د. محمد محسن أبو النور

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية

 

في مساء الحادي عشر من أكتوبر 2026م، نظم أهالي مدينة مشهد (130 كم جنوب طهران) تجمعات احتجاجية على تغيير اسم شارع “آية الله طالقاني” إلى “الشهيد علي خامنئي”، ما أعاد إلى الأذهان التجربة الجديرة بالدراسة لآية الله محمود طالقاني (1910 ــ 1979م)؛ لأنها تمثل أحد المفاتيح المبكرة المهمة لفهم التوتر الشديد بين التعددية السياسية ومركزية السلطة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، خاصة أنه شارك ــ شأنه شأن علي خامنئي ــ في إسقاط نظام الشاه محمد رضا بهلوي (1941 ــ 1979م)، وأسهم في بناء مؤسسات النظام الجديد، لكنه احتفظ برؤية اجتماعية وسياسية لم تختزل الثورة في سلطة دينية مركزية، إلى أن مات مسموما بشهادة ابنه، مجتبى طالقاني، بسبب رفضه سياسات الخميني المتعلقة بحصر السلطة في يده مطلقا وفقا لنظريته القائمة على “ولاية الفقيه”.

وبعد انتقال منصب المرشد الأعلى إلى مجتبى خامنئي في مارس 2026، إثر اغتيال والده علي خامنئي في الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي بدأت في28  فبراير 2026م، تكتسب تجربة طالقاني قيمة تحليلية متجددة، فبدلا من حذف اسم الرجل من شارع عرف تاريخيا باسمه يتعين على مجتبى خامنئي نفسه التعلم من تجربة طالقاني، والتعلم هنا ليس محض مقارنة بين شخصيتين تنتميان إلى جيل واحد أو ظروف متشابهة، وإنما بين لحظتين تكشفان فهما تأسيسيا في تاريخ النظام الإيراني يدور حول توزيع السلطة بين الشرعية الدينية، والمؤسسات الدستورية، والأجهزة الأمنية، والقاعدة الاجتماعية، وإمكانية إدارة هذا التوازن في ظل الحرب والضغوط الاقتصادية وإعادة ترتيب مراكز النفوذ إبان الحرب والقيادة الجديدة التي لم تظهر إلى الرأي العام حتى وقت كتابة هذه السطور.

أولا: محمود طالقاني وإشكالية التعددية في نظام الجمهورية الإسلامية

ولد آية الله طالقاني في منطقة طالقان شمال غربي العاصمة الإيرانية، طهران، ونشأ في أسرة دينية، إذ كان والده عالما شيعيا مهتما بالشؤون العامة، وقد درس العلوم الدينية في قم والنجف، وتأثر بالمدرسة الفقهية الشيعية، ثم عمل مدرسا وخطيبا في طهران، اشتهر بتخصصه في تفسير القرآن الكريم من بعده العقائدي والفلسفي، وخاصة في كتابه الأكثر ذيوعا “پرتوی از قرآن”، (بالعربية: شعاع ساطع من القرآن الكريم)، الذي سعى من خلاله إلى تقديم فهم قرآني يتصل بقضايا المجتمع والإنسان والسياسة، بلغة يمكن لغير المتخصصين في العلوم الدينية استيعابها.

ولقد كان آية الله محمود طالقاني رجل دين معارض لمحمد رضا شاه بهلوي، وكان أحد الوجوه التي جمعت بين المرجعية الإسلامية والنشاط الوطني والاجتماعي، وارتبط اسمه بالتيارات التي سعت إلى توظيف المفاهيم الإسلامية في مواجهة الاستبداد وتحقيق العدالة الاجتماعية، كما احتفظ بعلاقات مع شخصيات من الحركة الوطنية الإيرانية، من بينها مهدي بازركان ويد الله سحابي وكريم سنجابي، وتكشف هذه الخلفية أن المعارضة التي أسهمت في إسقاط النظام الملكي لم تكن كتلة متجانسة، فقد جمعت اتجاهات دينية ووطنية وليبرالية وعلمانية ويسارية، اتفقت على إنهاء حكم الشاه، لكنها لم تتفق بالضرورة على شكل الدولة الجديدة وحدود السلطة الدينية فيها.

ولقد انتقل طالقاني بعد انتصار الثورة في فبراير 1979م، من موقع المعارضة إلى المشاركة المباشرة في بناء النظام، بأن أصبح عضوا في مجلس الثورة، وشارك في مجلس خبراء الدستور المنتخب في أغسطس من العام نفسه، كما عين أول إمام جمعة لطهران في الجمهورية الإسلامية، وألقى خطبته الأولى في 27 يوليو1979 م، وتكمن دلالة هذه المواقع في أنها وضعته عند نقطة التقاء ثلاثة مصادر للشرعية، وهي المشاركة الشعبية، والمرجعية الدينية، والمؤسسات السياسية الناشئة.

ولقد كان طالقاني نفسه من المبادرين إلى تنظيم صلاة الجمعة على المستوى الوطني، بما حولها إلى منبر سياسي واجتماعي منتظم، لا مجرد شعيرة دينية، ثم اتخذت شكلها الراهن كمؤسسة مهمة في فهم توجهات الدولة الإيرانية.

لكن المشاركة في الثورة لم تعن التطابق الكامل مع المسار الذي اتخذته السلطة بعد سقوط الشاه، فقد أبدى طالقاني اهتماما بالتسويات في مناطق الاضطراب، ولا سيما كردستان وبعض المناطق ذات التكوين القومي المختلف، وعمل على احتواء النزاعات بدلا من اختزالها في المواجهة الأمنية، كما ارتبط اسمه بالتحذير من إعادة إنتاج الاستبداد تحت شعارات دينية.

وهنا تظهر المفارقة التأسيسية إذ استطاعت الثورة توحيد قوى متباينة في مواجهة الملكية، لكنها واجهت بعد انتصارها معضلة أصعب تتعلق بمن يملك حق تعريف الثورة ومؤسساتها وحدود الاختلاف داخلها ولعل هذه المفارقة هي المدخل التاريخي لفهم التوترات التي لا تزال تحكم علاقة الدولة الإيرانية بالمجتمع وبمراكز النفوذ المتنافسة في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على البلاد وما تبعته من حصار وعقوبات وانهيار لا مثيل له في قيمة العملة الرسمية الإيرانية.

ثانيا: غياب طالقاني وترسيخ مركزية المرشد في النظام الإيراني

توفي آية الله طالقاني بعد أقل من سبعة أشهر على انتصار الثورة، في مرحلة لم تكن فيها قواعد توزيع السلطة قد استقرت نهائيا، ولذلك لا يصح اختزال أثره التاريخي في كونه معارضا محتملا لمركزية الحكم، فالرجل شارك أيضا في تأسيس مؤسسات الجمهورية الإسلامية، وسعى إلى تعزيز حضورها الديني والسياسي، غير أن وفاته أزالت من المشهد شخصية تمتلك رصيدا ثوريا وشعبية تتجاوز بعض الحدود التنظيمية والمؤسسية، وعليه لا يمكن الجزم بأن بقاءه كان سيغير المسار اللاحق للنظام، لكن تجربته تكشف أن تعدد مصادر الشرعية كان حاضرا منذ التأسيس، وأن غلبة أحدها ارتبطت كذلك بموازين القوى والقرارات التي اتخذتها المؤسسات والقيادات بعد الثورة.

وعلى مدى العقود التالية لنجاح الثورة، تبلورت مكانة المرشد الأعلى بوصفه مركزا دستوريا وسياسيا تتجمع حوله صلاحيات واسعة، بموجب المادة 110 من الدستور الإيراني، تشمل رسم السياسات العامة والإشراف على تنفيذها والقيادة العليا للقوات المسلحة وتعيين كل المسؤولين الرئيسيين في منظومة الدولة، وفي الوقت نفسه، احتفظت مؤسسات أخرى، مثل رئاسة الجمهورية والبرلمان ومجلس صيانة الدستور والمجلس الأعلى للأمن القومي، بأدوار متفاوتة في صناعة القرار.

ومن ثم فإن مركزية القيادة لا تعني غياب المؤسسات، بل تعني وجود بنية تتفاوت فيها السلطات الرسمية وغير الرسمية، وتتأثر نتائجها بقدرة المرشد على إدارة النخب العسكرية والدينية والسياسية، ومن هذا المنظور، لا يمثل طالقاني نموذجا بديلا مكتملا للنظام الذي تبلور لاحقا، وإنما يتيح استعادة إحدى الركائز التي سبقت استقراره، وتتمثل هذه الركيزة في الحيلولة دون تحول السلطة الثورية إلى احتكار دائم للقرار.

ويكتسب هذا البعد الركائزي أهمية إضافية عند الانتقال إلى مجتبى خامنئي، الذي اختاره مجلس خبراء القيادة مرشدا أعلى في8  مارس 2026، بعد مقتل والده علي خامنئي في بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ذلك أن التحدي الذي يواجهه مجتبى يتعلق بالمنصب الدستوري كونه أول حالة توريث في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وبقدرته على تثبيت سلطته داخل شبكة تضم الحرس الثوري، والمؤسسات الدينية، والأجهزة الأمنية، والحكومة، ومراكز النفوذ المرتبطة بالقيادة السابقة.

وهو أمر تنبهت إليه الصحافة العالمية وكثير من المهمتين حول العالم بالتجول الراهن في إيران، من بينهم الكاتب والباحث خايمي ليون، في تقرير نشره بوكالة الأنباء الإسبانية “إفي” في 7 سبتمبر 2026، قال فيه إن مجتبى لم يظهر علنا منذ توليه المنصب، وإن هناك اتجاها نحو قيادة أكثر جماعية، مع استمرار الحرس الثوري في أداء دور بالغ الأهمية بالبلاد إثر الحرب، ويعني ذلك أن انتقال المنصب لم يحسم تلقائيا كيفية توزيع النفوذ الفعلي داخل النظام.

ثالثا: مجتبى خامنئي واختبار الشرعية والسلطة في مرحلة الحرب

تتيح المقارنة بين آية الله محمود طالقاني وآية الله مجتبى خامنئي فهم التحولات التي طرأت على طبيعة القيادة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من جيل أسهم في صناعة الثورة واستمد شرعيته من النضال الشعبي، إلى قيادة تتشكل في ظل مركزية مؤسسية وأمنية متزايدة، وتبرز أهمية هذه المقارنة في ثلاثة اختبارات رئيسية تواجه مجتبى خامنئي، تتعلق بمصادر الشرعية السياسية، وموقع المؤسسة العسكرية والأمنية في صناعة القرار، وقدرة النظام على استيعاب التعددية السياسية والقومية والاجتماعية، وهو ما يمكن شرحه في العناصر الثلاثة التالية:

1ــ العلاقة بين الشرعية الدينية والقبول السياسي، فقد استند طالقاني إلى سيرة معارضة ممتدة ومشاركة ثورية علنية ومنبر جماهيري مباشر، بينما وصل مجتبى إلى القيادة من داخل بنية السلطة التي بناها والده، مستفيدا من علاقاته السابقة بمكتب المرشد ومراكز النفوذ الأمنية، ولا يعني هذا الاختلاف أن أحد النموذجين يضمن قبولا شعبيا أكبر من الآخر، لكنه يوضح أن مصادر الشرعية ليست متطابقة، ففي الحالة الراهنة، يتعين على القيادة الجديدة الجمع بين سند مجلس خبراء القيادة، واستمرارية مؤسسات الدولة، والقدرة على إظهار حضور سياسي مفهوم للمجتمع، في وقت تتعرض فيه البلاد لضغوط عسكرية واقتصادية استثنائية.

2ــ موقع المؤسسة العسكرية والأمنية في صناعة القرار، فقد شهدت إيران إعادة ترتيب واسعة في القيادة العسكرية خلال أغسطس 2026، شملت تعيين مسؤولين بارزين، من بينهم الجنرال محسن رضائي في منصب أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي، وحجة الإسلام والمسلمين حسين طائب في قيادة الباسيج، والجنرال طيار علي عبد اللهي علي آبادي قائدا لمقر خاتم الأنبياء المركزي الإيراني، وتظهر هذه التغييرات أن القيادة الجديدة تعمل في بيئة تفرض فيها الحرب متطلبات التنسيق العسكري وإعادة بناء سلاسل القيادة، بينما تتداخل هذه المتطلبات مع مسألة ضبط المجال الداخلي، وبالمقارنة مع طالقاني، الذي اعتمد جانب من حضوره على الخطابة والتواصل الشعبي والوساطة في النزاعات، تبدو أدوات مجتبى المؤسسية والأمنية أكثر ارتباطا بمقتضيات إدارة الدولة أثناء الحرب، ومع ذلك، لا يكفي هذا التباين وحده للحكم على طبيعة القيادة الجديدة أو افتراض أن الحرس الثوري بات صاحب القرار المنفرد، فالمعلومات المتاحة تشير إلى إعادة توزيع للنفوذ، وسيطرة شبه كلية للحرس الثوري على مفاصل السلطة، لا إلى اختفاء بقية المؤسسات.

3ــ قدرة النظام على استيعاب الاختلافات السياسية والقومية والاجتماعية، فقد حاول طالقاني، في الأشهر الأخيرة من حياته، معالجة بعض النزاعات عبر الحوار والوساطة، وهو ما يعكس إدراكا مبكرا بأن الانتصار الثوري لا ينهي تلقائيا التوترات بين المركز والأطراف، خاصة مع التحول الكبير الذي طرأ في شهر إبريل 1979، حين غادر طالقاني طهران احتجاجا على اعتقال اثنين من أبنائه وزوجة أحدهما على يد عناصر من اللجان الثورية، وفي ذلك الوقت حذر من مخاطر العودة إلى الاستبداد، وهو موقف كشف عن مخاوف من المسار الذي قد تتخذه السلطة الجديدة.

أما مجتبى خامنئي، فيواجه هذا الاختبار ضمن ظروف أشد تعقيدا، إذ تتزامن الحرب والضغوط الاقتصادية مع تحديات استمرارية القيادة وإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية، وقد يؤدي تعزيز مركزية القرار إلى تحسين التنسيق في المدى القصير، لكنه لا يعالج وحده أسباب التوتر الاجتماعي أو يضمن استعادة الثقة السياسية، وفي المقابل، فإن توسيع قنوات المشاركة والتسوية يتطلب قدرة على إدارة الخلاف دون أن يتحول إلى تهديد لاستقرار الدولة، وهنا تكمن قيمة تجربة طالقاني بالنسبة لمجتبى خامنئي إذا أراد أن يتعلم من تجارب من سبقوه، ليس على افتراض أن تكرار نهجه ممكن بحذافيره، بل في إظهار أن الاستقرار السياسي يقاس بقدرة المركز على إصدار الأوامر جنبا إلى جنب مع استيعاب المجتمع ومكوناته المختلفة.

خاتمة

تكشف المقارنة بين محمود طالقاني ومجتبى خامنئي أن الجمهورية الإسلامية تواجه، في مرحلتها الراهنة، اختبارا يتجاوز انتقال منصب المرشد من جيل إلى آخر، يتمحور حول العلاقة بين استمرارية النظام وقدرته على تجديد شرعيته وإدارة تعدد مراكز النفوذ داخله، فإذا كان طالقاني قد جسد في لحظة التأسيس إمكانية الجمع بين المرجعية الدينية والعمل السياسي والوساطة الاجتماعية، فإن مجتبى يواجه معادلة مختلفة، تتقدم فيها اعتبارات الحرب والأمن وإعادة ترتيب النخبة الحاكمة، وهو ما يمكن أن يتعلمه مجتبى حرفيا من تجربة طالقاني، واستشرافا للمستقبل، ستتوقف قدرة القيادة الجديدة على تثبيت الاستقرار على ثلاثة عوامل مترابطة، وهي:

  • تماسك المؤسسات العسكرية والأمنية دون تحولها إلى بديل عن القيادة السياسية.
  • فاعلية المؤسسات في إدارة الخلافات بين مراكز القوى والأطياف السياسية الجديدة.
  • قدرة الدولة على الاستجابة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية في ظل الحرب والحصار.

ولا تعني هذه المعادلة أن إيران تتجه حتما إلى الانفتاح أو إلى مزيد من الانغلاق، بل إن المسار سيظل مرتبطا بموازين القوى والقرارات الفعلية داخل النظام، وبذلك يصبح طالقاني مدخلا تاريخيا لفهم حدود القوة المركزية، فيما تمثل تجربة مجتبى اختبارا معاصرا لمدى قدرة الجمهورية الإسلامية على الموازنة بين متطلبات البقاء السياسي وشروط الاستقرار طويل الأجل.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version