محمد خيري   (باحث في وحدة الدراسات الإيرانية)

أدركت إيران أهمية مضيق هرمز كورقة ضغط مهمة ولها تداعياتها على حركة الأسواق العالمية، في ظل احتدام مواجهتها العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، خاصة وأن المضيق هو أهم ممر مائي يعبر منه ما بين 17 إلى 20 مليون برميل من النفط والمكثفات الخليجية والإيرانية يوميًا، كما تمر منه 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً بجانب شحنات النفط التي تتجه إلى أبرز حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في آسيا وهم الهند واليابان وكوريا الجنوبية، إذا تم استثناء الصين، بصفتها الحليف الأبرز لإيران، والتي تستطيع تحريك شحنات النفط الخاصة بها بمجرد التنسيق مع إيران هاتفيًا.

وقد ظهر عمق تأثير تلك الورقة بمجرد إعلان الحرس الثوري الإيراني إغلاق المضيق بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهو الإجراء الذي فرض تكلفة باهظة على أسعار الطاقة في دول أوروبا ولدى حلفاء الولايات المتحدة المستهلكين، بجانب ضعف قدرة الموردين على إخراج ناقلاتهم النفطية من المضيق الذي باتت تسيطر عليه البحرية الإيرانية، وتهدد من وقت لآخر بتفخيخه بالألغام البحرية.

معضلة مضيق هرمز

فرض إغلاق مضيق هرمز أمام حركة التجارة الدولية والنفطية على وجه التحديد معادلة صعبة فيما يتعلق بمسألة حسم الصراع العسكري بين القوتين، إذ تحرص إيران على أن تذيق أمريكا وأوروبا ما ذاقته إيران من ضغوط اقتصادية داخلية نتيجة العقوبات المفروضة على الاقتصاد الإيراني الذي لم يكن قادرا على تصدير نفطه أو التعامل في الأسواق العالمية، خاصة وأن دول أوروبا تماهى موقفها السياسي ومن حيث العقوبات مع الموقف الأمريكي حيال إيران، وبالتالي وجدت إيران ضالتها في إغلاق المضيق ما يسهم في فرض تكلفة باهظة الثمن على واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة عالميا.

كما بات جناح السلطة الأبرز في إيران الآن وهو الحرس الثوري بأجهزته العسكرية والإعلامية والسياسية يفكر في تحقيق أكبر استفادة اقتصادية وسياسية من إغلاق مضيق هرمز، إذ نشرت صحيفة “جوان” المرتبطة بالحرس الثوري تقريرا يقول إن هناك ترتيبات لأن يتم فرض رسوم على مرور بعض السفن التجارية والناقلات، بما يسمح لإيران تعويضها عن تدمير بنيتها التحتية بسبب الحرب الدائرة الآن، في ظل رفض الولايات المتحدة الأمريكية دفع تعويضات مالية لإيران نظير عمليتها العسكرية المشتركة مع إسرائيل ضد إيران، وهو ما دفع إيران لأن تفرض رسومًا قدرها مليوني دولار على الرحلة الواحدة عبر مضيق هرمز، حيث وافق بعض المستهلكين على دفع المبلغ نظير مرور سفنهم، بسبب الحاجة الملحة لشحنات الطاقة المارة عبر مضيق هرمز، ومن أبرزهم الهند وتايلاند، وإزاء ذلك ناقش مجلس الشورى الإسلامي الإيراني مقترحا يلزم الدول بدفع رسوم لإيران مقابل استخدام مضيق هرمز كممر شحن آمن، كنوع من فرض سلطة الأمر الواقع.

فرص التفاوض بين واشنطن وطهران

إزاء كل تلك التطورات فإن الولايات المتحدة تدرس خيارات تصعيدية أكبر تتمثل في تنفيذ عملية برية بعد وصول قوات المارينز البحرية إلى الشرق الأوسط، فيما تبحث في الوقت نفسه عن شخص جدير بالتفاوض معه في ظل رفض الإدارة الأمريكية تمثيل إيران عبر وزير الخارجية عباس عراقجي الذي وصفه مستشارو الرئيس الأمريكي بأنه مثل “جهاز فاكس” يقتصر دوره على نقل الرسائل دون المشاركة في صنع القرار.

لكن أزمة الولايات المتحدة الأمريكية تكمن، في ظل إدارتها الحالية بقيادة دونالد ترامب، في أنها دخلت معتركا عسكريا مع دولة بحجم إيران، تمتلك خبرة تاريخية في خوض معارك قد تمتد لسنوات طويلة، تماما كما حدث في الحرب العراقية ــ الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات (1980 ــ 1988).

ولعل هذا يشير إلى قدرة إيران على تحمل ما قد لا تطيقه الولايات المتحدة الأمريكية على مستوى العمليات العسكرية الممتدة لسنوات طويلة، في ظل قيادة أمريكية لا تحبذ خوض المعارك الممتدة، التي بات لتأثيرها الاقتصادي والشعبوي دورا كبيرا في رسم قواعد الصراع الانتخابي المستقبلي في الولايات المتحدة، أو حتى العواصم الأوروبية.

خاتمة

تظل ورقة مضيق هرمز هي الورقة الأوقع في الإعلان عن تحقيق النصر، فإذا استمرت إيران في خنق الاقتصاد العالمي على هذا النحو، فإن الواقع يفرض سيناريوهين للتعامل الأمريكي مع المعضلة الإيرانية.

الأول: تشكيل قوة عسكرية تفتح مضيق هرمز بالقوة، ووقتها ستتحول المنطقة إلى كرة لهب مشتعلة بين إيران وكل القوى العالمية التي ستشارك في تلك العملية بما فيها دول الخليج حتى لو لم تشارك في تلك العملية، لأن مضيق هرمز هو الورقة الوحيدة التي يمكن لإيران من خلالها معاقبة العالم أجمع وفرض كلفة باهظة على الاستمرار في الحرب.

الثاني: انحسار الدور الأمريكي إلى الاعتراف بالانتصار في الحرب بدون اللجوء لفتح المضيق بالقوة، ووقتها ستعمل إيران على فرض السيطرة الكاملة على المضيق وفرض رسوم مقننة بتشريع يدرسه مجلس الشورى الإسلامي الآن، ويستهدف فرض الهيمنة الإيرانية الكاملة على المضيق.

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version