هذا التقارب على الوساطة المصرية؛ لأن ذلك يعني أن كل نجاح لإريتريا لا يؤدي فقط إلى تقليص النفوذ إثيوبيا في القرن الإفريقي، وإعادة طموحها في منفذ بحري إلى الوراء، بل يصب كذلك في مصلحة مصر صاحبة الوساطة.
ونتيجة لهذه المخاوف وقع الموضوع في عدد من المغالطات المنهجية والموضوعية، يتمثل أبرزها فيما يلي:
-إغفال الدوافع الإريترية: يصور التحليل السياسة الإريترية على أنه مجرد “إدارة للنزاعات والتكسب من التوترات”، دون التعمق في المخاوف الأمنية المشروعة لإريتريا تجاه السياسات الإثيوبية أو التاريخ الممتد من الصراع بين البلدين؛ فعلى سبيل المثال هناك التحسب من “التطويق الإقليمي” الذي قد تمارسه إثيوبيا على إريتريا، إلى جانب تعزيز إثيوبيا لتعاونها العسكري مع جهات عدة إقليمية وقارية ودولية.
-التركيز المفرط على مبدأ “تسيمدو”: يقدم الكاتب مبدأ “تسيمدو” (مصطلح باللغة التجرينية يعني “التناغم/التقييد) باعتباره مبدأ حاكمًا للسياسات الإريترية مع استبعاد أية عوامل داخلية أو مستجدات إقليمية يمكن أن تكون ذات تأثير على السياسات الخارجية لأسمرة؛ مثل الأوضاع الاقتصادية والضغوط الداخلية، والمتغيرات الدولية؛ بوجه خاص في منطقة البحر الأحمر.
-تجاهل دور الداخل الإثيوبي في صراعات تيجراي وأمهرة: يحمل التحليل إريتريا المسئولية الأكبر عن التعقيدات في إقليمي تيجراي وأمهرة في إثيوبيا، في تجاهل كامل للآليات الداخلية المعقدة للصراع الإثيوبي والأسباب الداخلية للتوتر بين حكومة أديس أبابا وإقليمي تيجراي وأمهرة، بعيدًا عن أي دور لإريتريا في تلك الصراعات.
-قصور النظرة إلى الدور المصري والصومالي: يتناول التحليل الاتصالات المصرية الإريترية كأداة لتقييد إثيوبيا فقط، في إغفال كامل للمصالح السيادية لمصر في المنطقة التي تستدعي تطوير علاقاتها مع إريتريا؛ مثل أمن البحر الأحمر، والحرب على الإرهاب، والأزمة السودانية. وينسحب الأمر نفسه على الصومال التي يغفل الكاتب دور إثيوبيا في تأجيج التوتر في العلاقات الثنائية بتصرفات مثل توقيع إثيوبيا مذكرة التفاهم مع إقليم أرض الصومال؛ وهو الإجراء الذي يمثل انتهاكًا للسيادة الصومالية.
-المس بالسيادة الإريترية: على الرغم من أن إثيوبيا تروج دومًا أن سياستها تجاه دول القرن الإفريقي قائمة على احترام سيادة الدول وشئونها الداخلية، لا يمر يوم دون إجراء أو تصريح إثيوبي يمس الشئون الداخلية للدول. ولا يخرج هذا الموضوع عن ذلك الإطار؛ حيث يفصل الحديث عن الوضع الداخلي الإريتري، ويناقش سياسة التحالفات الإريترية من منطق الوصاية على دول الإقليم.
الصومال بين مكافحة الإرهاب والتدخل الإثيوبي
لم تكن الصومال بعيدة عن التحليلات ومقالات الرأي الإثيوبية؛ فقد ورد مقال على موقع معهد الشئون الخارجية الإثيوبي يلقي الضوء على آليات تثبيت حركة الشباب الصومالية أقدامها في مناطق سيطرتها وما يتعين على إثيوبيا فعله إزاء ذلك. جاء التحليل بعنوان “ما وراء الخريطة: لماذا يعيد ظل الشباب تحديد المخاطر الاستراتيجية لإثيوبيا؟” بقلم الباحث “بروك جيبريميدينا بريجا” وتناول القدرات الإدارية لحركة الشباب الصومالية في مناطق سيطرتها وانعكاساتها على الأمن الإثيوبي.
يشير التحليل الى أن خطورة حركة الشباب في الصومال تتجاوز حدود السيطرة العسكرية الميدانية لتكمن في قدرتها على بناء نظام سلطة موازٍ ومستقر يُعرف بـ”الإدارة الخفية”؛ وهو أهم العوامل التي تمنحها قدرة فائقة على الصمود والاستمرارية حتى في ظل تعرضها لخسائر أمام القوات المسلحة الصومالية. ويوضح الكاتب كيفية ذلك بالقول إن الحركة تستغل غياب التنسيق بين الحكومة الفيدرالية والإدارات الإقليمية لفرض نظام جباية موحد ومحاكم شعبية سريعة البت في النزاعات؛ ما يوفر لها تدفقات مالية ومعلومات استخباراتية دقيقة تمكنها من إعادة النشاط فور تراجع القوات الرسمية.
بعد ذلك ينتقل التحليل الى إثيوبيا فيقول إن هذا الواقع يفرض على إثيوبيا إعادة تشكيل استراتيجيتها الأمنية على الحدود عبر الانتقال من مجرد تقييم مكاسب الميدان إلى “دمج الاستخبارات الإدارية وتتبع شبكات الضرائب والقضاء غير الرسمي” في الممرات التجارية المحاذية لها، مع دعم التنسيق المؤسسي الصومالي وتأمين أداء حكومي موحد وموثوق يخلف العمليات العسكرية. ويؤكد الكاتب أهمية ذلك بالإشارة إلى أن حسم الصراع وإرساء الاستقرار المستدام لا يتوقفان على دحر الوحدات المسلحة فحسب، بل على “مدى قدرة الدولة الصومالية وحلفائها” على تقديم نموذج حوكمة يتفوق إداريًّا وخدميًّا على الهيكل الموازي الذي تقدمه حركة الشباب.
لكن هذا التحليل تجاوز عددًا من الحقائق الموضوعية، أبرزها:
-ميراث الشكوك الصومالية: لم تترك إثيوبيا أية ممارسة تهدد أمن الصومال وسيادته إلا أقدمت عليها؛ ففي عام 2006م دخل الجيش الإثيوبي الصومال غازيًا، وفي عام 2025م وقعت إثيوبيا مع إقليم أرض الصومال الانفصالي مذكرة تفاهم في تعدٍ واضح على السيادة الصومالية، بالإضافة إلى الاتهامات الرسمية الصومالية لإثيوبيا بتسليح حركة الشباب الإرهابية أو على الأقل تسهيل تسليحها. كل هذه الأمور تجعل من العسير على الصومال أن تقبل فكرة أن إثيوبيا تسعى إلى تحقيق المصلحة الصومالية من خلال التعاون المشترك ضد حركة الشباب، وكل ما يمكن الصومال استخلاصه من مثل هذا الاقتراح أنه مبرر لتوسيع أو شرعنة الدور العسكري والأمني الإثيوبي داخل الأراضي الصومالية.
-تجاهل البعد العشائري وعمليات الترهيب في تنامي نفوذ “الشباب”: يركز الموضوع على “التنظيم الإداري” والضرائب والمحاكم باعتبارها أبرز مرتكزات نفوذ “الشباب”، لكنه يغفل الدور المحوري والحيوي للبنية العشائرية في الصومال؛ حيث تستند استمرارية حركة الشباب أو انحسارها غالبًا إلى التحالفات والصراعات القبائلية والعشائرية، وليس فقط مدى تنظيم أدواتها الإدارية. كذلك يتجاهل الكاتب عنصر الخوف والترهيب والبطش المباشر كدافع أساسي لدى المواطنين الصوماليين إلى الامتثال لأوامر الحركة.
-التركيز على البعد الأمني وإغفال التنموي: على الرغم من أن المقال يطالب بالاهتمام بالحوكمة وتفكيك “الإدارة الخفية”، فإنه يختزل ذلك في توصيات أمنية؛ مثل “الاستخبارات الإدارية” و”انضباط نقاط التفتيش” و”تتبع الأموال”، دون تقديم رؤية شاملة لبناء نظام قضائي وخدمي بديل وسريع يتفوق على محاكم الحركة في المناطق النائية ذات الطبيعة العشائرية المعقدة. أيضًا لا يقدم أي تصور لتنمية الاقتصاد المحلي أو تقديم بدائل تجارية تخفف اعتماد التجار على الطرق التي تسيطر عليها الحركة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version