د/محمد أحمد صالح

تكتسب أحزاب فلسطينيي الداخل أهمية متزايدة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، ليس فقط بحجم تمثيلها البرلماني، وإنما بقدرتها المحتملة على التأثير في تشكيل الحكومة إذا أخفقت المعسكرات الصهيونية في الوصول إلى أغلبية 61 مقعدًا. ويعكس الانقسام بين “القائمة المشتركة” و”القائمة الموحدة” اختلافًا بين مقاربة قومية فلسطينية وأخرى أكثر براجماتية تسعى لتحويل التمثيل الفلسطيني في الداخل إلى نفوذ تفاوضي. في المقابل، تتباين مواقف الأحزاب الصهيونية والدينية المتشددة؛ فاليمين يسعى إلى استبعاد القوائم الفلسطينية في الداخل قانونيًا وسياسيًا، بينما تتعامل بعض قوى المعارضة معها وفق حسابات انتخابية وائتلافية متناقضة. وقد صوّتت لجنة الانتخابات المركزية لاستبعاد القائمة الموحدة والقائمة المشتركة، لكن القرارات تخضع للمراجعة القضائية. وتكشف الانتخابات المقبلة عن مفارقة استراتيجية: قد ترتفع القيمة السياسية للمقاعد الفلسطينية في الداخل دون أن تتحول بالضرورة إلى مشاركة حكومية. ويتوقف مستقبلها على نسبة مشاركة فلسطينيي الداخل، وتجاوز نسبة الحسم، والوحدة الانتخابية، واستعداد الأحزاب اليهودية للتفاوض معها، ما قد يجعلها رقمًا مؤثرًا في النظام السياسي الإسرائيلي خلال المرحلة المقبلة.

الصوت الفلسطيني في الداخل أحد مفاتيح الانتخابات الإسرائيلية

تكتسب الأحزاب الفلسطينية في الداخل الإسرائيلي أهمية استثنائية في الانتخابات المقررة في27  أكتوبر 2026م، ليس فقط بسبب عدد المقاعد التي يمكن أن تحصل عليها، وإنما بسبب موقع هذه المقاعد داخل نظام حزبي شديد الانقسام، قد يجعل الكتلة الفلسطينية في الداخل عاملًا مؤثرًا في تشكيل الحكومة أو في منع أحد المعسكرات من الوصول إلى الأغلبية المطلوبة في الكنيست.

وتكمن أهمية هذه المسألة في طبيعة النظام الانتخابي الإسرائيلي نفسه؛ فانتخابات الكنيست تقوم على التمثيل النسبي في دائرة انتخابية وطنية واحدة، وتبلغ نسبة الحسم 3.25%  من الأصوات الصحيحة. ولذلك فإن الفارق بين حزب فلسطيني في الداخل يتجاوز نسبة الحسم وحزب لا يتجاوزها قد لا يعني مجرد مقعد أو مقعدين، وإنما يمكن أن يؤثر في توزيع المقاعد بين جميع الأحزاب، وفي الحسابات الخاصة بتشكيل الحكومة.

ويأتي ذلك في لحظة سياسية شديدة الحساسية. فاستطلاع نُشر في 24 سبتمبر أظهر تعادل المعسكر المؤيد لبنيامين نتنياهو والمعسكر المناوئ له عند53  مقعدًا لكل منهما، مقابل14  مقعدًا للأحزاب ذات القيادة الفلسطينية في الداخل: ثمانية للقائمة المشتركة وستة للقائمة الموحدة. ولا ينبغي التعامل مع هذا الاستطلاع بوصفه توقعًا لنتيجة الانتخابات، لكنه يوضح بصورة عددية لماذا يمكن أن تصبح الأحزاب الفلسطينية في الداخل عاملًا حاسمًا في الحسابات الائتلافية إذا استمرت حالة التقارب بين المعسكرين.

وتزداد أهمية اللحظة لأن لجنة الانتخابات المركزية صوتت في 23 سبتمبر على استبعاد القائمة الموحدة والقائمة المشتركة من انتخابات 27 أكتوبر، إلى جانب استبعاد النائب عوفر كسيف والرئيس السابق لـ”التجمع الوطني اليمقراطي” (بلد) سامي أبو شحادة. وهذه القرارات ليست نهاية المسار القانوني؛ إذ توجد آليات استئناف ومراجعة قضائية، فيما تشير الجداول الرسمية للجنة الانتخابات إلى مواعيد الاستئناف والبت في هذه القضايا في الأيام التالية.

وبذلك انتقل السؤال حول الأحزاب الفلسطينية في الداخل من سؤال انتخابي تقليدي: كم مقعدًا ستحصل عليه؟ إلى سؤال استراتيجي أوسع: هل تستطيع هذه الأحزاب أن تتحول من كتلة تمثيلية لمجتمع فلسطيني داخل إسرائيل إلى قوة تفاوضية تؤثر في شكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وفي قواعد اللعبة السياسية التي ستلي انتخابات 2026م؟

الخريطة السياسية للأحزاب الفلسطينية في الداخل الإسرائيلي

تتمثل أبرز القوى الفلسطينية في الداخل المشاركة في الانتخابات الحالية في مسارين رئيسيين:

الأول: القائمة المشتركة (הרשימה המשותפת) التي تضم في تركيبتها الحالية ثلاثة أحزاب، هي “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة- حاداش” (החזית הדמוקרטית לשלום ולשוויון – חד”ש)، و”التجمع الوطني الديمقراطي – بلد” (ברית לאומית דמוקרטית – בל”ד)، و”الحركة العربية للتغيير –  تعال” (התנועה הערבית להתחדשות – תע”ל).

الثاني: “القائمة العربية الموحدة – رعَم” (הרשימה הערבית המאוחדת – רע”ם) بقيادة منصور عباس، التي قررت خوض الانتخابات منفردة بدل العودة إلى قائمة عربية موحدة تضم الأطراف الأربعة.

هذا الانقسام ليس مجرد خلاف تنظيمي حول شكل القائمة الانتخابية، وإنما يعكس اختلافًا أعمق حول طبيعة الدور السياسي للأحزاب الفلسطينية في الداخل. فالقائمة المشتركة تمثل اتجاهًا يرى أهمية الحفاظ على إطار عربي/فلسطيني جماعي قادر على تعظيم التمثيل السياسي والحفاظ على هوية سياسية واضحة للمواطنين الفلسطينيين في الداخل. أما القائمة الموحدة، فقد طورت منذ انتخابات 2021م مسارًا أكثر براجماتية، يقوم على إمكانية التعاون مع الأحزاب الصهيونية والدخول في ترتيبات ائتلافية إذا أمكن تحقيق مكاسب للمجتمع الفلسطيني في الداخل. وقد كانت مشاركة القائمة الموحدة في حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد خلال 2021م-2022م أول مشاركة رسمية لحزب فلسطيني في الداخل في ائتلاف حكومي إسرائيلي.

وهنا ظهر لأول مرة نموذج سياسي مختلف: التمثيل الفلسطيني في الداخل، والتفاوض، والمشاركة في الائتلاف، والحصول على موارد وتأثير في السياسات. لكن هذا النموذج تعرض بعد 7 أكتوبر 2023م لتغير كبير في البيئة السياسية الإسرائيلية، وأصبح قبول الأحزاب الفلسطينية في الداخل كشركاء حكوميين أكثر صعوبة لدى قطاعات من المعارضة الإسرائيلية، فضلًا عن اليمين.

الوحدة الفلسطينية في الداخل ليست مجرد شعار؛ إنها معادلة مقاعد

تكشف التجربة الانتخابية الإسرائيلية السابقة أن وحدة الأحزاب الفلسطينية في الداخل يمكن أن يكون لها تأثير مباشر في حجم التمثيل. فقد وصلت الأحزاب الفلسطينية في الداخل إلى13  مقعدًا في انتخابات 2015م وسبتمبر 2019م، وإلى 15 مقعدًا في انتخابات 2020م عندما خاضت الأحزاب الفلسطينية الأربع في الداخل الانتخابات في إطار القائمة المشتركة. وعندما انقسمت، تراجع مجموع تمثيلها إلى عشرة مقاعد في انتخابات لاحقة. كما انعكس ذلك على المشاركة الفلسطينية في الداخل: فقد بلغت المشاركة في البلدات الفلسطينية في الداخل64.8%  في انتخابات 2020م عندما كانت الأحزاب الفلسطينية في الداخل مجتمعة، ثم انخفضت إلى 44.6% في انتخابات 2021م بعد الانقسام، وارتفعت إلى 53.2% في 2022م، لكنها بقيت دون مستويات انتخابات القائمة المشتركة.

هذه الأرقام لا تعني أن الوحدة تؤدي آليًا إلى عدد محدد من المقاعد، لكنها تكشف عن قاعدة استراتيجية مهمة: كلما انخفضت الأصوات الفلسطينية الضائعة في الداخل تحت نسبة الحسم، ارتفعت قدرة الصوت العربي على التحول إلى مقاعد فعلية. ولهذا فإن قرار القائمة الموحدة والقائمة المشتركة خوض الانتخابات بقائمتين لا يعني بالضرورة أن الانقسام سيؤدي إلى تراجع حتمي في التمثيل؛ لكنه يزيد أهمية نسبة المشاركة، وحجم كل قائمة، وعدد الأصوات التي قد تبقى دون تمثيل.

ومن هنا جاء الاتفاق الذي وقعته القائمة الموحدة والقائمة المشتركة في سبتمبر بشأن فائض الأصوات، بما يسمح لهما بخوض الانتخابات منفصلتين مع التعاون في احتساب الأصوات الفائضة عند توزيع بعض المقاعد. وهذا الاتفاق يمثل حلًا وسطًا بين الحفاظ على هويتين سياسيتين مختلفتين وبين محاولة تقليل الخسائر الناتجة عن الانقسام.

الانقسام بين القائمة الموحدة والقائمة المشتركة ليس انتخابيًا فقط

الخلاف بين القائمتين يرتبط بسؤال أكبر: هل يجب أن يكون الهدف الأساسي للأحزاب الفلسطينية في الداخل هو تعظيم التمثيل القومي والسياسي، أم تحويل التمثيل إلى قدرة فعلية على التأثير في الحكومة؟ القائمة الموحدة، بقيادة منصور عباس، تبنت بصورة أوضح الخيار الثاني. فقد حاول عباس منذ 2021م إعادة تعريف المشاركة الفلسطينية على أساس أن المواطنين الفلسطينيين في الداخل يستطيعون دعم حكومة إسرائيلية أو المشاركة فيها مقابل تحقيق مطالب تتعلق بالمجتمع العربي. أما القائمة المشتركة (بمكوناتها: حدَش وبلد وتعال)، فاحتفظت بدرجات مختلفة بموقف أكثر ارتباطًا بالهوية الفلسطينية وبالصراع الإسرائيلي الفلسطيني وبالاعتراض على الصهيونية.

ولهذا فإن الخلاف بين الطرفين ليس حول عدد المقاعد فقط، بل حول طبيعة العلاقة مع الدولة، ومعنى المواطنة، وتعريف الصهيونية، والمشاركة في الحكومة، والموقف من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والعلاقة مع المعارضة اليهودية، وحدود التنازل السياسي المطلوب مقابل الحصول على نفوذ حكومي. وهذه الخلافات يمكن أن تستمر حتى لو نجحت القائمتان في الوصول إلى تمثيل برلماني مرتفع.

محاولة منصور عباس نقل المعادلة إلى مستوى جديد

كان إدخال النائب اليهودي السابق في حزب “يش عتيد” يوآف سيجالوفيتش في المرتبة الثانية على القائمة الموحدة أحد أكثر التطورات دلالة قبل انتخابات 2026م. سيجالوفيتش سياسي يهودي من خلفية وسطية وصاحب مسار سابق في جهاز الشرطة والسياسة الإسرائيلية، وانضم إلى القائمة الموحدة دون أن يعني ذلك تحول القائمة الموحدة إلى حزب صهيوني أو تحول سيجالوفيتش إلى عضو أيديولوجي في الحركة الإسلامية. وقد وُصفت الخطوة في تحليلات إسرائيلية وإقليمية بأنها محاولة لتوسيع قابلية القائمة الموحدة للتعاون مع القوى اليهودية. والدلالة الأعمق للخطوة هي أن عباس يحاول معالجة مشكلة تتجاوز عدد المقاعد.

المشكلة هي: كيف تجعل الأحزاب الفلسطينية في الداخل مقاعدها “قابلة للاستخدام السياسي” بعد الانتخابات؟ فقد يستطيع حزب فلسطيني في الداخل الحصول على خمسة أو ستة أو حتى عشرة مقاعد، لكن هذه المقاعد تفقد جزءًا من قيمتها التفاوضية إذا أعلنت الأحزاب اليهودية مسبقًا أنها لن تتعامل معه كشريك حكومي. ومن هنا يمكن فهم سيجالوفيتش بوصفه محاولة لتقليص المسافة السياسية بين القائمة الموحدة وبعض قطاعات الوسط اليهودي.

لكن الخطوة تحمل في المقابل سؤالًا آخر: إلى أي مدى يمكن للأحزاب الفلسطينية في الداخل توسيع قدرتها على المشاركة دون أن تخسر جزءًا من هويتها السياسية الفلسطينية؟ وهذا السؤال قد يصبح أحد أهم الأسئلة التي تحدد مستقبل رعَم بعد انتخابات 2026م.

موقف اليمين الإسرائيلي من الأحزاب الفلسطينية في الداخل

الليكود وتحويل المشاركة الفلسطينية في الداخل إلى قضية انتخابية وأمنية

اتخذ حزب الليكود موقفًا واضحًا ضد مشاركة القائمتين العربيتين في انتخابات 2026م. ففي سبتمبر أعلن الحزب أنه سيتقدم بطلبات لاستبعاد القائمة الموحدة والقائمة المشتركة، واتهمهما، في مبرراته السياسية، بمواقف تتعلق بحماس وحزب الله وبقضايا الأمن والدولة اليهودية. وقد قدم الليكود بالفعل طلبًا ضد القائمتين أمام لجنة الانتخابات.

لكن يجب التمييز بين موقف الليكود السياسي وبين المعيار القانوني للاستبعاد. فمجرد معارضة الليكود للأحزاب الفلسطينية في الداخل لا تكفي قانونيًا لاستبعادها. القانون يضع شروطًا محددة، وتتمحور المادة 7A من قانون أساس: الكنيست حول ثلاثة أسباب رئيسية: إنكار وجود إسرائيل دولة للشعب اليهودي، وإنكار الطابع الديمقراطي للدولة؛ والتحريض على العنصرية أو دعم الكفاح المسلح لدولة عدو أو منظمة إرهابية ضد إسرائيل. وبالتالي فإن المعركة القانونية لا ينبغي اختزالها في سؤال: “هل يؤيد الحزب إسرائيل أم يعارضها؟”، وإنما في سؤال أكثر تحديدًا: هل توجد أدلة كافية تثبت أن أهداف الحزب أو أفعاله تدخل في إحدى الحالات المحددة قانونًا؟ وهذا هو موضع الخلاف بين مقدمي طلبات الاستبعاد والمستشارية القضائية.

“عوتسما يهوديت” واليمين القومي الديني

كان حزب “عوتسما يهوديت” بقيادة إيتمار بن جفير من القوى التي تقدمت بطلبات ضد القائمة الموحدة، مستندًا إلى ادعاءات تتعلق بدعم الكفاح المسلح وعلاقات الحزب ومحيطه السياسي. وقد رفضت لجنة الانتخابات في المقابل طلبًا لاستبعاد “عوتسما يهوديت” نفسها من الانتخابات.

وهنا تظهر إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في الانتخابات الحالية: هل ينبغي تطبيق معيار المادة 7A بصورة متماثلة على الأحزاب الالفلفسطينية في الداخل واليهودية؟ هذه ليست نتيجة قانونية محسومة، وإنما موضوع نزاع سياسي وقانوني. فاللجنة رفضت في 24 سبتمبر طلبًا باستبعاد “عوتسما يهوديت”، كما رفضت طلبًا ضد حزب “الديمقراطيين”، في اليوم التالي لقرارها استبعاد القائمة الموحدة والقائمة المشتركة. وهذا التباين في القرارات أصبح جزءًا من النقاش العام حول حدود سلطة لجنة الانتخابات ومعايير الاستبعاد.

الأحزاب الدينية المتشددة ليست كتلة واحدة

يجب الحذر من وضع الأحزاب الحريدية، مثل “شاس” و”يهدوت هتورا”، في الخانة نفسها مع اليمين القومي الديني المتشدد. الأحزاب الحريدية لديها أولويات مختلفة، تتمحور بصورة كبيرة حول التمويل والتعليم الديني، ومكانة المؤسسات الدينية، والإعفاءات أو ترتيبات الخدمة العسكرية، والدين والدولة، والميزانيات الاجتماعية، والحفاظ على قاعدة انتخابية حريدية مستقلة.

ولهذا فإن علاقتها بالأحزاب الفلسطينية في الداخل يمكن أن تكون أكثر براجماتية من علاقة اليمين القومي المتشدد معها في بعض الملفات. لكن هذا لا يعني أن الأحزاب الحريدية ستتحول تلقائيًا إلى شريك للأحزاب الفلسطينية في الداخل. فالعامل الحاسم سيكون دائمًا: هل تحتاج الحكومة إلى الأصوات الفلسطينية في الداخل؟ وهل يمكن الجمع بينها وبين المصالح الحريدية داخل ائتلاف واحد؟ وهذا احتمال معقد بسبب الفروق الكبيرة في قضايا الهوية والدولة والأمن والصراع الفلسطيني.

المعارضة الصهيونية بين الحاجة إلى الأصوات الفلسطينية في الداخل والخوف من كلفتها السياسية

هذه هي النقطة الأكثر حساسية في انتخابات 2026م. فالمشكلة التي تواجه أحزاب المعارضة ليست بالضرورة في حجم الصوت الفلسطيني في الداخل، وإنما في استعدادها لاستخدام هذا الصوت سياسيًا.

في أبريل 2026م، تحدث جادي آيزنكوت عن تشكيل “أغلبية صهيونية”، ولم يدع الأحزاب الفلسطينية في الداخل إلى الاجتماع الذي دعا إليه عددًا من قادة المعارضة. كما أعلن قادة سياسيون معارضون آخرون أنهم لا يريدون تكرار تجربة حكومة 2021م-2022م من خلال الاعتماد على حزب فلسطيني في الداخل في الائتلاف. وفي 26 سبتمبر، أعلن آيزنكوت بصورة أكثر صراحة أن القائمة الموحدة لن تكون جزءًا من حكومة يقودها، ووضع مجموعة من الشروط أمام أي حزب فلسطيني في الداخل أو حريدي يرغب في المشاركة، من بينها الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية ومبادئ أخرى حددها.

وهذا يكشف مفارقة جوهرية: قد تكون الأحزاب الفلسطينية في الداخل ضرورية حسابيًا لتشكيل أغلبية، لكن بعض الأحزاب الصهيونية قد ترفض سياسيًا استخدام هذه الأغلبية معها. وهنا تصبح الانتخابات أكثر تعقيدًا. فوجود عشرة أو اثني عشر أو أربعة عشر مقعدًا فلسطينيا في الداخل لا يعني تلقائيًا أن هذه المقاعد ستدخل الحكومة. القوة الانتخابية شيء، والقابلية الائتلافية شيء آخر.

المجتمع الفلسطيني نفسه في الداخل ليس موحدًا حول المشاركة الحكومية

لا ينبغي تحليل الأحزاب الفلسطينية في الداخل من الخارج فقط. فالمجتمع العربي نفسه منقسم حول السؤال: هل المشاركة في الحكومة الإسرائيلية وسيلة لتحقيق إنجازات للمجتمع الفلسطيني في الداخل، أم تؤدي إلى إضعاف الهوية السياسية الفلسطينية؟ وتشير معطيات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية إلى أن قضايا المجتمع الفلسطيني الداخلية أصبحت ذات وزن كبير في تحديد التصويت.

ففي استطلاع أجري بين 31 أغسطس و3 سبتمبر 2026م، جاءت الجريمة في المجتمع الفلسطيني في الداخل في مقدمة الاعتبارات الانتخابية لدى المستطلعين الفلسطينيين، فيما جاءت قضايا الاقتصاد وتكلفة المعيشة ضمن الأولويات البارزة أيضًا. كما أظهر الاستطلاع اختلافًا واضحًا بين الاعتبارات لدى اليهود وفلسطينيي الداخل. وهذه النقطة شديدة الأهمية.

فالصوت الفلسطيني في الداخل في الانتخابات المقبلة قد لا يتحرك فقط بسبب غزة، والضفة الغربية، والصراع الفلسطيني، والدولة اليهودية، بل أيضًا بسبب الجريمة، والأمن الشخصي، والإسكان، والتعليم، والبنية التحتية، والعمل، والميزانيات، والتخطيط والبناء، وعلاقة الشرطة بالمجتمع الفلسطيني في الداخل.

وبالتالي فإن الأحزاب الفلسطينية في الداخل التي تستطيع الربط بين الهوية القومية والمطالب المدنية قد تكون أمام مساحة سياسية مختلفة عن تلك التي كانت متاحة لها في انتخابات سابقة.

انخفاض مشاركة فلسطينيي الداخل يمثل الخطر الأكبر على القوة الانتخابية

إذا كان عدد الناخبين الفلسطينيين في الداخل كبيرًا، فإن ذلك لا يعني بالضرورة قوة سياسية. العامل الحاسم هو: كم منهم يصوت؟ ولأي قائمة؟ وهل تتجاوز القوائم نسبة الحسم؟ وهذه المعادلة تجعل المشاركة عنصرًا استراتيجيًا. وقد أظهر استطلاع نُشر في سبتمبر أن نية التصويت المعلنة كانت أقل بين مؤيدي الأحزاب الفلسطينية في الداخل مقارنة بالمعسكرين المؤيد والمعارض لنتنياهو، إذ قال 53% من المستطلعين الفلسطينيين في الداخل في ذلك الاستطلاع إنهم يعتزمون التصويت. وهذه مؤشرات استطلاعية وليست نتيجة انتخابية، كما أن السلوك الفعلي يوم الانتخابات يمكن أن يختلف عنها.

ومن ثم فإن المعركة الحقيقية أمام الأحزاب الفلسطينية في الداخل ليست فقط إقناع الناخب الفلسطيني في الداخل باختيار حزب معين، بل قبل ذلك: إقناع الناخب بأن التصويت نفسه قادر على تغيير موقع المجتمع الفلسطيني داخل النظام السياسي.

وهنا تبرز أهمية المنافسة بين مشروعين: مشروع التمثيل “نحن نمثل المجتمع الفلسطيني ونحافظ على هويته السياسية”، ومشروع التأثير “نحن نمثل المجتمع الفلسطيني ونستطيع تحويل أصواته إلى نفوذ على الحكومة.” وهذا هو جوهر الخلاف بين المسارين العربيين الرئيسيين.

لجنة الانتخابات المركزية: ماهيتها وحدود سلطتها

لجنة الانتخابات المركزية هي المؤسسة المسؤولة عن إدارة العملية الانتخابية، وليست محكمة دستورية. لكنها تمتلك بموجب القانون صلاحيات مهمة تتعلق بقوائم المرشحين وأهلية المشاركة. ويحدد القانون أن الانتخابات يجب أن تكون عامة ومباشرة ومتساوية وسرية ونسبية، بينما تضع المادة 7A قيودًا محددة على أهلية القوائم والمرشحين. وقد حددت اللجنة رسميًا المراحل الزمنية الخاصة بطلبات الاستبعاد في انتخابات 2026م: تقديم طلبات الاستبعاد بموجب المادة 7A في منتصف سبتمبر، وتقديم رأي المستشار القانوني للحكومة، ومناقشة الطلبات أمام اللجنة، واتخاذ القرارات، ثم فتح باب الاستئناف أمام المحكمة. وهذا يعني أن لجنة الانتخابات ليست المحطة الأخيرة.

ماذا حدث في 23 سبتمبر؟

في 23 سبتمبر 2026م، وبعد جلسات استماع مطولة، صوتت لجنة الانتخابات المركزية على استبعاد القائمة الموحدة، والقائمة المشتركة، وعوفر كسيف، وسامي أبو شحادة. وصوتت اللجنة18  مقابل 5 لصالح استبعاد القائمة الموحدة، ثم بالنتيجة نفسها تقريبًا ضد القائمة المشتركة. وتضمنت الطلبات المقدمة ضد القائمة الموحدة اتهامات تتعلق بعلاقات الحركة الإسلامية وبالمنظمات المرتبطة بها، ودعاوى حول دعم الكفاح المسلح. أما طلب استبعاد القائمة المشتركة فاستند إلى اتهامات مرتبطة بمواقف بعض مكوناتها من طبيعة الدولة ومن الكفاح المسلح. لكن مكتب المستشار القانوني للحكومة عارض استبعاد القائمتين، معتبرًا أن الأدلة المقدمة لا تحقق الأدلة القانونية المطلوبة للاستبعاد. وهذه نقطة أساسية في فهم الوضع القانوني الحالي. فحتى داخل مؤسسات الدولة الإسرائيلية نفسها توجد قراءة مختلفة للأدلة والعتبة القانونية.

المحكمة العليا هي الاختبار الأهم

التاريخ القضائي الإسرائيلي يجعل قرار لجنة الانتخابات غير كافٍ وحده لحسم مصير القوائم الفلسطينية في الداخل. فقد سبق للمحكمة العليا أن تدخلت في قرارات استبعاد اتخذتها اللجنة ضد قوائم ومرشحين فلسطينيين في الداخل. ولهذا تشير تقارير الانتخابات الحالية إلى أن مصير القائمة الموحدة والقائمة المشتركة سيظل مرتبطًا بالمسار القضائي.

وبحسب الجدول الرسمي لانتخابات الكنيست السادسة والعشرين، فإن29  سبتمبر يمثل موعدًا لتقديم الاستئنافات المتعلقة بالموافقة على القوائم أو استبعادها، بينما توجد مراحل لاحقة لتسليم الأحكام وإعلان القوائم النهائية. وعليه، فإن وضع الأحزاب الفلسطينية في الداخل في28  سبتمبر لا ينبغي وصفه بأنه حُسم نهائيًا. بل إن الانتخابات دخلت مرحلة شديدة الحساسية: قرار لجنة الانتخابات، واستئناف، ومراجعة قضائية، وتحديد القوائم النهائية، وبدء المرحلة النهائية من الحملة.

المفارقة القانونية والسياسية

تكمن المفارقة الأكثر أهمية في أن لجنة الانتخابات رفضت في 24 سبتمبر طلبات استبعاد “عوتسما يهوديت” وحزب “الصهيونية الدينية – زهوت”، في حين كانت قد استبعدت في اليوم السابق القائمة الموحدة والقائمة المشتركة. وقد أثار هذا التباين نقاشًا سياسيًا وقانونيًا حول مدى اتساق معايير الاستبعاد، بينما تقول لجنة الانتخابات إن كل ملف يجب أن يُقاس وفق الأدلة والمعايير القانونية الخاصة به.

ومن الناحية التحليلية، فإن القضية الأهم ليست فقط نتيجة كل طلب منفرد، وإنما السوابق التي يمكن أن تتركها قرارات 2026م على الانتخابات المقبلة. فإذا أكدت المحكمة استبعاد قوائم فلسطينية في الداخل، يمكن أن يتوسع استخدام المادة   سياسيًا في الانتخابات المستقبلية.

وإذا أبطلت قرارات اللجنة، فقد تعزز المحكمة مرة أخرى المعيار المرتفع المطلوب لمنع قائمة من خوض الانتخابات. وفي الحالتين، فإن انتخابات 2026م يمكن أن تترك أثرًا طويلًا على العلاقة بين الانتخاب، والمواطنة، والهوية اليهودية للدولة، والديمقراطية، والقضاء، والتمثيل الفلسطيني في الداخل.

لماذا يخشى اليمين من “القوة فلسطينيي الداخل” حتى عندما لا تكون عربية موحدة؟

من منظور حسابي، قوة الأحزاب الفلسطينية في الداخل لا تأتي فقط من عدد المقاعد التي تحصل عليها، بل من موقعها بالنسبة إلى عتبة الـ61. فعلى سبيل المثال، أظهر استطلاع 24 سبتمبر سيناريو افتراضيًا تحصل فيه القائمة المشتركة على ثمانية مقاعد والقائمة الموحدة على ستة، في حين يحصل كل معسكر يهودي على 53 مقعدًا. في مثل هذه الحالة لا تكون الأحزاب الفلسطينية في الداخل قد “فازت” بالحكومة، لكنها تصبح جزءًا أساسيًا من الحسابات الخاصة بتشكيل الأغلبية.

لكن هذا لا يعني أن المقاعد الفلسطينية في الداخل ستذهب تلقائيًا إلى المعسكر المعارض لنتنياهو. فالاستطلاع نفسه لا يحول الأحزاب الفلسطينية في الداخل إلى كتلة موحدة، ولا يفترض أنها ستدعم تلقائيًا أحد المعسكرين. ولهذا فإن القيمة السياسية للصوت الفلسطيني في الداخل تتحدد في مرحلة ما بعد إعلان النتائج من خلال عدد المقاعد، وهوية الحزب، وشروطه السياسية، واستعداد الأحزاب اليهودية للتفاوض معه.

تجربة 2021م-2022م كاختبار تاريخي

تُعد حكومة بينيت-لابيد التجربة الأكثر أهمية لفهم مستقبل الصوت الفلسطيني في الداخل. فقد دخلت القائمة الموحدة الحكومة، وأسهمت في إنشاء ائتلاف كان من المستحيل تشكيله تقريبًا من دون مشاركة حزب فلسطيني في الداخل. وكان ذلك أول اختبار حقيقي لفكرة: يمكن للأحزاب الفلسطينية في الداخل أن تنتقل من المعارضة إلى المشاركة في الحكم. لكن التجربة انتهت مع سقوط الحكومة وعودة نتنياهو إلى السلطة.

ثم جاءت حرب غزة وما بعد 7 أكتوبر، وأصبح التعاون بين الأحزاب الفلسطينية في الداخل والقوى الصهيونية أكثر صعوبة. وهكذا انتقلت إسرائيل من مرحلة: “هل يمكن أن يدخل حزب فلسطيني في الداخل الحكومة؟” إلى مرحلة: “هل تستطيع المعارضة تشكيل حكومة من دون الأحزاب الفلسطينية في الداخل؟” وهذا هو السؤال المركزي في انتخابات 2026م.

الموقف الصهيوني المعارض بين الحسابات الأيديولوجية والحسابات العددية

المعارضة الصهيونية أمام معضلة ثلاثية:

-المبدأ: بعض قادتها يرفضون الاعتماد على حزب فلسطيني في الداخل أو غير صهيوني في تشكيل الحكومة.

-الحساب البرلماني: قد لا يستطيع المعسكر المعارض الوصول إلى 61 مقعدًا من دون دعم فلسطينيي الداخل.

-الحساب الانتخابي: أي تحالف علني مع حزب فلسطيني في الداخل يمكن أن يتحول إلى مادة دعائية يستخدمها اليمين ضد المعارضة.

وقد أظهرت تصريحات آيزنكوت في سبتمبر أن هذا التناقض لا يزال قائمًا. فهو يستبعد القائمة الموحدة من حكومته في الوقت الحالي، لكنه في الوقت نفسه يتحدث عن شروط يمكن أن تسمح للأحزاب الفلسطينية في الداخل أو الحريدية بالتعاون إذا قبلت مجموعة من المبادئ التي حددها. إذن الموقف ليس مجرد “نعم” أو “لا”، بل هناك درجات من التعاون: دعم خارجي، واتفاقات برلمانية محددة، وتوصية بمرشح، وحكومة أقلية بدعم فلسطيني في الداخل، ومشاركة ائتلافية كاملة. وكل مستوى له كلفة سياسية مختلفة.

السينايوهات المستقبلية

السيناريو الأول.. استمرار قوائم فلسطينيي الداخل في الانتخابات والحصول على كتلة وازنة: إذا أبقت المحكمة العليا على مشاركة القائمة الموحدة والقائمة المشتركة، وحافظت القائمتان على مستوى مرتفع من الدعم، فقد تظهر كتلة عربية تتراوح- وفقًا للنتائج الفعلية- بين عدد محدود من المقاعد وكتلة أكبر قادرة على التأثير في الحسابات البرلمانية. في هذه الحالة ستكون القضية الأساسية: هل ستتعامل معها المعارضة بوصفها شريكًا أم ستبحث عن بدائل داخل المعسكر اليهودي؟ إذا كانت كتلة المعارضة أقل من 61، فإن البدائل ستكون جذب أحزاب من معسكر نتنياهو، وتشكيل حكومة أقلية بدعم عربي خارجي، واتفاق ائتلافي مع القائمة الموحدة، وحكومة وحدة، والذهاب إلى انتخابات جديدة إذا تعذر تشكيل الحكومة. وهنا يصبح الصوت الفلسطيني في الداخل عاملًا مؤثرًا في مدة الأزمة السياسية حتى إذا لم يدخل الحكومة.

السيناريو الثاني.. ارتفاع قوة القائمة الموحدة وتراجع الفوارق بينها وبين المعارضة: قد تنتج الانتخابات وضعًا تصبح فيه القائمة الموحدة أكثر قابلية للتفاوض من القائمة المشتركة. في هذه الحالة يمكن أن تحاول رعَم التفاوض على مكافحة الجريمة، والميزانيات، والإسكان، والاعتراف بالقرى البدوية، والبنية التحتية، والتعليم، وفرص العمل، وتمثيل فلسطينيي الداخل في المؤسسات الحكومية، وسياسات اجتماعية واقتصادية. وسيكون التحدي أمامها هو الجمع بين المشاركة البراجماتية والحفاظ على شرعيتها داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل.

السيناريو الثالث.. قوة فلسطينية كبيرة لكن بلا شريك يهودي: قد تحصل الأحزاب الفلسطينية في الداخل على عدد مرتفع من المقاعد، لكن الأحزاب الصهيونية الرئيسية ترفض إشراكها في الحكومة. وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحًا: قوة انتخابية مرتفعة وقوة ائتلافية محدودة وفي هذه الحالة تستطيع الأحزاب الفلسطينية في الداخل أن تؤثر في التشريع، واللجان البرلمانية، والميزانية، والمعارضة، وحجب أو تمرير بعض القوانين، لكن دون المشاركة في الحكومة. وهذا يعيد النقاش إلى السؤال القديم حول الفرق بين التمثيل والسلطة التنفيذية.

السيناريو الرابع.. استمرار الاستبعاد أمام المحكمة: إذا أيدت المحكمة العليا قرارات لجنة الانتخابات ضد القائمة الموحدة والقائمة المشتركة، فإن النتيجة ستكون مختلفة جذريًا سوف تُحرم شريحة كبيرة من المواطنين الفلسطينيين في الداخل من القوائم السياسية التي اختارت تمثيلها. وستنتقل المعركة السياسية من الانتخابات إلى شرعية التمثيل، والقضاء، والقانون، والاحتجاج، والمشاركة الانتخابية المستقبلية. كما يمكن أن يؤدي غياب القوائم الرئيسية لفلسطينيي الداخل إلى إعادة توزيع المقاعد بين بقية الأحزاب. لكن

حجم هذا الأثر لا يمكن تحديده مسبقًا؛ لأنه يعتمد على عدد الناخبين الذين سيغيرون تصويتهم، ونسبة المشاركة، والقوائم البديلة المتاحة.

السيناريو الخامس.. عودة الأحزاب الفلسطينية في الداخل إلى الوحدة الكاملة: حتى إذا استمرت القائمة الموحدة والقائمة المشتركة في خوض انتخابات 2026م منفصلتين، فإن نتائج الانتخابات قد تعيد إحياء فكرة الوحدة في الانتخابات التالية. فالبيانات التاريخية التي جمعها المعهد الإسرائيلي للديمقراطية تعطي سببًا انتخابيًا لهذا الخيار، بالنظر إلى أن القائمة الموحدة حققت في السابق أعلى مستويات التمثيل الفلسطيني في الداخل. لكن الوحدة المستقبلية ستظل مرتبطة بسؤال أكثر عمقًا: هل تستطيع الأحزاب الفلسطينية في الداخل توحيد صناديق الاقتراع من دون توحيد الموقف من المشاركة في الحكومة؟ فإذا بقيت القائمة الموحدة تريد الاحتفاظ بحرية الانضمام إلى ائتلاف حكومي، بينما ترى مكونات القائمة المشتركة أن المشاركة في حكومة صهيونية غير مقبولة، فإن الوحدة الانتخابية ستظل قابلة للتكرار، لكن الوحدة السياسية ستبقى صعبة.

السيناريو السادس.. انتقال القوة الفلسطينية في الداخل من “الكتلة” إلى “الوساطة“: قد يظهر في السنوات التالية نموذج مختلف: بدل أن تكون الأحزاب الفلسطينية في الداخل كتلة واحدة تصوت دائمًا بالطريقة نفسها، قد تصبح وسيطًا بين كتل سياسية يهودية متنافسة. وهذا النموذج يشبه بصورة معينة وظيفة الأحزاب الصغيرة في البرلمانات الائتلافية. لكن تطبيقه في إسرائيل يظل مشروطًا بخصوصية الصراع القومي ورفض قطاعات واسعة من الأحزاب اليهودية التعاون مع الأحزاب الفلسطينية في الداخل. ولهذا فإن نجاحه يتطلب تغيرًا مزدوجًا: تغيرًا في استعداد الأحزاب الفلسطينية في الداخل للتفاوض، وتغيرًا في استعداد الأحزاب اليهودية لقبول هذا التفاوض.

ما بعد نتنياهو

الأهمية الاستراتيجية للأحزاب الفلسطينية في الداخل لا ترتبط بشخص بنيامين نتنياهو وحده. فحتى إذا انتهى عهد نتنياهو، سيظل السؤال قائمًا: هل تصبح مشاركة الأحزاب الفلسطينية في الداخل جزءًا طبيعيًا من النظام الائتلافي الإسرائيلي، أم تبقى استثناءً مؤقتًا؟ وهنا يمكن أن تتحول انتخابات 2026م إلى اختبار مؤسس. إذا شاركت القائمة الموحدة أو غيرها في حكومة لاحقة، فقد تصبح المشاركة الفلسطينية في الداخل أقل استثنائية. أما إذا بقيت الأحزاب الفلسطينية في الداخل خارج أي ائتلاف رغم قدرتها العددية، فقد يستمر نموذج “التمثيل من دون مشاركة تنفيذية”.

الأثر على النظام السياسي الإسرائيلي

يمكن تحديد خمسة آثار محتملة لتصاعد القوة البرلمانية للأحزاب الفلسطينية في الداخل:

1-إعادة تعريف مفهوم الأغلبية: لن تصبح الأغلبية مجرد “يمين ضد يسار”، بل أحزاب صهيونية، وأحزاب فلسطينية في الداخل، وحريديم، ومستقلون.

2-زيادة أهمية المفاوضات بعد الانتخابات: قد تصبح المفاوضات بعد إعلان النتائج أهم من الحملات نفسها.

3-ارتفاع قيمة الصوت الفلسطيني في الداخل: إذا أصبح الفرق بين 59 و61 مقعدًا هو الفارق بين حكومة وانتخابات جديدة، يصبح المقعد الفلسطيني في الداخل ذا قيمة تفاوضية مرتفعة.

4-زيادة الضغوط على الأحزاب الفلسطينية في الداخل: كلما أصبحت ضرورية لتشكيل الحكومة، ستزداد الضغوط عليها لتقديم تنازلات في قضايا الهوية والأمن.

5-زيادة الضغوط عليها من المجتمع العربي: وفي الوقت نفسه، سيطالبها المجتمع الفلسطيني في الداخل بإثبات أن المشاركة السياسية تحقق مكاسب ملموسة ولا تتحول إلى مجرد دعم لحكومة لا تحقق مطالبه.

المعادلة الاستراتيجية الجديدة

يمكن تلخيص التحول في موقع الأحزاب الفلسطينية في الداخل بالمعادلة التالية: الصوت الفلسطيني في الداخل، ومشاركة فلسطينيي الداخل، وتجاوز نسبة الحسم، والمقاعد الفلسطينية في الداخل، والفارق بين المعسكرات، والحاجة إلى 61 مقعدًا، والتفاوض مع الأحزاب الفلسطينية في الداخل، والتأثير في تشكيل الحكومة، لكن هذه المعادلة ليست حتمية.

فكل حلقة يمكن أن تنقطع: انخفاض المشاركة قد يقلل المقاعد، والانقسام قد يزيد الأصوات الضائعة، والاستبعاد القانوني قد يلغي القوائم، ورفض الأحزاب الصهيونية قد يمنع تحويل المقاعد إلى حكومة، والخلاف داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل قد يقلل القدرة التفاوضية. من هنا فإن القوة الفلسطينية المحتملة ليست رقمًا ثابتًا، وإنما سلسلة من الشروط الانتخابية والسياسية والقانونية.

ثلاثة أرقام يجب مراقبتها في انتخابات 2026م

من منظور استشرافي، لا يكفي مراقبة عدد المقاعد. هناك ثلاثة أرقام أكثر أهمية: الرقم الأول نسبة المشاركة الفلسطينية في الداخل لأنها تحدد حجم القوة الانتخابية الخام، والرقم الثاني نسبة كل قائمة فلسطينية في الداخل لأنها تحدد ما إذا كانت ستتجاوز نسبة الحسم، والرقم الثالث مجموع مقاعد المعسكرين اليهوديين لأن هذا الرقم هو الذي سيحدد ما إذا كانت الأحزاب الفلسطينية في الداخل ضرورية لتكوين أغلبية.

وبالتالي، قد يكون حزب فلسطيني في الداخل حصل على خمسة مقاعد أكثر تأثيرًا من حزب حصل على عشرة مقاعد في انتخابات أخرى، إذا كان الأول يقع في برلمان شديد التقارب بين المعسكرات.

مؤشرات تحدد مكانة الأحزاب الفلسطينية

هناك مؤشرات تحدد مكانة الأحزاب الفلسطينية في الداخل، منها  قرار المحكمة العليا بشأن الاستبعاد، ونسبة المشاركة فلسطينيي الداخل المتوقعة والفعلية، ومدى تماسك القائمة المشتركة، وقدرة القائمة الموحدة على الحفاظ على قاعدتها، وحجم الأصوات التي يمكن أن تضيع تحت نسبة الحسم، وموقف آيزنكوت وبنيت ولابيد وليبرمان وبقية قادة المعارضة من التعاون مع الأحزاب الفلسطينية في الداخل بعد الانتخابات، وحجم كتلة الليكود والأحزاب الحريدية واليمين القومي، وإمكانية ظهور حكومة وحدة أو انتقال نواب بين المعسكرات. هذه المؤشرات أهم من قراءة الاستطلاعات اليومية باعتبارها نتائج نهائية؛ فالاستطلاعات نفسها متقلبة، وهو ما يظهر في تغير توزيع المقاعد بين استطلاعات متقاربة زمنيًا.

التوقعات الاستراتيجية لما بعد انتخابات 2026م

يمكن رسم أربعة مسارات عامة، من دون افتراض أن أحدها سيحدث حتمًا:

الأول.. تطبيع المشاركة الفلسطينية في الداخل: تتحول تجربة 2021م-2022م من استثناء إلى نموذج قابل للتكرار، خصوصًا إذا أصبحت الأحزاب الفلسطينية في الداخل أكثر براجماتية في الملفات المدنية.

الثاني.. استمرار “الحاجز السياسي”: تبقى الأحزاب الفلسطينية في الداخل قادرة على الحصول على مقاعد، لكنها تظل خارج الحكومات بسبب رفض قطاعات واسعة من الأحزاب الصهيونية.

الثالث.. تعميق الانقسام الفلسطيني في الداخل: تتوسع الفجوة بين القائمة الموحدة والقائمة المشتركة حول سؤال المشاركة في الحكم، بما يضعف القدرة على تشكيل كتلة فلسطينية موحدة في الداخل.

الرابع.. إعادة بناء قائمة فلسطينية موحدة في الداخل: تدفع نتائج 2026م الأحزاب إلى استنتاج أن الوحدة هي الطريق الأكثر فاعلية لتقليل الأصوات الضائعة وزيادة التمثيل، مع إبقاء الخلافات الأيديولوجية داخل البرلمان.

الخاتمة

تكشف الانتخابات الإسرائيلية المقبلة عن تحول مهم في موقع الأحزاب الفلسطينية في الداخل. فقد انتقلت القضية من مرحلة كان السؤال فيها يدور حول إمكان وصول الأحزاب الفلسطينية إلى الكنيست، إلى مرحلة أصبح فيها السؤال هو ماذا ستفعل إسرائيل إذا أصبحت هذه الأحزاب قادرة على التأثير في تشكيل الحكومة؟

هذا التحول يرتبط بثلاثة تطورات:

الأول: التجربة التي خاضتها القائمة الموحدة في حكومة بينيت-لابيد، والتي أثبتت أن الحزب الفلسطيني في الداخل يستطيع نظريًا أن يتحول من قوة معارضة إلى شريك في تشكيل الحكومة.

الثاني: استمرار الانقسام بين المشروع البراجماتي الذي تمثله القائمة الموحدة بصورة أوضح، والمشروع القومي/اليساري العربي الذي تمثله القائمة المشتركة بأحزابها الثلاثة.

الثالث: التطور القانوني غير المسبوق في سبتمبر 2026م، عندما قررت لجنة الانتخابات المركزية استبعاد القائمتين الفلسطينيتين الرئيسيتين في الداخل، بينما عارض مكتب المستشار القانوني للحكومة هذا الاستبعاد، وأصبح الملف أمام المسار القضائي.

من هنا فإن لجنة الانتخابات لم تعد مجرد مؤسسة إجرائية في نظر أطراف الصراع السياسي؛ فقد أصبحت قراراتها جزءًا من المعركة على تعريف حدود المشاركة السياسية لفلسطينيي الداخل. لكن الحكم النهائي على قانونية القوائم لا يتوقف عند اللجنة، بل يرتبط بالمراجعة القضائية، وهو ما يجعل الأيام الأخيرة من سبتمبر وبداية أكتوبر مرحلة حاسمة في تحديد شكل المنافسة الانتخابية.

أما على المستوى السياسي، فإن المعضلة الأساسية أمام الأحزاب الصهيونية تتمثل في التناقض بين الحساب العددي والحساب الأيديولوجي. فمن الناحية العددية، يمكن أن تصبح الأحزاب الفلسطينية في الداخل ضرورية إذا لم يتمكن أي معسكر من الوصول إلى 61 مقعدًا. ومن الناحية السياسية، أعلنت شخصيات وأحزاب صهيونية، خصوصًا في المعارضة، أنها لا تريد تشكيل حكومة تعتمد على حزب فلسطيني في الداخل، في حين يرفض اليمين بصورة أشد مشاركة هذه الأحزاب ويستخدمها في حملته السياسية.

ولهذا فإن السؤال المركزي في انتخابات 2026م ليس: هل ستصبح الأحزاب الفلسطينية في الداخل القوة الأكبر؟ وإنما: هل ستصبح قوتها الانتخابية أكبر من قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على تجاهلها؟ وهذا فرق جوهري. فحتى إذا لم تدخل الأحزاب الفلسطينية في الداخل الحكومة، فإن حصولها على كتلة وازنة في برلمان متقارب قد يجعلها عاملًا مؤثرًا في تشكيل الأغلبية، وفي تمرير القوانين، وفي المفاوضات على الميزانية، وفي استقرار الحكومة، وربما في تحديد ما إذا كانت إسرائيل تتجه إلى حكومة جديدة أم إلى أزمة ائتلافية جديدة.

وفي المقابل، فإن زيادة قوتها البرلمانية ستضعها أمام اختبار داخلي صعب: كيف تحول الأصوات إلى إنجازات للمجتمع الفلسطيني في الداخل من دون أن تفقد هويتها الفلسطينية، وكيف تدخل في تفاوض مع أحزاب صهيونية من دون أن تصبح المشاركة نفسها سببًا في فقدان ثقة جزء من جمهورها؟ وهذا هو التحدي الحقيقي للقائمة الموحدة والقائمة المشتركة بعد انتخابات 2026م.

أما بالنسبة إلى النظام الإسرائيلي ككل، فقد تكون المسألة الأعمق هي إعادة تعريف العلاقة بين الديمقراطية والأغلبية اليهودية والتمثيل الفلسطيني. فإذا أصبحت الأصوات الفلسطينية في الداخل ضرورية بصورة متكررة لتشكيل الحكومات، فإن النظام السياسي سيواجه سؤالًا مؤسسيًا لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية: هل يكون المواطنون الفلسطينيون في الداخل جزءًا من المعادلة الانتخابية فقط، أم يصبحون أيضًا جزءًا طبيعيًا من معادلة الحكم؟ وستحدد إجابة إسرائيل عن هذا السؤال، بدرجة كبيرة، طبيعة السياسة الحزبية في السنوات التي تلي انتخابات 2026م، وليس فقط هوية الحكومة التي ستتشكل بعدها.

وفي هذا السياق، فإن الانتخابات المقبلة قد تمثل نقطة اختبار استراتيجية: ليس لأن الأحزاب الفلسطينية في الداخل ستقرر وحدها مستقبل الحكومة الإسرائيلية، وإنما لأن حجمها، ونسبة المشاركة الفلسطينية، وقدرتها على تجاوز نسبة الحسم، ودرجة استعداد الأحزاب اليهودية للتعامل معها، كلها ستحدد ما إذا كان الصوت الفلسطيني في الداخل سيبقى قوة تمثيلية ذات وزن محدود، أم يتحول إلى رقم لا يمكن تجاهله في معادلة الحكم الإسرائيلي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version