حرص بنيامين نتنياهو قبل وأثناء الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران أن يظهر نفسه في صورة الزعيم القوي الذي نجح في تغيير صورة الشرق الأوسط، فأصبحت إسرائيل- على يديه- قوة إقليمية مؤثرة يحسب لها حساب.

الحقيقة هي أن بنيامين نتنياهو يسعى إلى أن يوظف هذه الحرب ونتائجها وتداعياتها لتحقيق مكاسب شخصية تتفق وشخصيته النرجسية، ليتمكن من الهروب إلى الأمام بعيدا عن الحرائق المشتعلة ضده وحوله في قضايا الفساد، وإخفاقاته وجيشه في مواجهة فصائل المقاومة الفلسطينية  على مدى سنوات.

السؤال التي تطرحه هذه الورقة كيف يوظف نتنياهو هذه الحرب ويستغل نتائجها لصالحه وحزبه، داخليا وخارجيا؟

إيران وضربها في رؤية نتياهو

– فكرة “الحرب الضرورية”: يرى نتنياهو منذ تسعينيات القرن الماضي أن إيران تمثل الخطر الاستراتيجي الأول على إسرائيل، فيرى في معظم خطاباته أن إيران تشكل تهديدا وجوديا، وبرنامجها النووي الإيراني يمثل خطرا فوريا، فكان يردد – ومازال – أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي أهم من أي قضية أخرى. التهديد الوجودي في الخطاب السياسي الإسرائيلي خلق حالة تعبئة عامة، خاصة وأن خطابات نتنياهو السياسية ركزت على أن إيران تريد تدمير إسرائيل، وأنها تقترب من القنبلة النووية، ومع الإلحاح على فكرة التهديد الوجودي والمخاوف منه أصبح هذا التصور جزءًا من الوعي السياسي الإسرائيلي. هذه الرؤية جعلت نتنياهو يلجأ إلى الضربات الاستباقية، والعمليات السرية، والضغط العسكري، وعندما يحدث تصعيد عسكري ضد إيران يكون المجتمع مهيأً لتقبله.

-سياسة “التصعيد المتدرج: استخدمت إسرائيل لسنوات مايسمى بـ”حرب الظل”، بدلا من إعلان حرب مباشرة،  والتي شملت:

1-اغتيال علماء نوويين إيرانيين: نفذت إسرائيل عدة عمليات اغتيال لعلماء نوويين داخل إيران، بهدف إبطاء البرنامج النووي، وخلق رد فعل إيراني يؤدي إلى تصعيد.

2-الهجمات السيبرانية: من أشهرها فيروسStuxnet  الذي استهدف منشآت نووية إيرانية، بهدف تعطيل البرنامج النووي دون حرب مباشرة.

3-ضرب مواقع إيرانية في سوريا: نفذ الجيش الإسرائيلي في العهد السابق مئات الضربات على قواعد إيرانية، ومخازن أسلحة، بهدف تقليل نفوذ إيران قرب إسرائيل.

الضغط المستمر على الولايات المتحدة لمواجهة إيران

ليحقق نتنياهو رؤيته المتعلقة بالخطر الإيراني وبرنامجها النووي كان من أكثر القادة ضغطًا على واشنطن لاتخاذ موقف متشدد من إيران. برز هذا في الخطاب الذي ألقاه عام 2015م في الكونجرس الأمريكي ضد الاتفاق النووي مع إيران دون تنسيق مع البيت الأبيض. كان الخطاب موجّهًا إلى الرأي العام الأمريكي، والكونجرس لمنع الاتفاق النووي.

إفشال الاتفاق النووي الإيراني

كان الاتفاق النووي 5+1 المعروف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركةJoint Comprehensive Plan of Action” يهدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات تدريجيًا. لكن نتنياهو اعتبره “اتفاقًا سيئًا وخطيرًا.” لذلك شن حملة دولية ضده، فضغط على الإدارة الأمريكية للانسحاب منه، وبالفعل انسحبت الولايات المتحدة لاحقًا، ما أعاد التوتر بين إيران والغرب.

توسيع المواجهة الإقليمية مع إيران

عمل نتنياهو على تطويق إيران إقليميًا من خلال تعزيز العلاقات مع دول عربية مجاورة لإيران، واتفاقيات التطبيع. هذه الاتفاقيات وخطوات أخرى ساعدت في بناء محور إقليمي ضد إيران.

مكاسب نتنياهو من ضرب إيران

وظف نتنياهو حربه بالشراكة مع الولايات المتحدة ضد إيران ليحقق مكاسب كثيرة ومتنوعة، وعلى عدة مستويات. على المستوى الداخلي، عمل على تعزيز شرعيته كقائد حرب، وتوحيد اليمين، وتهميش المعارضة. وعلى المستوى الحزبي والانتخابي عمل على تحسين فرصه الانتخابية، وإعادة تشكيل المشهد السياسي الإسرائيلي. وعلى المستوى الخارجي نجح في جرّ الولايات المتحدة إلى الصراع، وتعزيز الدعم العسكري، وبناء تحالف إقليمي ضد إيران. وعلى المستوى  الاستراتيجي عمل على إضعاف النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.

توظيف الحرب ونتائجها داخليًا

يسعى بنيامين إلى الاستفادة من حالة الاصطفاف الداخلي التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي حاليا وهو يواجه خطرا خارجيا، فيتحقق له ذلك عبر عدد من الأدوات، منها:

-تحويل الأزمة السياسية إلى أزمة أمن قومي: واجه نتنياهو منذ سنوات انقساما سياسيا كبيرا، واحتجاجات داخلية، لكن عند اندلاع الحرب مع إيران تتحول الأولوية من السياسة إلى الأمن، ليلتف المجتمع حول الحكومة، ويصبح إسقاط الحكومة في وقت الحرب شبه مستحيل. هذا ما يسمى في العلوم السياسية “الالتفاف حول العلم”، وبالتالي الحرب تمنح نتنياهو وقتًا سياسيًا أطول، وتؤجل الضغوط الداخلية، وتعيد بناء شرعيته كـ”قائد حرب”.

-تحويل الاهتمام بعيدًا عن أزماته القضائية: يواجه نتنياهو منذ سنوات قضايا فساد كبيرة تتعلق بالرشوة، والاحتيال، وخيانة الأمانة، فعند اندلاع حرب تتحول الأجندة الإعلامية بالكامل إلى الأمن القومي، ويتراجع الحديث عن المحاكمات والفساد والاحتجاجات، وبالتالي يصبح إسقاط الحكومة صعبًا، ويتأجل الضغط السياسي والقضائي.

توحيد اليمين الإسرائيلي حوله: يتنوع المعسكر اليميني في إسرائيل بين يمين قومي (ليكود ويسرائيل بيتينو)، ويمين ديني (شاس ويهدوت هتورا)، ويمين استيطاني (عوتسما يهوديت وتسيونيت دتيت). عندما يظهر تهديد كبير من إيران يتوحد اليمين خلف القيادة، فيصبح نتنياهو “قائد الحرب”، وهذا يعطيه شرعية أقوى وقدرة على ضبط شركائه المتطرفين في الحكومة.

تهميش المعارضة السياسية: في وقت الحرب تواجه المعارضة معضلة ممثلة في خيارين، إما دعم الحكومة أو الظهور وكأنها ضد الأمن القومي، وغالبًا تختار الخيار الأول، وبالتالي تضعف قدرتها على مهاجمة نتنياهو، فيسيطر هو على الخطاب السياسي، فإذا مارست المعارضة حقها في نقد الحكومة تُتهم بإضعاف الجيش، وإذا دعمت الحكومة تعطيها مزيدا من الشرعية. من هنا يختفي النقد السياسي، وتسيطر الحكومة على الخطاب الإعلامي.

-التوقيت السياسي للحرب: يشير محللون إلى أن توقيت التصعيد العسكري غالبًا يتزامن مع أزمات سياسية داخلية، مثل الاحتجاجات، والانتخابات، والأزمات الحكومية. في هذه الحالات قد يؤدي التصعيد إلى تغيير الأولويات وتوحيد المجتمع. جاءت الحرب مؤخرا على إيران مع المطالبة بتشكيل لجان تحقيق عن مسئولية رئيس الوزراء في أحداث غزة عام 2023م، والتي تسببت في مقتل جنود وضباط، واستمرت لسنوات. من هنا كان شن الحرب على إيران بمثابة طوق النجاه الذي يبعد عنه الاتهامات، ولو مؤقتا، بالمسئولية عما حدث.

توظيف الحرب في الانتخابات

من المعروف أن الأمن يمثل أهم عامل في الانتخابات الإسرائيلية بشكل عام، وإذا نجح نتنياهو في تقديم نفسه على أنه الرجل الذي ضرب إيران، ومنع القنبلة النووية الإيرانية، فهذا بالتاكيد يرفع شعبيته ويعزز فرص فوزه في أي انتخابات مبكرة. وبعض التحليلات ترى أن إسقاط النظام الإيراني أو إضعافه قد يمنح نتنياهو انتصارًا انتخابيًا كبيرًا.

معروف تاريخيًا أن نتنياهو ينجح سياسيًا في أوقات التوتر العسكري والأمني، فقد استغل الكثير من المواجهات والتصعيد العسكري ليعزز من مكانته الشخصية، ومكانة اليمين بشكل عام، وحزب ليكود بشكل خاص،  فالناخب الإسرائيلي يميل إلى القائد الأمني القوي. وبالتالي الحرب تعيد تشكيل الخريطة الانتخابية، فمن المتوقع أن تمنحه فوزًا جديدًا.

توظيف الحرب في العلاقة مع الولايات المتحدة

يتميز نتنياهو بقدرة كبيرة على إدارة العلاقة مع واشنطن، خاصة وأن هذه العلاقة عنصر أساسي في استراتيجيته. فمع الحرب الذي يشنها مع الولايات المتحدة ضد إيران ينجح في تحقيق ثلاثة مكاسب رئيسة:

-ربط أمن إسرائيل بالأمن الأمريكي: فيركز الخطاب الإسرائيلي التقيلدي، ونتنياهو، على أن إيران تهدد إسرائيل، والقوات الأمريكية، والمصالح الأمريكية، والملاحة العالمية، وبالتالي تصبح الحرب مصلحة مشتركة، وهذا يبرر دعما عسكريا أمريكيا بلاحدود، وتمويلا إضافيا دائما، وغطاء سياسيا.

دفع واشنطن لمواجهة إيران مع/بدل إسرائيل: إسرائيل تفضّل غالبًا أن تكون أمريكا هي القوة الضاربة الأساسية؛ لأن قدرات أمريكا العسكرية أكبر، والتكلفة السياسية أقل على إسرائيل. وبالتالي يسعى نتنياهو دائما إلى تضخيم خطر إيران والضغط على واشنطن للتدخل المباشر. وقد نجحت مساعي نتنياهو في هذا الإطار لتشن الدولتان خلال حرب ال 12 يوم ومؤخرا هجوما منسقا على إيران. وقد حقق هذا لنتنياهو تقليل المخاطر على إسرائيل، ومشاركة التكلفة العسكرية، وضمان غطاء سياسي دولي. وتشير تصريحات مسئولين هنا وهناك إلى أن قرارات شن الحرب أو إنهائها تتم بالتنسيق بين الجانبين.

– الحصول على المزيد من المساعدات العسكرية والتعزيزات الأمنية: في الحروب الكبرى تحصل إسرائيل عادة على تمويل عسكري إضافي، وصواريخ دفاعية، وقنابل خارقة للتحصينات، ودعم استخباراتي، فالحرب مع إيران تبرر زيادة هذا الدعم.

توظيف الحرب إقليميًا

-تعزيز التحالفات مع الدول العربية: يسعى نتنياهو دائما إلى توظيف- مايسميه الخطر- الإيراني لبناء تحالفات مع دول عربية وإقليمية مثل السعودية والإمارات والبحرين وغيرهم، ليرسل لها رسالة مفادها “إسرائيل شريك”. ينطلق المنطق الإسرائيلي من أن إيران هي الخطر الأكبر في المنطقة،  وهذا الخطاب يساعد في تعزيز التعاون الأمني مع بعض الدول العربية والإقليمية، وتوسيع اتفاقات التطبيع. وقد تحقق هذا الأمر مع العمليات العسكرية التي تشنها إيران مؤخرا على بعض دول الخليج، لتصبح هذه الدول وإسرائيل هدفا للصواريخ والمسيرات الإيرانية.

-إضعاف محور إيران وأذرعها: إيران تقود ما يسمى بمحور المقاومة الذي يشمل حزب الله في لبنان، وبعض الجماعات في العراق واليمن، من هنا تهدف الحرب إلى ضرب هذا المحور وتقليل نفوذ إيران الإقليمي.

توظيف الحرب إعلاميًا ونفسيًا

الحرب الحديثة ليست عسكرية فقط بل إعلامية أيضًا. فخلال الحرب الحالية شنت عمليات سيبرانية، وحرب معلومات، واختراق إعلامي داخل إيران لإضعاف النظام الإيراني وتشجيع المعارضة الداخلية. وهذا يخدم خطاب نتنياهو بأن إسرائيل لا تحارب الشعب الإيراني بل النظام.

المخاطر الكبيرة لهذه الاستراتيجية

رغم المكاسب السياسية المحتملة للخطاب الإسرائيلي والمكاسب الذي يحققها نتنياهو، فإن هناك مخاطر عدة، منها:

-توسع الحرب إقليميًا: دخلت أطراف أخرى، مثل حزب الله في لبنان وجماعات في العراق مدعومة من إيران، مما يوسع الصراع في المنطقة.

-استنزاف اقتصادي وعسكري: الحروب الطويلة تضرب الاقتصاد الإسرائيلي، وتزيد الضغط الشعبي.

-خسارة الدعم الدولي: بعض الدول الغربية بدأت تقلق من توسع الحرب وتأثيرها على الاستقرار العالمي والاقتصاد، خاصة بعد ارتفاع أسعار الطاقة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version