د/محمد أحمد صالح

المقدمة

شهدت الحروب الحديثة تحولًا نوعيًا عميقًا، حيث لم يعد التفوق العسكري قائمًا فقط على القوة الصلبة، بل أصبح يعتمد بشكل متزايد على التحكم في المعلومات وإدارة السردية والرواية. وفي هذا الإطار، تمثل كل من الرقابة العسكرية والمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أدوات استراتيجية مركزية ضمن منظومة الأمن القومي.

فلم يعد الهدف فقط تحقيق النصر في الميدان، بل أيضًا تشكيل إدراك الجمهور، وإدارة الصورة الذهنية للدولة، والتأثير في سلوك الخصوم والحلفاء على حد سواء.

لقد أصبحت إدارة المعلومات جبهة مستقلة في الحروب، الرقابة والمتحدث يشكلان نظامًا متكاملًا. وفي الحرب الحديثة: من يسيطر على الرواية… يقترب من السيطرة على النتيجة، لكن يبقى التحدي الأكبر في سؤال هام: كيف يمكن تحقيق توازن بين الأمن القومي وحرية المعلومات في عصر الانفتاح الرقمي؟

تهدف هذه الورقة إلى تحليل هذا الدور المركب، مع تطبيقه على ثلاث حالات رئيسية: حرب غزة، وجولات التصعيد بين إيران وإسرائيل، بدءا بحرب الـ12 يومًا بين إسرائيل وإيران ، انتهاء بالحرب الجارية.

الإطار النظري

-إدارة الرواية (Narrative Control): تعني قدرة الدولة على تحديد ما يُعرض كـ”حقيقة”، وتفسير الأحداث، وتوجيه إدراك الجمهور. أي أن الدولة لا تنقل الواقع فقط، بل تعيد تشكيله إدراكيًا.

-الحرب النفسية (Psychological Warfare): تعتمد على التأثير في معنويات العدو، وتعزيز الثقة الداخلية، واستخدام المعلومات كسلاح.

-نموذج الدعاية  (Propaganda Model): يفترض أن الإعلام في الحروب يخضع لتأثير السلطة، ويتم “فلترة” المعلومات بما يخدم المصالح الاستراتيجية.

الإطار المؤسسي

-الرقابة العسكرية: جهاز رسمي يمتلك صلاحيات منع النشر، وتعديل المحتوى. هدفه حماية الأمن العملياتي، وإدارة تدفق المعلومات.

-المتحدث باسم الجيش: الواجهة الإعلامية الرسمية، مسؤول عن صياغة الرواية، وتوجيه الرسائل، وإدارة الإعلام الدولي.

-العلاقة التكاملية: الرقابة تمنع ما لا يجب أن يُقال، والمتحدث يحدد ما يجب أن يُقال.

تطبيقات

أ-حرب غزة

-دور المتحدث العسكري: تقديم العمليات كـ”دفاع عن النفس”، واستخدام فيديوهات وصور لزيادة المصداقية، وتوظيف خطاب قانوني  يتفق والقانون الدولي، ومخاطبة الجمهور الدولي.

-دور الرقابة العسكرية: منع نشر مواقع سقوط الصواريخ، والخسائر العسكرية الحقيقية، وفرض قيود على الصحفيين، وتوحيد الخطاب الإعلامي.

-التحليل الاستراتيجي: تعمل الجهتان على خلق رواية موحدة، وتقليل الذعر الداخلي، والحفاظ على الدعم الدولي، لتكون النتيجة نجاح نسبي في إدارة الإدراك رغم التحديات الإعلامية.

ب- حرب الـ12 يوم مع إيران

-المتحدث العسكري: سرعة استجابة عالية جدًا، ونشر تحديثات لحظية، وإبراز النجاح الدفاعي عبر اعتراض الصواريخ، وتقليل التركيز على الخسائر.

-الرقابة العسكرية: رقابة فورية ومشددة، ومراقبة وسائل التواصل، ومنع أي تسريب في الزمن الحقيقي.

-التحليل الاستراتيجي: الزمن القصير يعني الحاجة إلى سيطرة إعلامية أعلى وتقليل قدرة الخصم على استغلال المعلومات، لتكون النتيجة نموذج “إدارة اللحظة الإعلامية”.

جـ-الحرب الجارية بين إسرائيل وإيران

-طبيعة الصراع: تحول الصراع من حرب ظل إلى مواجهات مباشرة، صراع متعدد المجالات: عسكري، وإعلامي، وسيبراني.

دور المتحدث العسكري

-الردع الإعلامي: رسائل تهديد مباشرة وغير مباشرة، وإبراز القوة العسكرية.

-إدارة الرواية وتقديمها للرأي العام الدولي: تقديم العمليات كدفاع وقائي، ومواجهة تهديد استراتيجي.

-الإعلام الرقمي: نشر فيديوهات لاعتراض الصواريخ، وعرض كفاءة الأنظمة الدفاعية.

دور الرقابة العسكرية

-تشديد السيطرة: منع نشر مواقع الضربات، والخسائر العسكرية، وتفاصيل القدرات.

-إدارة التوقيت: تأخير نشر المعلومات، والسماح بنشر ما يخدم الرواية.

-التسريبات المدروسة: السماح بمعلومات محدودة لتعزيز الردع، وإظهار القوة.

التحليل الاستراتيجي

-حرب رواية متبادلة: كل طرف يحاول فرض تفسيره للأحداث.

-انتقال الرقابة من الحجب الكامل إلى إدارة تدفق المعلومات.

-تطور دور المتحدث: لم يعد ناقلًا، بل فاعل استراتيجي في الحرب، لتصبح المعركة “معركة إدراك” بقدر ما هي عسكرية.

دور المؤسستين في زمن السلم

-المتحدث: تحسين صورة الجيش، وإبراز الإنجازات، وبناء الثقة.

-الرقابة: رقابة محدودة، وحماية المعلومات الحساسة.

-الهدف: بناء الشرعية والاستقرار الداخلي.

مقارن المؤسستين

البعد السلم الحرب
المتحدث علاقات عامة أداة حرب إعلامية
الرقابة وقائية صارمة
الهدف بناء الثقة السيطرة على الإدراك
الشفافية نسبية محدودة

التأثيرات الاستراتيجية

-على المجتمع: تقليل الذعر والهلع، وخلق واقع إدراكي مُدار، واحتمال فجوة بين الحقيقة والمعلن.

-على الإعلام: تقليل الاستقلالية، وظهور الرقابة الذاتية.

-على السياسة: نجاح الرواية تعني دعما سياسيا، وفشلها يعني فقدان الثقة.

التحديات التي تواجه المؤسستين

هناك تحديات تواجه هاتين المؤسستين وسائل التواصل الاجتماعي، والإعلام الدولي، والأقمار الصناعية، وسرعة انتشار المعلومات، ماينتج عنه استحالة السيطرة الكاملة على المعلومات.

انتقاد المؤسستين

هناك انتقادات توجه إلى هاتين المؤسستين منها تقييد حرية الصحافة، والفجوة بين الواقع والخطاب، وخطر فقدان المصداقية، وعسكرة الإعلام، فالمتحدث العسكري لم يعد محايدًا بل جزء من المنظومة القتالية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version