التداعيات الجيوسياسية للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران على تركيا

سارة طارق النادي (باحثة بوحدة الدراسات التركية)

pin up pinup

تمثل التطورات العسكرية المتسارعة التي أعقبت الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المنسق ضد إيران في (28 فبراير 2026)، تحولًا جذريًا في موازين القوى وإعادة تشكيل خارطة النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، حيث شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية واسعة النطاق على إيران مستهدفة قدراتها الصاروخية والنووية، وتغيير النظام في طهران. أدى الهجوم إلى تدمير البنية التحتية العسكرية الإيرانية، ومقتل المرشد الأعلى (آية الله علي خامنئي) وعدد من كبار القادة العسكريين والسياسيين، الأمر الذي جعل إيران ترد بهجمات انتقامية على إسرائيل ودول الخليج والعراق وسوريا والأردن وقبرص، مما أدى إلى تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة صراع تهدد الأمن القومي لجميع دول المنطقة.

وفي هذا السياق، تواجه تركيا تحديات استراتيجية حاسمة لا سيما بعد أن اعترضت منظومات الدفاع الجوي التابعة لحلف الناتو صاروخًا باليستيًا أطلقته إيران باتجاه الأجواء التركية. يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على سياسة تركيا وموقفها من الحرب الراهنة، ورصد التحديات الجيوسياسية التي تواجهها، كما يهدف إلى استشراف السيناريوهات المحتملة لمسار الصراع وانعكاساته على الأمن القومي التركي.

أولًا: الموقف التركي تجاه الحرب (الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية):

تبنت تركيا منذ الساعات الأولى للهجمات موقفًا براجماتيًا محايدًا يرفض الانحياز إلى أي طرف من أطراف الصراع، إذ سعت لموازنة دقيقة بين التزاماتها الدولية وبين مصالحها القومية؛ فقي الوقت الذي أدانت فيه الهجمات الأمريكية الإسرائيلية ووصفتها بانتهاك صارخ للسيادة الإيرانية وتهديد لأمن الشعب الإيراني، وأعرب فيه الرئيس رجب طيب أردوغان عن حزنه العميق لمقتل المرشد الأعلى (آية الله علي خامنئي)، التزمت تركيا بموقف متوازن بإدانتها الرد الإيراني الذي استهدف دول الخليج، معتبرة أن استهداف الأطراف غير المحاربة يمثل تصعيدًا خطيرًا يقوض الاستقرار ويخدم أجندات دولية تهدف لتغيير موازين القوى جذريًا لصالح تل أبيب.

وعلى صعيد آخر، أعلنت تركيا رفضها القاطع لاستخدام أراضيها، أو مجالها الجوي، أو القواعد العسكرية التي تضم وجودًا أمريكيًا مثل قاعدة “إنجرليك”، وقاعدة “كورجيك” للرادار، في العمليات الهجومية ضد طهران، مؤكدة عبر “مركز مكافحة التضليل” التابع للرئاسة التركية أن تركيا “لا تسمح باستخدام مجالها الجوي أو عناصرها ذات الصلة لأغراض عملياتية في أي صراع أو حرب ليست طرفًا فيها”.

  • حادثة الصاروخ الباليستي واختبار الحياد الاستراتيجي:

وفي تطور عسكري يعكس خطورة الموقف الميداني للهجمات، اعترضت منظومات الدفاع الجوي التابعة لحلف الناتو في شرق المتوسط صاروخًا باليستيًا أطلقته إيران باتجاه الأجواء التركية، سقط حطامه في ولاية هاتاي، هذا الحادث لم يمثل مجرد انتهاك للسيادة التركية، بل وضع سياسة الحياد لأنقرة تحت اختبار ميداني خطير، لكن أنقرة تعاملت مع هذه الحادثة ببراجماتية ونهج استراتيجي متزن تمثل في النقاط التالية:

  1. رغم أن تقاريرًا أمريكية أشارت أن الصاروخ كان يستهدف قاعدة “إنجرليك” في تركيا، إلا أن المسؤولين الأتراك لم يؤكدوا ذلك، بل رجحت التقييمات الأولية في أنقرة أن الصاروخ لم يكن يستهدف الأراضي التركية بشكل مباشر أو متعمد، لكن كان نتيجة عطل فني أو انحراف إثر اعتراض جوي أثناء توجهه لأهداف أخرى، فاعتراف تركيا بأن إنجرليك هي الهدف يعني ضرورة الرد عسكريًا فورًا، وهو ما سيهدم سياسة الحياد تمامًا.
  2. لم تنجر تركيا إلى خطاب تصعيدي، بل أبلغت طهران عبر القنوات العسكرية والدبلوماسية أن أمن الأراضي التركية خط أحمر، وأن قواعد الاشتباك التركية سيتم تفعيلها فورًا وبشكل آلي في حال تكرار سقوط أي مقذوف، بغض النظر عن كونه تائهًا أو متعمدًا. وبدوره نفى الجيش الإيراني إطلاق أي صواريخ باتجاه تركيا، مؤكدًا احترامه لسيادتها.
  3. خلقت هذه الحادثة حالة من الارتياح النسبي في الأوساط العسكرية والشعبية التركية بعد أن أثبتت الرادارات المحلية (وعلى رأسها رادارات نظام “سيبير – SİPER” والأنظمة الرادارية في كورجيك) قدرتها على تعقب الصاروخ منذ لحظة انطلاقه وحتى سقوطه. كما يُرى أن هذه الحادثة كانت اختبارًا حيًا لمنظومة “المظلة الفولاذية – Çelik Kubbe” التركية، في حماية الأجواء التركية من التهديدات الباليستية، هذا النجاح منح أنقرة ثقة في قدرتها الدفاعية دون الانجرار للصراع.
  4. أوضحت ردود الفعل أن أنقرة قامت بالموازنة بين إيران والناتو، فرغم انتقادها للهجمات على إيران، إلا أن الحادثة دفعتها لزيادة التنسيق الاستخباري مع الناتو، وبدلاً من طلب تفعيل “المادة الخامسة” التي تعني دخول الناتو كله في حرب، لوحت تركيا بالمادة الرابعة التي تمنح أي دولة عضو في الناتو الحق في استدعاء الحلفاء لطلب مشاورات طارئة عند شعورها بتهديد لسلامتها الإقليمية، استقلالها السياسي، أو أمنها.

   وهكذا حافظت تركيا على سياسة الحياد، لكنه في الوقت ذاته أصبح حيادًا مدعومًا بالردع بعد حادثة الصاروخ، فهي من جهة تستخدم قوة الناتو لحماية أمنها، ومن جهة أخرى تحاول عدم الانجرار لتكون طرفًا مهاجمًا ضد إيران، حيث تدرك تركيا أن أي رد فعل هجومي على الصاروخ قد يخدم أجندة تفكيك إيران التي تتبناها إسرائيل، وهو ما ترفضه أنقرة جملة وتفصيلًا، وذلك لعدة اعتبارات أهمها: حماية مصالحها في مجالي الطاقة والتجارة مع إيران، وتجنبًا للردود الانتقامية الإيرانية، فضلًا عن وجود هواجس أمنية عميقة لدى تركيا تتعلق بمخاطر تدفق الهجرة ونشوء فراغ أمني يستغله الكيانات المسلحة على حدودها الشرقية، وهو ما يجعلها متمسكة بالحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية كضرورة قصوى لأمنها القومي.

ثانيًا: التحديات الجيوسياسية:

تواجه تركيا أربع تحديات رئيسية تهدد توازنها الإقليمي واستقرارها الأمني في ظل هذا الصراع، تتمثل في:

  1. الفراغ الأمني والتهديد الانفصالي الكردي:

يكشف التسلسل الزمني للأحداث قبل بدء الحرب وخلالها، عن مخطط أمريكي إسرائيلي يهدف لتجنيد جماعات مسلحة إيرانية داخل العراق لشن هجمات برية وإحداث فوضى وتغيير النظام داخل إيران. بدأ هذا المخطط  قبل ستة أيام من اندلاع الحرب بإعلان خمس جماعات كردية إيرانية تتخذ من العراق مقرًا لها، عن تشكيل “ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران – CPFIK” بهدف السعي لإسقاط النظام، وتوحيد الموقف الكردي، وضمان حق تقرير المصير للأكراد، وقد أتبع ذلك تواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع قادة أكراد بالعراق لشن هجوم بري على إيران وتفكيك مؤسسات النظام في الداخل، وذلك بالتزامن مع استهداف الهجمات الأمريكية الإسرائيلية بشكل خاص مواقع حرس الحدود والاستخبارات والحرس الثوري في المناطق الكردية الواقعة شمال غرب إيران، لفتح الطريق أمام ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران من جهة، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)،الجناح الإيراني لحزب العمال الكردستاني بتركيا (PKK) من جهة أخرى.

ويُعد الدعم الأمريكي – الإسرائيلي للجماعات الكردية الإيرانية، أبرز التحديات لأمن حدود تركيا مع إيران والعراق، هذا الدعم يشمل إمدادات عسكرية ووعود بمناطق حكم ذاتي كردية في إيران إذا انهار النظام. وقد أفاد مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون أن حزب الحياة الحرة الكردستاني المرتبط أيديولوجيًا بحزب العمال الكردستاني (الذي تصنفه تركيا منظمة إرهابية)، يسيطر على طرق التهريب في جبال زاغروس (سلسلة جبلية تقع غرب إيران وشرق العراق)، مما يسهل تهريب أسلحة أمريكية نوعية إلى داخل إيران، ويفتح الباب لعمليات تسلل قد تمتد إلى الأراضي التركية.

   من الناحية الجيوسياسية، يؤدي هذا إلى تعزيز قدرات التنظيمات الكردية المسلحة التي تستعد لشن هجمات برية من العراق على إيران، وبالفعل رصدت أنقرة قيام الحرس الثوري بقصف (30 مسيرة انتحارية) على تنظيمات كردية في شمال العراق ردًا على محاولات التسلل، مما يزيد من احتمالية انزلاق الحدود التركية إلى منطقة اشتباك مباشر بين نيران الوكلاء وردود الفعل الانتقامية الإيرانية. كما تخشى أنقرة أن يؤدي ضعف إيران إلى فراغ أمني يستغله حزب العمال الكردستاني الذي يستفيد من التحالفات الجديدة المدعومة من وكالة المخابرات الأمريكية والموساد، ويجعل الحدود الجنوبية الشرقية عرضة لعمليات إرهابية أو تهريب.

  1. مخاطر الهجرة وتدفق اللاجئين:

من بين التداعيات المحتملة للحرب بين (أمريكا وإسرائيل) وإيران على تركيا، يبرز خطر تدفق اللاجئين نحو الحدود الإيرانية مع تصعيد الهجمات الأمريكية الإسرائيلية التي شملت قصفًا مكثفًا على مدن كردية إيرانية مثل سنندج وسقز، هذا الخطر يتفاقم مع الردود الإيرانية، مثل إطلاق صواريخ على قواعد كردية في كردستان العراق، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والأمني، وقد يدفع بمزيد من النازحين نحو تركيا.

   من الناحية الجيوسياسية، يتطلب هذا الوضع تعزيز الإجراءات الأمنية، ورغم تأكيد أنقرة على عدم وجود مشكلات في أمن حدودها، لكن الواقع يشير إلى مخاطر استغلال الجماعات المسلحة للفوضى، خاصة مع ورود أنباء تفيد بقيام قوات تابعة للولايات المتحدة وإسرائيل بعملية إنزال جوي في منطقة النجف الصحراوية بالعراق؛ لتقديم دعم للجماعات التي تقاتل إيران من العراق ونشر معدات تجسس ومراقبة، فضلًا عن أن المناطق الجبلية الوعرة بين السليمانية بالعراق وسنندج بإيران، التي تركز عليها القصف الأمريكي الإسرائيلي، تجعل الرصد جويًا معقدًا، مما يزيد من خطر التسلل غير المكتشف إلى تركيا، ومع ذلك يرى خبراء أن الوضع الراهن بعيد جدًا عن مسألة الهجرة، خاصة الهجرة الجماعية، ولكي يحدث ذلك يجب أن تنشب حرب أهلية، وظروف الحرب الأهلية لم تتهيأ في إيران حاليًا، بل على العكس، هناك حالة من التكاتف الداخلي.

  1. الحصار الاستراتيجي والمحور الغربي:

من بين المخاطر الأكثر تعقيدًا في دوائر صنع القرار في أنقرة؛ هو احتمالية تطويق تركيا جيوستراتيجيًا عبر تحويل دول جوارها إلى قوى نفوذ معادية لها، وذلك في حال انهيار النظام الإيراني الحالي، وخضوع النظام الإيراني الجديد بالكامل لتوجيه الولايات المتحدة وإسرائيل. وتنطلق الرؤية التركية من قراءة ميدانية ترى أن البلاد تواجه ضغوطًا متزايدة على عدة جبهات:

  • غربًا: تواجه تركيا توترات مستمرة في شرق المتوسط مع اليونان وقبرص، مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل في نزاعات الغاز والحدود البحرية، وأيضًا التعاون العسكري المتزايد بين أثينا وواشنطن وتل أبيب.
  • جنوبًا: يدعم الغرب وإسرائيل وكلاء كرديين في شمال سوريا مثل: وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية التي تعتبرها أنقرة امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، مما يهدد عمليات تركيا العسكرية ضد الإرهاب ويعيق تواصلها البري مع الشرق الأوسط.
  • شرقًا: إذا ما نجحت واشنطن وتل أبيب في هندسة نظام جديد في طهران يكون مواليًا لهما بالكامل، فإن إيران ستتحول إلى قوة معادية تنفذ أجندات الخصوم، ويعني وجود إدارة إيرانية تعمل بتوجيه من الاستخبارات الإسرائيلية؛ أن الحدود الشرقية لتركيا مع إيران (534 كم) قد تصبح ساحة لعمليات استخباراتية أو ضغوط عسكرية مباشرة، مما يسلب تركيا العمق الاستراتيجي الذي كانت توفره حالة التوازن بين أنقرة وطهران، كما يعني جغرافيًا أن تركيا ستكون محاطة بحزام من القوى أو القواعد التي تخضع لتوجيهات استراتيجية موحدة تهدف لتحجيم الدور الإقليمي التركي.
  1. أمن الطاقة والمخاطر الاقتصادية:

البُعد الآخر الأكثر حرجًا بالنسبة لأنقرة هو أمن الطاقة؛ فتركيا دولة تستورد الغاز الطبيعي من إيران، كما تعتمد على أمن خطوط الطاقة في الخليج. لذا، فإن انقطاع تدفق الغاز أو استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج؛ يعني مخاطر اقتصادية مباشرة لتركيا، كما أن احتمال إغلاق مضيق هرمز بشكل مستمر يمثل سيناريو قد يخلق تقلبات خطيرة في أسواق الطاقة والتمويل العالمية، مما يؤثر مباشرة على الاقتصاد التركي من جوانب عدة، خاصة مع قرب انتهاء عقد الغاز الإيراني في (يوليو 2026)، بالإضافة إلى فقدان إمدادات الغاز القطري نتيجة إعلان قطر “القوة القاهرة”.

إن سيناريو تحول الإدارة الإيرانية – إذا ما انهار النظام الحالي – إلى أداة موالية للغرب وإسرائيل؛ يهدد أمن الطاقة التركي، حيث تعتمد أنقرة على إيران في تأمين حوالي (15%) من احتياجاتها من الغاز الطبيعي، ووجود نظام إيراني موالٍ للغرب قد يقطع هذه الإمدادات أو يستخدمها كورقة ضغط، مما يفاقم التضخم في تركيا، ويجبرها على التحول إلى واردات أغلى من الخليج أو روسيا.

رابعًا: رؤية استشرافية:

بناء على التحديات الجيوسياسة التي تواجه تركيا، هناك ثلاث سيناريوهات محتملة للحرب تتمثل في المسارات الثلات التالية:

الأول: استمرار النظام الإيراني الحالي واستمرار الحرب

في حال نجحت مؤسسات (الحرس الثوري ومجلس القيادة المؤقت) في امتصاص الضربات الجوية الواسعة رغم مقتل المرشد الأعلى، فإن المنطقة ستشهد حرب استنزاف إقليمية طويلة الأمد، وستضطر تركيا لرفع جاهزية المظلة الفولاذية على طول الحدود الشرقية لمنع تكرار حادثة الصاروخ الباليستي، كما ستحاول تثبيت نفسها كممر إنساني، والضغط لإعادة لعب دور الوسيط بين واشنطن والقوى المحلية الإيرانية، مما يمنحها مقعدًا في صياغة إيران ما بعد الحرب. ومع ذلك، يزيد هذا السيناريو من مخاطر التصعيد الكردي والتضخم الاقتصادي.

الثاني: مسار سقوط النظام الإيراني وبدء حرب أهلية:

في حال انهيار النظام الإيراني متبوعًا بحرب أهلية داخلية، لن تسمح تركيا بأي فراغ سلطة على حدودها، وستستخدم حقها في الدفاع عن النفس ضد أي تحرك لحزب العمال الكردستاني  وأذرعه، تمامًا كما فعلت في عمليتا “درع الفرات” و”غصن الزيتون” في الشمال السوري، فبالنسبة لأنقرة، نشوء إدارة ذاتية كردية على حدودها الشرقية هو خط أحمر، مما قد يدفع الجيش التركي للتدخل عسكريًا لإنشاء منطقة عازلة  داخل الأراضي الإيرانية، لمنع تحول الفراغ الأمني إلى ممر إرهابي يربط بين معاقل الكيانات الكردية المسلحة في جبال زاغروس وبين شمال سوريا والعراق. وعلى جانب آخر تتوقع أنقرة أن يؤدي هذا السيناريو لتدفق هائل من اللاجئين وانتشار الفوضى، مما يعقد أمن الحدود ويجبر تركيا على عمليات عسكرية استباقية.

الثالث: خضوع النظام الجديد لأجندات موالية للغرب وإسرائيل:

إذا تمكنت واشنطن وتل أبيب من هندسة نظام جديد في طهران موالي لهما، فإن الجغرافيا السياسية لتركيا ستتغير بشكل جذري، وستجد أنقرة نفسها محاصرة جيوستراتيجيًا؛ من اليونان وقبرص غربًا، والوكلاء في سوريا جنوبًا، وأمريكا وإسرائيل في إيران شرقًا. هذا السيناريو يعزز نظرية (الهدف التالي)، حيث يهيمن في الإعلام التركي أن تركيا ستصبح العائق الوحيد المتبقي أمام مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تقوده إسرائيل والمدعوم أمريكيًا، إلا أن الرؤية الاستراتيجية لأنقرة تدرك أن عضويتها في الناتو وجيشها (التاسع عالميًا) يمنحانها حصانة لا تملكها إيران، كما يمكنها إقامة تحالفات أعمق مع روسيا والصين.

ختامًا، تواجه تركيا في هذه المسارات، توازنًا دقيقًا بين الفرص والمخاطر، حيث قد تعزز الحرب من طموحاتها الإقليمية إذا حافظت على الحياد، مع الاستعداد للتدخل العسكري المباشر لتثبيت مناطق عازلة إذا ما تجاوز التهديد الكردي الخطوط الحمراء للأمن القومي التركي. ومن المتوقع استمرار أنقرة في تعزيز دبلوماسيتها متعددة الأطراف، مع التركيز على أمن الحدود والطاقة، لتجنب السيناريوهات السلبية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version