د. محمد محسن أبو النور
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية
برحيل آية الله العظمى السيد/ موسى الشبیري الزنجاني، يوم الإثنين 21 سبتمبر 2026، عن عمر ناهز 99 عاما، تفقد إيران واحدا من كبار مراجع التقليد، والأهم من ذلك أنها تطوي صفحة من تاريخ الحوزة العلمية التي حملت في ذاكرتها قرابة قرن من التحولات، من قم ما قبل الثورة إلى الجمهورية الإسلامية وما بعدها، حيث كان الزنجاني من أولئك النفر الذين عاشوا طويلا وعملوا كجسر يصل بين أجيال متعاقبة من الفقهاء الذين اعتمدوا نظاما قائما على نظرية ولاية الفقيه لحكم أحد أعرق الدول على مر العصور.
وعندما يقال قبل اسم الرجل إنه “سيد” وإنه “آية الله العظمى” فهذا ليس تفخيما له، لكنها الحقيقة العلمية التي نتعامل من خلالها بتجرد مع أوصاف الناس وألقابهم وفقا لأنظمتهم ووفقا لما هو معمول به في بلادهم، فلقب “سيد” يعني أنه ذو عمامة سوداء وأنه من آل البيت، ولقب “آية الله العظمى” يعني أنه بلغ المنتهى في مجاله بحيث أصبح مرجع تقليد ضمن 7 أشخاص فقط في تاريخ الفقه الشيعي المعاصر في آخر ثلاثة عقود.
وقبل أن يتوفى آية الله العظمى الزنجاني كان زميلا لستة آيات الله عظام آخرين معتمدين من جامعة المدرسين في قم، وهم:
- آية الله العظمى الكلبيكاني في إيران (توفي في 1 فبراير 2022م).
- آية الله العظمى مكارم الشيرازي في إيران.
- آية الله العظمى وحيد الخراساني في إيران.
- آية الله العظمى نوري الهمداني في إيران.
- آية الله العظمى علي خامنئي (اغتيل في 28 فبراير 2026م).
- آية الله العظمى السيستاني في العراق.
وبوفاة الزنجاني أصبح للفقه الشيعي أربعة مراجع فقط واحد منهم في العراق وهو السيستاني وبقي الثلاثة الآخرون في إيران وهم الخراساني والشيرازي والهمداني.
ولقد ولد شبیري الزنجاني في قم عام 1928م لأسرة علمية، فوالده السيد/ أحمد الشبیري الزنجاني كان من علماء قم ومن المقربين من الشيخ عبد الكريم الحائري، مؤسس الحوزة العلمية في قم على شكلها الراهن، وقد بدأ الزنجاني الابن دراسته الحوزوية مبكرا، ثم تتلمذ على عدد من أعلام الفقه، فحضر دروس السيد/ حسين البروجردي، ودرس في النجف عند السيدين/ عبد الهادي الشيرازي ومحسن الحكيم، كما حضر عند أبي القاسم الخوئي، بينما أمضى 21 عاما في درس السيد/ محمد محقق داماد، إلى جانب شخصيات مثل الإمام موسى الصدر ومحمد بهشتي.
ومن هنا تشكلت شخصيته العلمية، ذلك أن الزنجاني كان إلى جانب كونه فقيه الفتوى، كان من علماء التحقيق والتدقيق، خصوصا في علم الرجال والفقه والأصول، ومن أبرز آثاره تحقيق “رجال النجاشي”، إلى جانب تحقيقه كتاب “آشنای حق: اندیشه و رفتارهای سلوکی آقا محمد بیدآبادی” (بالعربية: العارف بالحق: أفكار وسلوكيات آقا محمد بيدآبادي”، و”جرعهای از دریا” (بالعربية: جرعة من البحر) في أربعة مجلدات، وهو عمل يجمع مقالاته وتعليقاته وأقواله العلمية والأخلاقية، حتى إن أحد أبوابه حمل عنوان “طریقیات”، أي ما كان يقوله في الطريق بين بيته وحرم السيدة فاطمة الزهراء في قم، وفي هذه التفاصيل شيء من روح إيران وتاريخها، بحيث كان علما يمشي مع صاحبه في الطريق، ولا يبقى محبوسا في صفحات الكتب.
ثم بدأ تدريس البحث الخارج في الفقه في أربعينيات القرن السابق الهجري الشمسي من 1340 إلى 1349 هـ. ش. وهي تقابل تقريبا الفترة الممتدة من 1961م إلى 1971م، وامتد نشاطه العلمي أكثر من ثمانية عقود، كما أسس مدرسة فقهية ومركزا علميا حمل اسم الإمام محمد الباقر، بهدف تكوين فقهاء وباحثين في الفقه والأصول والرجال وفقه الحديث.
سياسيا لم يبدأ الزنجاني من موقع بعيد عن الثورة، فقد وقع البيانات المناهضة لنظام الشاه خلال مرحلة النضال ضد الملكية، وساعد الخميني في مسعاه لإسقاط الشاه، لكن مساره بعد الثورة اتخذ طابعا أكثر حذرا من السياسة ودروبها وأهوالها، إذ ظل بعيدا عن المناصب السياسية والتنفيذية، وحافظ على مساحة للمرجعية بوصفها سلطة دينية وعلمية لا تختزل في مؤسسات الدولة، ولعل هذه المسافة هي التي جعلت حضوره مختلفا عن الفقيه الذي يدخل إلى السلطة، أو الفقيه الذي يتحول إلى معارض سياسي مباشر.
وربما كان موقفه من أحداث الانتفاضة الخضراء عام 2009 من أكثر اللحظات التي كشفت هذه المسافة، فقد التقى في ذلك العام بآية الله حسين علي منتظري وآية الله موسوي أردبيلي لمناقشة القضية السياسية الأخطر في تاريخ البلاد، تلك التي وضعت الجمهورية الإسلامية أمام مفترق الطرق، حين ثار على النظام أخلص رجاله وأقربهم إليه وهم مير حسين موسوي ومهدي كروبي، ثم أدى الصلاة على جثمان منتظري في يوم 19 ديسمبر 2009م، ولم يكن ذلك مجرد تفصيل ديني عابر، إذ كان منتظري في ذلك الوقت أحد أبرز منتقدي السلطة الإيرانية وله تاريخه التصادمي المعروف مع الخميني وخلفه خامنئي، ولهذا اكتسب حضور شبیري الزنجاني في تلك المناسبة دلالة سياسية لا يمكن تجاوزها، حتى مع بقاء خطه العام أكثر حذرا من الانخراط الحزبي أو السياسي في شؤون أولئك الذين يجلسون في قصر الباستور أو في مقر خاتم الأنبياء.
وفي عام 1994م، بعد وفاة محمد علي آراكي، كان شبیري واحدا من سبعة فقهاء أعلنت جامعة مدرسي الحوزة العلمية في قم أهليتهم للمرجعية كما سبق وفصلتُ أعلاه، لكن أهميته لم تأت من قائمة أو مؤسسة، وإنما من تراكم علمي طويل وشبكة من التلاميذ والطلاب وثقة دينية وعلاقات مجتمعية تشكلت عبر العقود.
لذلك فإن وفاة الشبيري الزنجاني تطرح سؤالا أكبر من سؤال من يخلفه في مرجعية التقليد؟ وماذا ستفعل الحوزة إثر موت المراجع العظام واحدا تلو الآخر؟ وماذا ستفعل جامعة المدرسين حيال تلك المعضلة؟ غير أن السؤال الحقيقي يدور حول: ماذا يحدث لخريطة المرجعية التقليدية في قم مع رحيل الجيل الذي عاش الحوزة قبل الثورة، ثم شهد قيام الجمهورية الإسلامية، ثم أمضى عقودا في التعامل مع العلاقة المعقدة بين المرجع الديني والسلطة السياسية؟! ومن المهم هنا التأمل في أن كل وفاة من هذا الجيل لا تسقط المرجعية، لكنها تغير تدريجيا الذاكرة البشرية التي حملت التجربة من عصر إلى عصر ومن جيل إلى ما تلاه.
وتزداد أهمية ذلك في السياق الإيراني الراهن، إذ قامت الجمهورية الإسلامية أصلا على صيغة سياسية أعطت ولاية الفقيه موقعا مركزيا في الدولة، لكنها لم تلغ تعدد المرجعيات ولا الحوزة المستقلة تماما عن الجهاز الحكومي، ومن ثم فإن شبیري زنجاني لم يكن ركنا من أركان ولاية الفقيه بالمعنى المؤسسي، وإنما كان جزءا من البيئة الدينية الأوسع التي تتحرك داخلها الجمهورية الإسلامية، ويعني رحيله أن أحد الأصوات العلمية القديمة التي عاصرت نشأة هذه العلاقة بين الحوزة والدولة قد غاب، بينما تتشكل تدريجيا خريطة جديدة للمرجعية الإيرانية في زمن الحرب الأمريكية على البلاد.
وربما تكمن الدلالة الأعمق في أن شبیري الزنجاني رحل كما عاش من داخل الحوزة، لا من داخل القصر، ومن بين الكتب والدروس والتلاميذ، لا من خلف المناصب السياسية، ولهذا فإن إرثه قد لا يقاس بما قاله في السياسة بقدر ما يقاس بما تركه في الفقه والرجال والأصول وتكوين العلماء، وفي لحظة تتغير فيها إيران بسرعة، يبدو رحيل رجل عاش قرابة القرن أشبه بإغلاق صفحة من كتاب قديم شاهد على المروية الإيرانية وهي تنتقل من زمن إلى زمن، فيما تبقى قم، مثلما تقول الروح الإيرانية القديمة، مدينة تبحث عن الحقيقة بين سطور الفقه بينما تعرف أن الحقيقة ماثلة في بيت القيادة الكائن في شارع فلسطين بطهران.
