د. خلود عبد الحفيظ (باحثة في وحدة الدراسات الإيرانية)
تشهد إيران في الوقت الراهن واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979م، إذ أدت الحرب الجارية وسلسلة الاغتيالات التي استهدفت الصف الأول من القيادة إلى إحداث خلل عميق في بنية السلطة، وكان من أبرز هذه التطورات اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في صباح 28 فبراير، مع الساعات الأولى من العدوان الأمريكي – الإسرائيلي.
وترافقت هذه الضربة مع استمرار سياسة الاغتيالات لا سيما من جانب إسرائيل بهدف تفريغ الدولة من قياداتها وإحداث فراغ في مراكز القرار وفي هذا السياق، شكل اغتيال علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في 17 مارس 2026م ضربة إضافية بالغة التأثير على الداخل الإيراني.
وأمام هذا المشهد المضطرب يبرز تساؤل من يحكم إيران الآن في ظل هذا التآكل السريع في قمة الهرم السياسي؟ وهنا يتقدم المجلس الأعلى للأمن القومي بوصفه المؤسسة الأكثر فاعلية والتي تتولى فعليًا إدارة شئون الدولة خلال هذه المرحلة الاستثنائية.
الإطار الدستوري للمجلس الأعلى للأمن القومي
تأسس المجلس الأعلى للأمن القومي عام 1989م عقب التعديلات الدستورية التي أعقبت نهاية الحرب العراقية ــ الإيرانية، ليحل محل مجلس الدفاع الأعلى، في محاولة لدمج ملفات الدفاع والأمن والسياسة الخارجية داخل كيان واحد يضمن التنسيق بين مؤسسات الدولة، وتنص المادة 176 من الدستور الإيراني على أن المجلس يتولى رسم سياسات الدفاع والأمن القومي، وتنسيق الأنشطة السياسية والاستخباراتية والاجتماعية، وتعبئة الموارد الوطنية لمواجهة التهديدات.
يضم المجلس في عضويته 13 شخصية من بينهم رؤساء السلطات الثلاث، وقادة الحرس الثوري والجيش، ووزراء الخارجية والداخلية والاستخبارات، إلى جانب ممثلين عن المرشد. كما تنص المادة 179 على أن رئيس الجمهورية هو رئيس المجلس وهو ما يعني نظريًا أن السلطة التنفيذية المدنية هي التي تقود ملف الأمن القومي لكن النص ذاته يحتوي على قيد حاسم وهو أن قرارات المجلس لا تصبح نافذة إلا بعد موافقة المرشد، ما يجعل المجلس حلقة وصل بين المؤسستين السياسية والدينية وليس هيئة مستقلة بالكامل.
ولكن الواقع الإيراني الحالي يكشف فجوة واضحة بين النص والممارسة فالرئيس مسعود بزشكيان رغم كونه رئيسًا للمجلس لا يظهر كفاعل حقيقي في إدارة الأزمة بل يبدو أقرب إلى واجهة دستورية، هذا التهميش لا يعود فقط لطبيعة النظام بل إلى السياق الاستثنائي للحرب، إذ تتركز السلطة حاليا في يد المؤسسة الأمنية والعسكرية ممثلة في أمانة المجلس لا رئاسته، ومع تصاعد الحرب وغياب المرشد بسبب إصابته، تحول المجلس من هيئة تنسيقية إلى مركز حكم فعلي تدار من خلاله الدولة بكل ملفاتها ولم تعد قراراته مجرد توصيات ترفع إلى المرشد.
الأمين العام كمركز القوة الحقيقي
رغم أن رئيس الجمهورية يرأس المجلس شكليًا، فإن التجربة العملية منذ تأسيسه أظهرت أن أمين المجلس هو الفاعل التنفيذي الأهم، إذ يدير الأمانة العامة ويضع الأجندات، ويتابع تنفيذ القرارات، وغالبًا ما يتولى الملفات الحساسة مثل التفاوض أو إدارة الأزمات.
ويكشف تاريخ المنصب تطورًا مهمًا من شخصيات ذات طابع سياسي تفاوضي مثل حسن روحاني وهو أول أمين للمجلس والذى تولى هذا المنصب لمدة 16 عامًا من عام 1989م حتى 2005م. وعلي لاريجاني الذي تولى هذا المنصب مرتين الأولى من عام 2005 حتى 2007 ومرة أخرى عام 2025م، إلى شخصيات ذات خلفية أمنية وعسكرية أكثر صلابة مثل علي أكبر أحمديان (2023 إلى 2025م)، وصولًا إلى المرحلة الحالية مع محمد باقر ذو القدر.
هذا الأخير يمثل ذروة التحول فهو ليس مجرد مسؤول أمني بل أحد أبناء الدائرة الصلبة في الحرس الثوري وله خبرات ممتدة في وزارة الداخلية والقضاء ومجمع تشخيص مصلحة النظام.
ويحمل تعيين ذو القدر في 24 مارس 2026 بعد أيام فقط من اغتيال سلفه علي لاريجاني دلالات عميقة، فهو إعلان واضح عن انتهاء المرحلة الدبلوماسية التي كان يمثلها لاريجاني وبداية مرحلة الإدارة الحربية.
وعلى ذلك من المرجح ألا يسعى المجلس إلى الموازنة بين التفاوض والتصعيد، بل سيكون كغرفة عمليات مركزية تدير الحرب داخليًا وخارجيًا. وعلى ذلك يمكن القول إن أمين المجلس أصبح فعليًا رئيس الجهاز التنفيذي الأمني للدولة، بل الحاكم الفعلي في ظل الظروف الراهنة بسبب غياب المرشد.
انهيار التوازنات وصعود الهيمنة الأمنية
شكل اغتيال علي لاريجاني في 17 مارس 2026م نقطة فاصلة في النظام الإيراني، إذ أدى إلى انهيار آخر تيار كان يسعى إلى الحفاظ على قدر من التوازن بين المؤسسة العسكرية ومتطلبات الدولة السياسية، فبغياب لاريجاني ومع اغتيال عدد من القيادات، فقد النظام العقل الوسيط الذي كان يدير الأزمات بمنطق براجماتي.
هذا الفراغ تم ملؤه بسرعة من قبل التيار الأمني المتشدد داخل المجلس، ما أدى إلى توحيد غير مسبوق في التوجهات وللمرة الأولى منذ تأسيس المجلس عام 1989م، تبدو جميع مراكز القوة داخله منتمية إلى مدرسة فكرية وأمنية واحدة، ما أنهى فعليًا أي شكل من أشكال التعددية داخل النظام.
وعلى الرغم من تصاعد حضور أسماء مثل محمد باقر قاليباف في المشهد السياسي، بل ووصول الأمر إلى أن يشير إليه دونالد ترامب ضمن حديثه عن احتمالات التفاوض مع إيران، فإن هذا الحضور لا يعكس امتلاك قاليباف سلطة مستقلة أو دور قيادي فعلي ففي الواقع يتحرك قاليباف داخل إطار المنظومة القائمة، حيث يشغل موقعه كعضو في المجلس الأعلى للأمن القومي بحكم رئاسته للبرلمان ويشارك في عملية صنع القرار لكنه لا يمثل مركزًا منفصلًا أو منافسًا لمراكز القوة الحقيقية داخل النظام، ومن ثم، فإن الترويج لاسمه يرتبط أساسًا بحاجة النظام إلى واجهة سياسية دون أن يعكس ذلك تحولًا حقيقيًا في موازين السلطة.
خاتمة
تكشف اللحظة الراهنة في إيران عن تحول بنيوي عميق في طبيعة النظام السياسي، فبينما ينص الدستور على توزيع للسلطات بين المرشد والرئيس والمؤسسات، فإن الواقع أعاد تركيز السلطة داخل المجلس الأعلى للأمن القومي الذي أصبح الحاكم الفعلي للدولة.
وبناء على ذلك، يُرجح أن تتجه السياسات الإيرانية خلال المرحلة المقبلة نحو مزيد من التشدد، مع تبني نهج تصعيدي أكثر وضوحًا، وتراجع ملحوظ في مسار التفاوض مع الولايات المتحدة، إلى جانب احتمالات اتخاذ خطوات إستراتيجية كبرى مثل إعادة النظر في الالتزامات النووية.

