د. نسمة عبد النبي
باحثة في وحدة الدراسات الإيرانية
في 11 مارس 2026، اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار رقم2817 لعام 2026م، الذي تقدمت به البحرين نيابةً عن دول مجلس التعاون الخليجي، والذي يدين الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن.
شهد التصويت تأييد13 دولة من أعضاء مجلس الأمن، مع امتناع دولتين عن التصويت هما روسيا والصين، العضوان الدائمان. كما أيد القرار135 دولة من أعضاء الأمم المتحدة، إلى جانب بقية أعضاء مجلس التعاون الخليجي (المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، وسلطنة عُمان، وقطر) بالإضافة إلى الأردن.
أبرز ما جاء في القرار
طالب مجلس الأمن الدولي إيران بالوقف الفوري لجميع الهجمات التي تشنها على دول الخليج العربي، فضلا عن حماية الملاحة وإدانة أي عمل أو تهديد من جانب إيران يهدف إلى إغلاق أو عرقلة أو تعطيل حركة الملاحة الدولية في مضيق هرمز، مؤكدًا أهمية حرية الملاحة باعتبارها مسألة مرتبطة بالأمن والطاقة العالميين.
كما أعرب القرار عن القلق إزاء استهداف المناطق المأهولة بالسكان والبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المطارات ومنشآت الطاقة، ما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين.
وعلى الرغم من أن الضربة الاستباقية الأولى كانت من جانب إسرائيل ضد إيران، فإن القرار لم يتضمن أي إشارة إلى الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران، الأمر الذي شكّل نقطة الخلاف الرئيسية.
موقف الدول العربية من القرار
رحبت الدول العربية ودول الخليج بالقرار واعتبرته رسالة دولية مهمة ترفض الاعتداءات على السيادة والاستقرار الإقليمي، مع التأكيد على الحق في الدفاع عن النفس بموجب المادة (51)، ووصفته بأنه “انتصار للدبلوماسية والقانون الدولي”.
وقد جاء القرار ليدين بأشد العبارات الهجمات الإيرانية على القواعد العسكرية الأمريكية ودول الخليج، ولذلك حمل موقف الأطراف العربية الخليجية تأييدًا عربيًا ودوليًا واسعًا مقابل امتناع روسي – صيني.
الموقف الروسي – الصيني من القرار
امتنعت كل من روسيا والصين، العضوتين الدائمتين في مجلس الأمن، عن التصويت، لكنهما لم تستخدما حق النقض (الفيتو).
ومن جانبها اعتبرت روسيا أن القرار “غير متوازن للغاية”، ويتجاهل العدوان الأمريكي الإسرائيلي “غير المبرر” الذي أشعل شرارة الحرب منذ البداية.
كما تقدمت روسيا بمشروع قرار بديل يدعو إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية من جميع الأطراف دون إلقاء اللوم على طرف محدد، لكنه قوبل باتهامات بـ”النفاق” من بريطانيا و”السخرية” من لاتفيا.
ورفض المجلس مشروع القرار الروسي البديل بأربعة أصوات مؤيدة (روسيا، الصين، باكستان، الصومال)، مقابل معارضة الولايات المتحدة ولاتفيا، وامتناع9 دول.
على المنوال نفسه شددت الصين على أن الصراع “لا يملك شرعية ولا أساسًا قانونيًا”، لأنه “لا يعكس بشكل كامل السبب الجذري والصورة الشاملة للصراع بطريقة متوازنة”. وأكدت أن الحل يتمثل في وقف الولايات المتحدة وإسرائيل عملياتهما العسكرية.
الموقف الإيراني من القرار
رفضت إيران القرار بشدة ووصفته بأنه “انتكاسة خطيرة لمصداقية المجلس” و”إجراء متحيز”، وانتقدته انتقادًا حادًا، معتبرة أنه يمثل “إساءة صارخة لولاية مجلس الأمن” لصالح أجندة الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأكد السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة أن بلاده “الضحية الرئيسية لعدوان واضح” تمثل في اغتيال قائد الثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي وقادة عسكريين، وأن هجماتها جاءت في إطار الدفاع المشروع عن النفس بعد تعرض إيران للضربة الاستباقية الأولى من جانب إسرائيل.
وقدمت إيران إحصاءً بأعداد الضحايا والخسائر البشرية منذ بدء النزاع في 28 فبراير، حيث قُتل أكثر من 1,348 مدنيًا وأصيب أكثر من 17,000 آخرين، مع تدمير أكثر من 19,000 موقع مدني، بما في ذلك مدارس ومستشفيات.
تداعيات القرار على المشهد الإقليمي والدولي
يُظهر هذا القرار ظاهرة خطيرة في تعامل المجتمع الدولي مع الأزمات، حيث ركز على تجريم الفعل (الهجمات الإيرانية على دول الخليج والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة) متجاهلًا أسبابه الجذرية (العدوان الأمريكي – الإسرائيلي)، أي إدانة الانتهاك دون معالجة أسبابه، ما يعكس ازدواجية في المعايير.
فقد صمت المجلس عن الضربات الأولى التي وجهتها الكتلة الأمريكية الإسرائيلية، وهو ما يقوض مصداقية القانون الدولي.
تأثيرات قرار مجلس الأمن على مسار الحرب
من المؤكد أن قرار مجلس الأمن سيكون له أثر بالغ على مسار الحرب، لكن تأثيره يعتمد على قوة القرار، والدول التي تدعمه، وما إذا كان يتضمن إجراءات ملزمة.
وهناك عدة سيناريوهات محتملة، منها:
أولاً: تأثيره على إيران
تعني الإدانة الصادرة عن مجلس الأمن زيادة الضغط الدولي على إيران، إذ يرى جزء كبير من المجتمع الدولي أن إيران تتحمل مسؤولية التصعيد، وقد يؤدي ذلك إلى زيادة العزلة الدبلوماسية والسياسية عليها.
كما أن التأييد الدولي الواسع من قبل 135 دولة يمثل “عزلة غير مسبوقة” لإيران دبلوماسيًا، وقد يضعف موقفها السياسي أمام المجتمع الدولي، ويؤدي إلى تشديد الرقابة الدولية على تحركاتها العسكرية.
وقد يؤثر ذلك أيضًا على حلفاء إيران في المنطقة مثل حزب الله أو جماعات أخرى قد تتعرض لضغط دولي أكبر.
ثانيًا: تأثيره على خصوم إيران (الولايات المتحدة وإسرائيل)
تمنح الإدانة الصادرة عن مجلس الأمن خصوم إيران تعزيزًا لموقفهم وغطاءً قانونيًا وسياسيًا ودبلوماسيًا بموجب المادة (51)، بما يسمح بتشديد الضغط العسكري أو السياسي عليها وبناء تحالفات دولية ضدها.
كما قد يقوي ذلك موقف إسرائيل وحلفائها، ويمنح الدول المهاجمة، إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، مساحة أوسع للتحرك، وربما يشجعها على اتخاذ إجراءات عسكرية رادعة دون خوف من إدانة دولية، رغم أن الضربة الأولى كانت من جانب إسرائيل وأن الرد الإيراني جاء في إطار الدفاع عن النفس.
وقد تُستخدم الإدانة أيضًا سياسيًا لتبرير عمليات عسكرية ضد أهداف مرتبطة بإيران أو لتشكيل تحالفات إقليمية لمواجهة النفوذ الإيراني.
ثالثًا: تأثيره على المجتمع الإقليمي والدولي
إن امتناع روسيا والصين عن التصويت وانتقادهما القرار يعكس انقسامًا حادًا داخل مجلس الأمن، وهو ما قد يؤدي إلى تعقيد الجهود الدبلوماسية المستقبلية للتوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، كما قد يعكس تفاقم الانقسامين الإقليمي والدولي ويعقّد جهود التهدئة.
رابعًا: تأثيره على التصعيد العسكري
لم يكن لقرار مجلس الأمن تأثير واسع على الأرض؛ بل على العكس، استمر التصعيد العسكري واستمرت العمليات الميدانية.
خامسًا: تأثيره على الاقتصاد العالمي
تسببت الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربي في التأثير على استقرار الملاحة والطاقة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، وهو ما يهدد استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، وقد استدعى رد فعل دولي واسع لحماية المصالح الحيوية.
كما أدى تضييق الملاحة في المضيق إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة 20 بالمئة واضطراب الأسواق العالمية.
وإذا تبعت الإدانة عقوبات أممية أو تحولت إلى قرار ملزم تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فقد يحدث ما يلي:
ــ فرض عقوبات اقتصادية وتجارية أو مالية، وقيود على تصدير التكنولوجيا أو حظر تصدير السلاح.
ــ تجميد أصول شخصيات أو مؤسسات إيرانية، وهو ما قد يؤثر في الاقتصاد الإيراني وقدرته على تمويل العمليات العسكرية أو دعم حلفائه.
أدوات التأثير المحتملة للقرار على سير العمليات العسكرية
لا تقتصر أهمية قرار مجلس الأمن الدولي رقم2817 على دلالاته السياسية أو القانونية فحسب، بقدر ما تمتد إلى تأثيره المحتمل في البيئة العملياتية للحرب الدائرة في الإقليم بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
فمثل هذه القرارات، حتى وإن لم تتضمن إجراءات تنفيذية مباشرة، تخلق إطارًا سياسيًا وقانونيًا يمكن توظيفه من قبل أطراف الصراع للتأثير في مسار العمليات العسكرية وتشكيل البيئة الإستراتيجية المحيطة بها.
وهذه الأدوات يمكن حصرها في التالي:
أولا: الشرعية السياسية الدولية، التي يمنحها القرار للأطراف التي ترى نفسها مستهدفة بالهجمات الإيرانية، فالإدانة الصادرة عن مجلس الأمن يمكن أن تُستخدم كمرجعية قانونية وسياسية لتبرير عمليات عسكرية إضافية تحت مظلة الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، ومن شأن ذلك أن يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاءهما الإقليميين مساحة أوسع لتكثيف العمليات العسكرية أو توسيع نطاقها الجغرافي، مع تقليل كلفة الانتقادات الدولية المحتملة.
ثانيا: بناء التحالفات العسكرية والأمنية، ذلك أن الغطاء الدولي الذي توفره الإدانة قد يسهم في تسريع تشكيل ترتيبات أمنية أو عملياتية مشتركة في منطقة الخليج، سواء في مجال الدفاع الجوي والصاروخي أو حماية الممرات البحرية، وقد ينعكس ذلك في زيادة التنسيق العسكري بين الولايات المتحدة والدول الخليجية، وربما توسيع نطاق الدور العسكري لبعض القوى الغربية في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما قد يغيّر جزئيًا من ميزان الردع في المنطقة.
ثالثا: القرار كأداة في حرب الضغوط الاقتصادية والمالية المرافقة للصراع العسكري، فحتى في غياب عقوبات فورية، قد يدفع القرار بعض الدول أو المؤسسات المالية الدولية إلى تشديد القيود على التعاملات الاقتصادية مع إيران أو تقليص التعاون معها في مجالات الطاقة والتكنولوجيا، ومن شأن ذلك أن يؤثر تدريجيًا في قدرة طهران على تمويل عملياتها العسكرية أو دعم حلفائها الإقليميين، ما قد ينعكس بصورة غير مباشرة على مستوى العمليات في الميدان.
رابعا: الحرب الإعلامية والدبلوماسية بين أطراف النزاع، فالإدانة الأممية تمنح خصوم إيران مادة سياسية وإعلامية لتكريس رواية دولية ترى في طهران الطرف المسؤول عن التصعيد، بينما ستسعى إيران في المقابل إلى توظيف موقف روسيا والصين وامتناعهما عن التصويت لإبراز الانقسام الدولي حول القرار والتشكيك في شرعيته السياسية، ويعكس ذلك استمرار الصراع في بعده السردي والدبلوماسي بالتوازي مع الصراع العسكري.
ومن زاوية استشرافية، قد يفتح القرار الباب أمام ثلاثة مسارات محتملة لتأثيره في العمليات العسكرية مستقبلًا:
المسار الأول: التوظيف كغطاء سياسي لتوسيع العمليات العسكرية ضد أهداف مرتبطة بإيران في الإقليم، سواء بشكل مباشر أو عبر استهداف شبكات حلفائها.
المسار الثاني: استخدام القرار كأداة ضغط دبلوماسي لدفع طهران إلى القبول بترتيبات تهدئة أو مفاوضات غير مباشرة، خاصة إذا ترافق مع ضغوط اقتصادية متزايدة.
المسار الثالث: بقاء القرار ضمن إطار التأثير الرمزي المحدود إذا استمر الانقسام الدولي داخل مجلس الأمن ولم يتحول إلى إجراءات ملزمة أو تحالفات عسكرية جديدة.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن قرار مجلس الأمن لا يشكل بحد ذاته عاملًا حاسمًا في تحديد نتائج الحرب، لكنه يسهم في إعادة تشكيل البيئة السياسية والقانونية والإستراتيجية التي تتحرك فيها العمليات العسكرية، فالحروب المعاصرة لا تُدار فقط في ميادين القتال، بل في الفضاءات الدبلوماسية والاقتصادية والإعلامية أيضًا، وهو ما يجعل من القرارات الدولية أدوات غير مباشرة للتأثير في موازين القوة ومسارات الصراع على المدى المتوسط والبعيد.
خاتمة
على الرغم من أن الضربة الاستباقية الأولى كانت من جانب إسرائيل ضد إيران، فإن القرار لم يتضمن أي إشارة إلى الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، وجاءت الإدانة مقتصرة على إيران فقط.
وقد تؤثر إدانة مجلس الأمن سياسيًا واقتصاديًا عبر زيادة الضغط الدولي، لكنها لا تغيّر مسار الحرب بشكل حاسم ما لم تقترن بإجراءات عملية مثل العقوبات.
لذلك يمكن القول إن قرار مجلس الأمن شكّل انتصارًا دبلوماسيًا للدول العربية وللولايات المتحدة الأمريكية في إدانة طهران، لكنه فشل في معالجة جذور الصراع، ما يترك الباب مفتوحًا لمزيد من التصعيد ما دامت العمليات العسكرية مستمرة من جميع الأطراف دون مساءلة شاملة ومتوازنة.
ومن الواضح أن إدانة مجلس الأمن لن توقف الحرب مباشرة، لكنها ستغيّر البيئة السياسية والدبلوماسية للصراع عبر زيادة الضغط الدولي وفتح الباب أمام عقوبات أو تحالفات قد تؤثر لاحقًا في ميزان القوى. وفي كثير من الحالات تبقى الإدانة رمزية إذا لم تتبعها إجراءات تنفيذية أو إذا عارضتها قوى كبرى مثل روسيا أو الصين باستخدام حق النقض (الفيتو).

