د. يحيى المغربي (باحث في وحدة الدراسات الإيرانية)
في خضم التفاعلات الإقليمية المعقّدة المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، برزت مصر كفاعل دبلوماسي يسعى إلى ترجيح كفة التهدئة عبر أدوات الحوار والوساطة، مستندة إلى إرث طويل من إدارة الأزمات الإقليمية بمنطق احتواء التصعيد.
ولم يكن هذا الحضور المصري منفصلًا عن سياق أوسع من التحركات التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية خلال حرب الاثني عشر يومًا في يونيو 2025م، حيث حافظت القاهرة على خطاب ثابت يدعو إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، مع السعي لفتح قنوات تواصل بين إيران والأطراف الدولية، بما في ذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وفي هذا الإطار، يمكن فهم الاتصالات المكثفة التي أجرتها الدبلوماسية المصرية مؤخرًا بوصفها امتدادًا لدور تراكمي يهدف إلى إعادة ضبط إيقاع الصراع، لا مجرد استجابة ظرفية لتطورات آنية.
وعلى مستوى التغطية الإعلامية الإيرانية، تكشف مراجعة مضامين عدد من الصحف ووكالات الأنباء عن نمط لافت يتسم بـ“الحياد الوصفي” أو العرض الإخباري المجرد دون انخراط تحليلي مباشر في تقييم الوساطة المصرية.
فقد اكتفت مؤسسات مثل وكالة أنباء فارس ووكالة “إيلنا” الإصلاحية بنقل تقارير عبر وسائط دولية كـ“روسيا اليوم” تتناول التحركات المصرية في إطار عام يبرز القاهرة كمركز للجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء الأزمة في الشرق الأوسط.
وركزت هذه التغطيات على إبراز الاتصالات التي يجريها وزير الخارجية المصري مع نظرائه، والتأكيد على مركزية خيار التفاوض في تجنب الفوضى الإقليمية، دون إرفاق ذلك بتعليق يقيّم فاعلية هذا الدور أو حدوده، وينسحب هذا النمط كذلك على ما نشرته صحيفة “انتخاب” الإصلاحية وموقع “خبر فوري”، حيث جرى التأكيد على استعداد مصر لاستضافة مفاوضات، وعلى التنسيق الثلاثي مع تركيا وباكستان لفتح قنوات حوار، في إطار عرض معلوماتي يخلو من المواقف الصريحة.
غير أن هذا “التحفظ الظاهري” لا ينفي وجود تيار موازٍ داخل الفضاء الإعلامي الإيراني يتبنى مقاربة نقدية، وإن جاءت في صيغة غير مباشرة، ففي هذا السياق، نشر موقع “خبرگزاری دید” تقريرًا يحمل دلالات انتقادية واضحة، من خلال تسليط الضوء على ما وصفه بازدواجية الموقف المصري بين الدعوة إلى التهدئة من جهة، والسماح ــ وفقًا للرواية الواردة ــ بمرور أو رسو سفن تحمل مواد ذات استخدام عسكري موجهة إلى إسرائيل من جهة أخرى.
وقد استند التقرير إلى واقعة سفينة الحاويات (Msc Danit)التي قيل إنها كانت تحمل شحنات من الفولاذ موجهة للصناعات الدفاعية الإسرائيلية، في محاولة لبناء سردية تشكك في اتساق السياسة المصرية.
ويجد هذا الطرح صداه فيما نشرته صحيفة “شرق” الإصلاحية، التي تناولت الواقعة ذاتها بالإشارة إلى رسو السفينة في ميناء أبو قير بالإسكندرية، مع الاستناد إلى بيانات منسوبة إلى حركة مقاطعة إسرائيل حول طبيعة الشحنة وحجمها.
وتتجاوز هذه المعالجة حدود النقد الضمني إلى ما يمكن اعتباره “إعادة تأطير” للموقف المصري داخل بعض الدوائر الإعلامية، خاصة عند ربطها بمواقف القاهرة المعلنة إزاء الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربي.
ففي هذا السياق، برزت حملة انتقادات في بعض المنابر الإيرانية، طالت الأزهر الشريف عقب بيانه الذي أدان تلك الهجمات العدوانية على دول الخليج العربي ودعا إلى وقفها الفوري، حيث اعتبرت بعض الأصوات الدينية والإعلامية أن هذا الموقف ينسجم مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية.
ويعكس هذا التفاعل حالة من التوتر غير المعلن في تقييم بعض النخب الإيرانية للدور المصري، حتى وإن لم يُترجم ذلك إلى موقف رسمي أو إجماع إعلامي واضح.
في المحصلة، يمكن القول إن التناول الإيراني للوساطة المصرية يتسم بازدواجية مركبة، فمن ناحية، هناك حرص على إبقاء الباب مفتوحًا أمام الدور المصري بوصفه قناة تواصل نزيهة مع الأطراف الإقليمية والدولية، وهو ما يفسر الطابع الحيادي في التغطية الإخبارية، ومن ناحية أخرى، تظهر نزعات نقدية تسعى إلى تقويض هذا الدور أو الحد من مصداقيته عبر إبراز تناقضات مفترضة في السلوك المصري، ويُعزى هذا التوازن الدقيق إلى عاملين رئيسيين:
الأول: إدراك طهران لأهمية مصر كفاعل إقليمي لا يمكن استبعاده من معادلات الاستقرار، بما يجعل من غير المرغوب فيه الدفع نحو قطيعة أو تصعيد إعلامي مباشر معها.
الثاني: الوعي بحساسية البيئة الإقليمية، حيث قد يؤدي أي تصعيد غير محسوب إلى توسيع دائرة الصراع ليأخذ أبعادًا طائفية، وهو ما تحاول القاهرة تفاديه عبر تشجيع دول الخليج على ضبط النفس وتقليص احتمالات الانزلاق نحو مواجهة شاملة.
وفي هذا الإطار، لا يُقاس نجاح الوساطة المصرية بقدرتها على تحقيق اختراقات فورية، بقدر ما يُقاس بمدى قدرتها على منع تدهور الأوضاع والحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الاتصال في بيئة تتسم بسيولة عالية وعدم يقين متزايد.
