محمد خيري
باحث بوحدة الشؤون الإيرانية
مقدمة
تفرض التطورات الميدانية المتسارعة في الساحل الغربي لليمن، ولا سيما السيطرة الحوثية على مدينة المخا ومناطق استراتيجية مجاورة لمضيق باب المندب، قراءة تتجاوز حدود الصراع اليمني الداخلي إلى حسابات الأمن الإقليمي والدولي، ذلك أن الموقع الجغرافي لهذه المناطق يجعل أي تغير في موازين السيطرة عليها ذا انعكاسات مباشرة على أمن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وعلى حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية في ضوء تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وتزامنها مع التوتر حول مضيق هرمز، بما يفتح المجال أمام قراءة التحرك الحوثي باعتباره ورقة ضغط إيرانية محتملة ضمن استراتيجية أوسع لتوسيع مسارح المواجهة ورفع تكلفة الضغوط الأمريكية والإقليمية على طهران.
ومن ثم، تبحث هذه المقالة في طبيعة التحول الميداني في اليمن، ودلالاته بالنسبة إلى إيران، ومدى إمكانية توظيف السيطرة على مناطق قريبة من باب المندب في إعادة تشكيل معادلات الأمن والملاحة والطاقة في المنطقة.
أولًا: التحول الميداني في الساحل الغربي لليمن
شهدت خريطة الصراع اليمني تحولًا ميدانيًا لافتًا مع تقدم جماعة الحوثيين وسيطرتها على عدد من المواقع والمناطق الاستراتيجية على الساحل الغربي لليمن، وصولًا إلى مناطق المخا وذباب والخوخة وما يرتبط بها من مواقع مؤثرة في محيط مضيق باب المندب، بالتزامن مع انسحاب القوات الحكومية المحسوبة على الشرعية من عدد من هذه المواقع. وتكتسب هذه التطورات أهمية تتجاوز الحسابات الداخلية للصراع اليمني، نظرًا إلى أن الساحل الغربي يمثل المجال الجغرافي الأقرب إلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب.
ولا تكمن أهمية التطور في السيطرة على مدن ومواقع يمنية فحسب، وإنما في إعادة تشكيل البيئة العسكرية المحيطة بباب المندب. فكلما اتسعت قدرة الحوثيين على الانتشار على الساحل الغربي، ازدادت قدرتهم على التأثير في أمن الملاحة البحرية، سواء من خلال الصواريخ والطائرات المسيرة أو الزوارق والوسائل غير المتماثلة الأخرى. ومن ثم، فإن أي تحول في ميزان السيطرة على هذه المنطقة يمكن أن يتحول سريعًا من تطور يمني داخلي إلى عامل مؤثر في أمن البحر الأحمر وسلاسل الإمداد العالمية.
ثانيًا: طبيعة تغير المعادلة العسكرية
جاء التقدم الحوثي في الساحل الغربي في سياق تحركات عسكرية هدفت، وفق المعطيات المتداولة، إلى إعادة ترتيب خطوط السيطرة على الأرض وإضعاف مواقع القوات الحكومية في عدد من الجبهات. وفي المقابل، سعى الحوثيون إلى استثمار حالة السيولة الميدانية للتحرك باتجاه المواقع الساحلية والمرتفعات المطلة عليها، بما يسمح بربط مناطق نفوذهم الداخلية بواجهة بحرية أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية.
ويشير تسلسل الأحداث إلى أن السيطرة على المواقع الساحلية لم تكن مجرد عملية توسع جغرافي، وإنما محاولة لبناء عمق عملياتي حول باب المندب. فامتلاك مواقع مرتفعة وممرات ساحلية وقواعد انتشار متقدمة يمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على مراقبة الحركة البحرية وتهديدها، حتى من دون الحاجة إلى إغلاق المضيق بصورة رسمية. وهذه النقطة تحديدًا مهمة في فهم طبيعة الحرب غير المتماثلة التي يخوضها الحوثيون، إذ يكفي أحيانًا امتلاك القدرة على التهديد لرفع تكلفة التأمين والنقل البحري، ودفع شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها أو زيادة أقساط التأمين على السفن.
أما ما أثير بشأن اختراق شبكات الاتصالات العسكرية وإصدار أوامر مزيفة بالانسحاب، ووجود خبراء إيرانيين في مجالات الاتصالات والتكنولوجيا والاستخبارات، فيحتاج إلى التعامل معه باعتباره روايات ومعلومات متداولة تحتاج إلى أدلة مستقلة قبل تحويلها إلى حقائق قاطعة. غير أن فرضية الدعم التقني الإيراني للحوثيين تظل جزءًا مهمًا من تحليل العلاقة بين الطرفين، خاصة في ظل اعتماد إيران تاريخيًا على نقل الخبرات والتقنيات إلى حلفائها في مجال الطائرات المسيرة والصواريخ والاتصالات والحرب الإلكترونية.
ثالثًا: التطورات اليمنية من منظور إيران
تنظر طهران إلى اليمن باعتباره إحدى أهم ساحات الضغط غير المباشر في صراعها الإقليمي مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج. ولذلك فإن اتساع المجال الجغرافي الذي يتحرك فيه الحوثيون، خصوصًا بالقرب من باب المندب، يمنح إيران ورقة استراتيجية إضافية يمكن استخدامها في إدارة صراع أوسع لا يقتصر على الساحة اليمنية.
وتزداد أهمية هذه الورقة إذا وُضعت في سياق التوتر حول مضيق هرمز. فإيران لا تواجه فقط تحدي العقوبات والضغوط الاقتصادية، وإنما تواجه أيضًا محاولات تقليص قدرتها على استخدام الطاقة والممرات البحرية كورقة ضغط. وفي هذه الحالة، يصبح وجود حليف مسلح وقادر على التأثير في باب المندب عاملًا مكملًا للضغط الإيراني في هرمز؛ أي أن طهران تستطيع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الربط بين نقطتين بحريتين تتحكمان في جزء مهم من حركة الطاقة والتجارة بين الخليج العربي والمحيط الهندي والبحر الأحمر.
وهنا تظهر أهمية خط الأنابيب السعودي شرق ـ غرب، المعروف باسم «بترولاين»، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، بما يوفر للسعودية منفذًا لتصدير جزء من إنتاجها بعيدًا عن مضيق هرمز. ومن منظور إيراني، فإن استمرار قدرة السعودية ودول الخليج على استخدام بدائل برية أو بحرية لتجاوز هرمز يقلل من فاعلية المضيق كورقة ضغط إيرانية؛ ولذلك فإن ارتفاع المخاطر في باب المندب يمكن أن يعيد جزءًا من الضغط إلى منظومة الطاقة والنقل التي تحاول دول الخليج حمايتها عبر طرق بديلة.
رابعًا: استراتيجية إيران لتوسيع مسرح الضغط
تكتسب التطورات اليمنية أهميتها الأكبر عند النظر إليها ضمن خريطة أوسع للممرات البحرية المحيطة بإيران. فهرمز يمثل البوابة البحرية الرئيسية لخليج عُمان والخليج العربي، بينما يمثل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر باتجاه خليج عدن والمحيط الهندي. وبينهما توجد شبكة من المصالح المرتبطة بالطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الدعم الإيراني للحوثيين باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع تقوم على توزيع أدوات الضغط جغرافيًا، بحيث لا يكون الضغط على الولايات المتحدة أو حلفائها محصورًا في الأراضي الإيرانية أو في الخليج وحده. فإذا أصبح باب المندب أكثر اضطرابًا في الوقت الذي تظل فيه الملاحة في هرمز معرضة للتهديد، فإن واشنطن وحلفاءها يواجهون معضلة استراتيجية مزدوجة: حماية الممرات البحرية في الخليج من جهة، وتأمين البحر الأحمر من جهة أخرى، مع ما يعنيه ذلك من استنزاف للقوات والموارد وارتفاع تكاليف التأمين والنقل والطاقة.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن إيران تسعى إلى إغلاق باب المندب بصورة مباشرة أو دائمة؛ فالإغلاق الكامل قد يخلق تداعيات دولية واسعة ويمنح الولايات المتحدة وحلفاءها مبررًا أقوى لتوسيع العمل العسكري. والأكثر اتساقًا مع نمط الحرب غير المباشرة هو الاحتفاظ بقدرة مستمرة على التهديد والتعطيل الجزئي، بما يرفع تكلفة المرور ويخلق حالة من عدم اليقين دون الانتقال بالضرورة إلى إغلاق شامل.
خامسًا: الرسالة الإيرانية إلى واشنطن والخليج وأوروبا
في هذا السياق، يمكن فهم التطورات في اليمن باعتبارها جزءًا من عملية أوسع لإعادة تعريف مفهوم «الضغط» في المواجهة الإيرانية ـ الأمريكية. فإيران، وفق هذه القراءة، لا تريد أن تظل الطرف الوحيد الذي يتحمل آثار العقوبات والحصار والضغوط الاقتصادية، وإنما تسعى إلى نقل جزء من تكلفة المواجهة إلى خصومها وشركائها التجاريين والأمنيين.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة بالنسبة لدول الخليج التي تعتمد على استقرار الممرات البحرية لتصدير الطاقة، وكذلك بالنسبة للدول الأوروبية التي تعتمد بدرجات مختلفة على أمن خطوط التجارة القادمة من آسيا والخليج. ومن ثم، فإن استمرار التوتر في باب المندب يمكن أن يتحول إلى وسيلة ضغط اقتصادية غير مباشرة، لأن ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين وإعادة توجيه السفن حول طرق أطول ينعكس في النهاية على أسعار الطاقة والسلع وسلاسل الإمداد.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن المعضلة تتمثل في أن تجفيف مصادر الدعم الإيراني لحلفاء طهران لا يتوقف عند فرض العقوبات على إيران، وإنما يتطلب مواجهة شبكة ممتدة من القدرات المحلية التي طورتها الجماعات الحليفة لطهران. وفي الحالة اليمنية، يعني ذلك أن استهداف الحوثيين عسكريًا لا يحسم بالضرورة قدرة الجماعة على العمل، كما أن الضغط على إيران لا يؤدي تلقائيًا إلى إنهاء قدرتها على تقديم الدعم والخبرة والتكنولوجيا إلى حلفائها.
سادسًا: إيران واليمن وورقة التفاوض
من الصعب فصل التحرك الحوثي عن البيئة التفاوضية الأوسع بين إيران والولايات المتحدة، خاصة إذا استمرت الملفات الخلافية المتعلقة بالعقوبات والأموال الإيرانية المجمدة والبرنامج النووي والترتيبات الأمنية الإقليمية. وفي مثل هذه الحالات، تميل طهران إلى استخدام أوراق القوة المتعددة لإقناع الطرف الآخر بأن استمرار الضغط عليها لن يؤدي إلى استسلامها، وإنما قد يؤدي إلى اتساع نطاق الأزمات في الإقليم.
ومن هنا يمكن النظر إلى باب المندب باعتباره ورقة تفاوضية غير مباشرة. فكلما ازدادت قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة، ازدادت قيمة هذه الورقة بالنسبة إلى إيران، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع اضطراب الملاحة في هرمز. غير أن القيمة التفاوضية لهذه الورقة تعتمد على قدرة طهران على إبقاء التصعيد تحت سقف معين؛ لأن الانتقال من التهديد إلى إغلاق فعلي للممرات البحرية قد يؤدي إلى تشكيل تحالف دولي أوسع ضد إيران وحلفائها.
خاتمة
تكشف التطورات الأخيرة في الساحل الغربي اليمني عن انتقال محتمل في طبيعة الصراع من مجرد تنازع على السيطرة داخل اليمن إلى صراع يرتبط بصورة مباشرة بأمن الممرات البحرية الدولية. فسيطرة الحوثيين على مواقع قريبة من باب المندب تمنح الجماعة، ومن ورائها إيران وفق كثير من القراءات، مساحة أكبر للمناورة والضغط على حركة الملاحة، وتضيف جبهة جديدة إلى جانب جبهة هرمز.
وبذلك تبدو المعادلة الإيرانية قائمة على توسيع نطاق تكلفة المواجهة: فإذا تعرضت طهران لضغوط في الخليج، فإن أدواتها في اليمن يمكن أن تزيد الضغط في البحر الأحمر، وإذا تعرضت لضغوط اقتصادية وعقوبات، فإن اضطراب الملاحة يمكن أن يرفع التكلفة على خصومها وشركائها التجاريين والأمنيين. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجية لا يتوقف على القدرة على تعطيل الملاحة فقط، وإنما على قدرة إيران والحوثيين على تحقيق ذلك دون دفع الولايات المتحدة والقوى الإقليمية والدولية إلى بناء استجابة عسكرية وسياسية أكثر اتساعًا.

اترك تعليقاً
