د/محمد أحمد صالح
يمثل منصور عباس تحولًا نوعيًا في بنية العمل السياسي الفلسطيني داخل إسرائيل، إذ نقل الخطاب من سياسة المواجهة الرمزية إلى سياسة التأثير الواقعي. هذا التحول لا يقتصر على تكتيك سياسي، بل يعكس إعادة تعريف للدور الوظيفي للفلسطينيين داخل النظام الإسرائيلي: من “أقلية معارضة” إلى “أقلية تفاوضية قادرة على التأثير”. هذا التحول هو جوهر مشروعه السياسي.
المسار التكوينى لعباس: الجذور الإسلامية والتحول السياسي
ينتمي منصور عباس إلى الحركة الإسلامية (الجناح الجنوبي)، التي أسسها الشيخ عبد الله نمر درويش (1948م-2017م)، والتي تبنت خيار المشاركة السياسية داخل إسرائيل بدل المقاطعة. اتسم هذا المسار بتربية دعوية-مجتمعية، وانتقال تدريجي إلى العمل البرلماني، وفهم مبكر لحدود القوة الفلسطينية داخل النظام الإسرائيلي. هذه السمات جعلت منصور أقرب إلى نموذج: “الإسلامي البراجماتي المؤسسي”.
التحول الاستراتيجي: من الأيديولوجيا إلى المصلحة
يمثل عباس انتقالًا واضحًا من السياسة الأيديولوجية (قومية/ إسلامية) إلى السياسة النفعية (مصلحية/ خدمية). استند هذا التحول على الاعتراف بواقع الدولة الإسرائيلية كإطار عمل، والتركيز على القضايا اليومية (جريمة، إسكان، خدمات)، والتفاوض المباشر مع السلطات الإسرائيلية، وهو ما اختصر بعض المراقبين في مقاربة “الحقوق عبر التأثير لا عبر الخطاب”.
حزب القائمة العربية الموحدة – البنية والمشروع
يقود عباس منصور حزب “القائمة العربية الموحدة” (רשימה ערבית מאוחדת (רע״ם) رشيما هعرفيت مؤوحيديت (راعام) بوصفها الامتداد السياسي للحركة الإسلامية الجنوبية. يقوم هذا الحزب على مجموعة من الأسس البنيوية، منها العمل داخل النظام السياسي الإسرائيلي، والتركيز على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والقبول بالتحالفات المتعددة، والفصل النسبي بين “المدني” و”الوطني”، أي أن جوهر مشروع عباس وحزبه هو تحويل القوة البرلمانية المحدودة إلى نفوذ تفاوضي كبير.
المشاركة في الحكم – لحظة التحول الحاسمة
دخل عباس الائتلاف الحكومي في إسرائيل عام 2021م، في سابقة تاريخية.
-الأبعاد الاستراتيجية لهذه الخطوة: كسرت هذه الخطوة “تابو” مشاركة فلسطينيي الداخل في الحكم، وتحويل المقاعد القليلة إلى “عنصر حاسم”، وإعادة تشكيل علاقة الفلسطينيين بالسلطة الإسرائيلية.
–المكاسب: الحصول على ميزانيات ضخمة وخطط تنموية (مثل الخطط الخمسية)، واعتراف سياسي غير مسبوق.
–المخاطر: تحميله مسؤولية سياسات الحكومة الإسرائيلية، وتآكل شرعيته الوطنية.
الأيديولوجيا – الإسلام السياسي في نسخته البراجماتية
يمثل عباس نموذجًا خاصًا داخل تيار الإسلام السياسي، فيقوم منطقه على توظيف “فقه المصلحة”، وقبول العمل داخل نظام غير إسلامي، وتكييف الخطاب الديني مع الواقع السياسي، وهذا يعني أن السياسة لديه ليست “حقًا مطلقًا” بل “موازنة بين الممكن والمطلوب”.
العلاقة مع الدولة الإسرائيلية
يعترف عباس بالدولة الإسرائيلية كـ”واقع قانوني وسياسي”، ويتعامل معها كأداة لتحقيق المكاسب، ويتجنب المواجهة الأيديولوجية المباشرة. الإشكالية هنا تكمن في الإجابة على سؤال محوري مطروح: هل هذا “اندماج سياسي” أم “تكيّف اضطراري”؟
العلاقة مع الفلسطينيين (الداخل، والضفة، وغزة، والشتات)
– فلسطينيو الداخل (48): يمثلهم عباس مباشرة، ويركز على تحسين أوضاعهم.
-فلسطينيو الضفة وغزة: دعم سياسي عام، مع تجنب الانخراط المباشر.
-فلسطينيو الشتات: حضور رمزي لا عملي.
هكذا تقوم مقاربته على فلسطنة الهوية وإسرائيلية الممارسة.
علاقته مع الأحزاب
-داخل إسرائيل: تعاون مع اليمين والوسط (بينيت – لابيد)، ومستعد للتعامل حتى مع الخصوم الأيديولوجيين. معياره هو النتائج لا الاصطفافات السياسية.
-الأحزاب الفلسطينية: علاقة متوترة، حيث يُتهم بـ”الأسرلة السياسية”، والتخلي عن الثوابت الوطنية، بينما يرى هو نفسه ممثلًا لمصالح الداخل الفلسطيني لا امتداد للفصائل.
المرونة الدينية – بين الدعوة والسياسة
يفصل عباس منصور نسبيًا بين ماهو دعوي وماهو سياسي، فيستخدم الدين كمرجعية لا كبرنامج حكم، ويتبنى فقه “الضرورات والمصالح”. هذه المرونة يراها محللون مصدر قوته ومصدر الهجوم عليه.
التحديات البنيوية
-فجوة الهوية: عربي / فلسطيني / إسرائيلي.
-معضلة الشرعية: شرعية الإنجاز في مقابل الشرعية الوطنية.
-محدودية القوة: تأثير كبير بأدوات صغيرة.
-البيئة الإسرائيلية: نظام يميني يميل لإقصاء الآخر الفلسطيني العربي.
فرص النجاح الانتخابي
-عوامل القوة: إنجازات ملموسة على الأرض، وخطاب عقلاني، والتموضع في موقع “عامل الحسم”.
-عوامل الضعف: فقدان ثقة جزء من الشارع الفلسطيني في الداخل، ومنافسة الأحزاب الفلسطينية الأخرى، وحساسية التحالفات.
السيناريوهات المستقبلية
-السيناريو الأول استمرار النهج الحالي: تأثير محدود لكن ثابت، وبقاءه لاعبًا مرجحًا.
-السيناريو الثاني العودة لوحدة الأحزاب الفلسطينية: زيادة القوة التمثيلية وخسارة المرونة.
-السيناريو الثالث التراجع السياسي: في حال فقدان الشرعية الشعبية.
-السيناريو الرابع صعوده كـ”نموذج جديد”: إذا نجح في تحقيق إنجازات كبيرة على الأرض.
تحديات مشروع منصور عباس وحزبه
تصاغ هذه التحديات في سؤال محوري: هل يمكن الجمع بين تحسين الواقع المعيشي والحفاظ على الثوابت الوطنية؟، هذه هي المعضلة المركزية في مشروع عباس وحزبه.
ختاما
يمكن توصيف مشروع منصور عباس بأنه “إعادة هندسة الدور السياسي للفلسطينيين داخل إسرائيل من خلال براجماتية مصلحية عالية المخاطر”، فعباس ليس مجرد سياسي، بل مدرسة سياسية جديدة. نجاحه يعتمد على التوازن بين الإنجاز الواقعي والقبول الشعبي، وإذا اختل هذا التوازن قد يتحول من “صانع ملوك” إلى حالة عابرة في السياسة الإسرائيلية.
