يُنظم مؤتمر هرتسليا حول توازن المنعة والأمن القوميين سنويًا منذ عام 2000م، بمبادرة من معهد السياسات والاستراتيجية في إسرائيل بجامعة رايخمان متعددة التخصصات، وكان أول رئيس له آنذاك “عوزي آراد”، ويستضيف المؤتمر شخصيات حكومية وأكاديمية رفيعة المستوى في مجالات الشؤون الخارجية والأمن والاقتصاد والمجتمع في إسرائيل ومن دول أجنبية، إضافة إلى شخصيات إسرائيلية بارزة كالرئيس ورئيس الوزراء ورئيس الأركان وإعلاميين، ومثقفين، وممثلين عن يهود الشتات، وسفراء ودبلوماسيين وكبار المسؤولين الحكوميين ومعظمهم من الولايات المتحدة وأوروبا، وتُنشر مخرجات المؤتمر في كتاب سنوي يصدره معهد السياسات والاستراتيجية، يُقدّم للمشاركين في المؤتمر وصنّاع القرار وكبار المسؤولين في إسرائيل، وتُعدّه فرق العمل التي تعمل على تجميع أوراق مرجعية قبل كل جلسة نقاشية وتحلِّل البيانات المُقدَّمة للحضور كمًّا ونوعًا، وتتألف فرق العمل من أعضاء من معاهد أو مراكز بحثية أخرى كمركزي شاليم وتاؤب على سبيل المثال.
وقد أوضح “آراد” في بدايات مؤتمر هرتسليا أن إسرائيل في حاجة إلى سلسلة من المؤتمرات لتستطيع مواجهة مختلف التحديات على كافة المستويات وتعمل على :
أ. دراسة وضع دولة إسرائيل من منظور موضوعي وأكاديمي وعقلاني.
ب. اقتراح ودراسة سياسات جديدة قابلة للتكيف مع الواقع والظروف المتغيرة ومن ثمّ تعزيز المرونة الوطنية .
سبق أن شهدت منصة هذا المؤتمر تصريحات هامة ومفصلية مثل إعلان “آرئيل شارون” لخارطة الطريق عام 2002م وتقديمه خطة فك الارتباط عام 2003م، كما قدّم المؤتمر لأول مرة دراسةً أجراها “جابرئيل بن دور” من مركز دراسات الأمن القومي بجامعة حيفا، حول “المكون الاجتماعي للمرونة الوطنية”والذي أصبح أحد المؤشرات الرئيسية السنوية المهمة بالنسبة للحراك الاجتماعي في إسرائيل .
ورغم اهمية المؤتمر إلا أنه يتعرض لانتقادات من جهات متعددة لأسباب مختلفة، وبينهم سببين رئيسين:
أولهما أن رعاة المؤتمر شركات خاصة وأثرياء ويحضره شخصيات عامة وسياسيون، وقد ينتج عن ذلك علاقات ومصالح خاصة، وثانيهما كونه مؤتمراً خاصاً يعمل كمنصة للتعبير عن الرأي، ويعد كمسار يتجاوز الكنيست والديمقراطية ما يمس بمكانتهما ويؤثر سلباً على الحوار العام، وذهب البعض إلى حدّ القول بأن المؤتمر يروج لأجندات خاصة بالرأسماليين وغيرهم من أصحاب المصلحة والنفوذ .
مؤتمر هرتسليا 2026م
عقد هذا الحدث السنوي في الفترة من 30 يونيو إلى 1 يوليو 2026م، وتناول التحديات الأمنية والسياسية والاجتماعية التي تواجه إسرائيل في ظل الاضطرابات الإقليمية والمحلية، وبعد مرور 1000 يوم على حرب إسرائيل المفتوحة على عدة جبهات، ولذلك تكتسب هذه الدورة أهمية خاصة بعد ما طرحته التحولات المتلاحقة من تساؤلات في الداخل الإسرائيلي حول حدود القوة العسكرية الإسرائيلية، ومستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، مستقبل الحكومة الإسرائيلية مع اقتراب الانتخابات التي تعتبر حاسمة بالنسبة لمستقبل بنيامين نتنياهو وحكومته واتجاهات السياسة الإسرائيلية الدولة، وضع المستقبلي في قطاع غزة.
إنطلق المؤتمر تحت عنوان: “بين الأمن القومي والمنعة الوطنية: هل سنصل إلى بر الأمان؟”، وركزت جلساته النقاشية حول تحليل الواقع الذي تعيشه إسرائيل ودراسة التحديات والفرص على المستويات المحلية والإقليمية والدولية ، ويعتبر مؤتمر هذا العام استمرارًا لفعاليات مؤتمر العام الماضي في تركيزه على أمن إسرائيل القومي وقدرتها على الصمود في ظل الحرب وتداعيات أحداث 7 أكتوبر، والتي وصفته وثيقة التحليلات الرسمية التي نشرها المعهد عقب المؤتمر بالحدث الأكبر، واعتبرت أن إسرائيل كانت آنذاك أمام خيارين: إما كارثة وطنية وأمنية وإنسانية غير مسبوقة، أو مظاهر البطولة والصمود التي أظهرها المجتمع الإسرائيلي وقوات الأمن. وكان من أبرز الاستنتاجات التي خرجت عن نقاشاته أن الإنجازات العسكرية وحدها لا تكفي، وأكدت على ضرورة وجود استراتيجية إبداعية وجريئة، تُعزز إنجازات الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن، وتكون قادرة على تحويل النجاحات العملياتية إلى إنجازات سياسية وأمنية واقتصادية طويلة الأمد .
ترجمة الواقع الأمني إلى سياسة مستقبلية
في ظل ما تواجهه إسرائيل من تحولات أمنية وسياسية واجتماعية، على إثر تطورات الأحداث في الشرق الأوسط والضغوط على الساحة الدولية، وبينما تتغير صورة التحديات التي تواجهها وتنفتح أمامها آفاقًا جديدة للعمل السياسي والعسكري في الوقت نفسه، تزداد التساؤلات داخل إسرائيل بشأن التماسك الاجتماعي وثقة الشعب في مؤسسات الدولة، ولذا كان السؤال الأبرز هذا العام هو: كيف يمكن ترجمة هذا الواقع المعقد إلى سياسة هدفها تعزيز الصمود القومي وغايتها بناء مستقبل أكثر استقرارًا؟ وكان أحد المحاور الرئيسية للمناقشات يدور حول قدرة صناع القرار على تحديد الفرص في الوقت الفعلي والمناسب، وليس مجرد الاستجابة للأزمات بعد وقوعها والتعامل معها وإدارتها. كما تناولت الجلسات الأدوات الاستخباراتية والسياسية والاستراتيجية اللازمة للحد من الأخطاء ومنع التقصير منعًا باتًا، وبناء سياسة أكثر استباقية ووضوحًا.
وعبر اختيار العنوان “بين الأمن القومي والمنعة الوطنية” عن التصور المستقبلي لأمن إسرائيل القومي ؛ الذي لا يُقاس بالقوة العسكرية أو الاستخبارات أو القدرات العملياتية فحسب، بل يعتمد أيضًا على صمود المجتمع الإسرائيلي ومنعته وثقة الشعب في مؤسسات الدولة وقدرته على التعامل مع الأزمات، ومسألة ما إذا كان المجتمع قادرًا على الحفاظ على تماسكه الداخلي حتى في أوقات الحرب والتوترات السياسية.
وتشير قائمة موضوعات المناقشات التي تناولها المؤتمر هذا العام بوضوح إلى العلاقة بين الأمن القومي والصمود الاجتماعي والتحديات الداخلية لإسرائيل وأهمها ثقة الجمهور، واستقرار مؤسسات الدولة، والمسؤولية الوطنية والمساواة المدنية والتعليم والاقتصاد ومكانة إسرائيل في العالم- وأهم هذه الموضوعات: إيران بين المخاطر والفرص، استكشاف خريطة التغيرات الاستراتيجية الإقليمية والعالمية. مفاهيم الحرب المستقبلية في ظل واقع أمني متغير، الصناعات الدفاعية كركيزة أساسية في الدفاع عن إسرائيل، دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، التحدي الاقتصادي وآثاره على إسرائيل والعالم، تحديات الأمن الداخلي وثقة الجمهور، مسألة الوضع الديمقراطي لإسرائيل، وشرعيتها الدولية، ومعاداة السامية، الصراع بين غزة والضفة الغربية وإسرائيل، تداعيات عدم تشكيل لجنة تحقيق حكومية، دور قطاع الأعمال في الديمقراطية الإسرائيلية، المساواة في تحمل الأعباء ودراسة معمقة للمجتمع الإسرائيلي.
إسرائيل والهوية والملاذ الآمن
طرح أحد اللقاءات أهم الأسئلة المحورية في هذه المرحلة: كيف ستتعامل إسرائيل مع واقع مليء بالتهديدات والأزمات والفرص، وهل ستنجح في الوصول إلى “ملاذ آمن”؟
وتناول آخر القدرة على اتخاذ القرارات الصائبة في الوقت المناسب، والحفاظ على التحالفات الاستراتيجية، والتعامل مع إيران والساحة الفلسطينية، وتعزيز الشرعية الدولية، والأهم من ذلك، إعادة بناء الثقة وتعزيز الصمود داخل المجتمع الإسرائيلي.
كما استعرض المؤتمر استطلاع الهوية الإسرائيلية لعام 2026م، والذي شمل بيانات ودراسات حول موضوع الهوية والتصورات الاجتماعية والفجوات بين الاتجاهات العامة والسياسات الحكومية، والأمن القومي وتحليل عميق لعمليات صنع القرار في المنعطفات الحرجة، وتأثير حملة عسكرية متعددة الجبهات.
وركزت النقاشات على أهمية الخدمة العسكرية في تعزيز المرونة الاجتماعية، والتحديات المستقبلية التي تواجه إسرائيل وقُدمت تداعيات الحرب على إيران في دراسة استراتيجية للمخاطر والفرص في الشرق الأوسط في ضوء التغيرات على الساحة الإقليمية والعالمية.
المنعة القومية والعقد الاجتماعي الإسرائيلي
دعا الرئيس الإسرائيلي “يتسحاق هرتسوج” في كلمته إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي الإسرائيلي”، والذي سينقسم إلى 3 أقسام، عقد قانوني موحد يسري على أطياف المجتمع؛ حيث لن تستمر دولة تطبق فيها كل جماعة من القانون ما يتواق معها فقط، وعقد المواطنة والانتماء يختار فيه المواطن دولته حتى ولو خسرت جماعته الانتخابات، وله ان يكوت الفائز دون أن يقصى ما عداهم، والقسم الثالث هو عقد المستقبل الذي تتوقف جودته على جودة التعليم وتفوق الجيش واستيعاب سوق العمل للجميع وعدالة الحكم المحلي وسيادة القانون.
وعرض “متنياهو انجلمان” البُعد الرقابي لمستقبل إسرائيل، وأكد على حق المجتمع في الوقوف على حقيقة إخفاقات 7 أكتوبر 2023م، وحدد حوالي 50 موضوعًا ذا صلة بالحرب تم حصرهم منذ يناير 2024م، كالتعامل مع الجرحي وإخلاء المستوطنات وعدم وجود تصور أمني وطني محدث باستمرار، وقرر أن قسمًا كبيرًا من تداعيات الحرب يرجع إلى عدم احترام الاختلاف وعدم الإصغاء للآخرين وعدم تقبل النقد.
واعترف بعض الخبراء والمسؤولين في جلسات المؤتمر بتراجع الحصانة القومية والاجتماعية، وباتساع الفجوة بين التفوق العسكري لإسرائيل وهشاشة جبهتها الداخلية وتراجع مفهوم “العقد الاجتماعي”، مما قد يؤدي إلى أن تتحول بعض الانتصارات إلى إخفاقات على المستوى الاستراتيجي، وتناول البعض الداخل الإسرائيلي منفصلًا عن الأحداث الإقليمية مغرقًا في الأزمات الداخلية، كالهجرة العكسية والأزمة الديموجرافية، والانقسام السياسي والديني حول تغيير طابع الدولة وهويتها، واتسع النقاش حول تغيير طبيعة نظام الحكم في إسرائيل، والصراع بين الحكومة والنظام القضائي، وتمت الإشارة إلى خطر تشريع قانون دراسة التوراة الإلزامي، ووجه البعض نقدًا حادًا إلى نتنياهو، الذي يتناقض حديثه عن وحدة الحكومة وحكومة الوحدة، واعتماده على الائتلاف الحكومي اليمينى المتطرف، واعتبروا أن الانتخابات المقبلة ستحدد طابع إسرائيل المستقبلي ، هل تم التأسيس للثيوقراطية، وتتجه إسرائيل لتثبيت نظام حكم ذو أغلبية متدينة لايعترف بالمواطنة ويهمش الحريات، أم سيتيغير كل شئ وتبقى ديمقراطية، لها ضوابط قانونية تتوافق والتعددية الاجتماعية والسياسية، ذات ضوابط دستورية في إطار تعددية سياسية.
تعامل “جادي أيزنكوت” رئيس حزب يشَار وهو يلقي كلمته وكانه بديل لنتنياهو، وأكد على سعيه للفوز وتشكيل حكومة صهيونية – مؤسساتية، على نهج بن جوريون مؤسس إسرائيل وهاجم حكومة نتنياهو ووصفها بالحكومة الأسوء منذ قيام إسرائيل، واتهمة بالكذب وبناء استراتيجيته على ترهيب المواطنين وعدم شعورهم بالأمان.
واتفقت المعارضة ممثلة في “يائير لابيد” و”جادي آيزنكوت” و”نفتالي بينت” في كلماتهم على مهاجمة “بنيامين نتنياهو” وحكومته واستعرضوا إخفاقاتهم الداخلية وعلى مستوى السياسة الخارجية واعتبروا أن مؤشرها في أدنى مستوياته، وأِشاروا إلى انتشار الوساطة وتعيين المقربين في مواقع داخلية وخارجية حساسة بدلًا من اختيار الكفاءات والمهنيين، ورفضوا قانون أساس “دراسة التوراة” واعتبروه تحايلًا على رفض فئة الحريديم للتجنيد والمشاركة في الأعباء القومية، وربط الجميع نتائج الانتخابات القادمة بالحفاظ على طابع إسرائيل كدولة يهودية -ديمقراطية، واعتبروا أن إسرائيل تحتاج بعد الانتصار إلى إصلاح أسس الدولة واستكمال دستورها، ودمج الحريديم في المجتمع وإجراء تعديلات هيكلية استكمالًا لعمل دافيد بن جوريون في تأسيس الدولة.
ودعا رئيس تحالف الديمقراطيين”يائير جولان” إلى إقامة معسكر تغيير واسع النطاق بمشاركة فلسطينيو الداخل ودمجهم في بناء مستقبل إسرائيل، وكان هناك دعوات إلى إتحاد أيزنكوت وبينيت في إطار معسكر تغيير قوي وإلى وجود حزب ديمقراطي قوي يحمي الديمقراطية في إسرائيل، ويمنح مؤسساتها قوة توازي الجيش الإسرائيلي.
إسرائيل وقطاع غزة والضفة
تناولت إحدى الجلسات القضية الفلسطينية انطلاقًا من التساؤل عن مجلس السلام ودوره في تطبيق المرحلة التالية .
– رأى “أمير أفيفي” رئيس حركة أمنيون، أن نزع سلاح حماس أحد أهداف الحرب الإسرائيلية لم يتحقق حتى الآن، رغم سيطرة الجيش الإسرائيلي على نحو 70% من قطاع غزة، ولا زالت حماس تسيطر على نحو 30% فقط، إلا أنها تشتمل على أنفاق وبنية عسكرية وقطاع سكاني كبير، ما يجعل تحقيق الهدف أمر معقد وطويل المدى.
– وقالت “شيرا عفرون” باحثة اولى في مؤسسة راندRAND : أن الحديث عن مرحلة ثانية غير واقعي طالما لم تنزع إسرائيل سلاح حماس، رغم سيطرتها الفعلية في قطاع غزة؛ وهذا يعني أن المرحلة الأولى لم تنضج بعد، وأن خطة الرئيس دونالد ترامب تمثل الإطار العملي الوحيد المتاح؛ ذلك لأن تفكيك حماس يعني مطالبتها بالتخلي عن كونها حماس.
– رأى “سامر سنجلاوي” رئيس صندوق “تنمية القدس” أن نزع سلاح حماس لا يتحقق بقرار إسرائيلي فقط، ولابد من تغيير نظام الحكم في قطاع غزة وتمكين لجنة إدارة فلسطينية، وتشكيل شرطة محلية مدعومة دوليًا، واعتبر أن أغلبية الفلسطينيين قد سئموا من حماس ومن محمود عباس، وأن المرحلة المقبلة لابد من تسميتها “ما بعد عباس وما بعد حماس”، مع وجوب التوصل إلى خيار توافقي فلسطيني.
– ركزت “كسينيا سفيتلوفا” عضو كنيست سابقة ورئيسة منظمة أهلية، على وجوب تعزيز السلطة الفلسطينية؛ ذلك لان إضعافها يعني فتح المجال أمام حماس وإيران، ولخصت العوامل التي تؤدي إلى استجابة الشباب الفلسطيني للتجنيد الإيراني، في ضعف الاقتصاد الفلسطيني وتقليص إمكانات أجهزة الأمن الفلسطينية، والتغاضي عن عنف المستوطنين تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية.
– دعا “إفرايم سنيه” نائب وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق ، إلى ضرورة الاتفاق بين الشعبين وتقسيم الأرض لتجنب الحرب الدائمة والعزلة الدولية، ورفض سموتريتش أي حل قائم القائم على الحسم والضم، وأيد “دافيدي بن تسيون”، نائب رئيس مجلس السامرة الإقليمي البقاء على الكتلة الاستيطانية ورفض تعميم اتهام المستوطنين بالعنف.
مستقبل العلاقات الخارجية الإسرائيلية
ركز النقاش حول مستقبل العلاقات الخارجية لإسرائيل بكل من أمريكا والاتحاد الأوروبي في ظل الحرب مع إيران ومذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية وإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية المحتمل، ووضح “دان شابيرو” السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، أن الاتفاق النووي 2015م كان شاملًا ومفصلًا ومدعومًا على المستوى الدولي، وأدى إلى خروج معظم اليورانيوم المخصب من إيران وفرض عليها رقابة واسعة، أما المذكرة الحالية فهي ترتبط بإنهاء الحرب وفتح هرمز، ولا تعتبر اتفاقًا نوويًا حقيقيًا رغم أن واشنطن وتل أبيب قد نقلتا أدوات الضغط إلى إيران.، وقدم “أريئيل سندر”، مدير حملة في منظمة “الجمهوريون الأمريكيون في الخارج- فرع إسرائيل قراءة متفائلة لإدارة ترامب واعتبرها الأفضل لإسرائيل، ورأى أن الانقسام داخل الإدارة الأمريكية بين المسار السياسي ويمثله “جي دي فانس” والدبلوماسي ويمثله “ماركو روبيو”، يجعل احتمال التوصل إلى اتفاق مستقر مع إيران ضعيف للغاية، وحذر “مايك هرتسوج”سفير إسرائيل السابق لدى الولايات المتحدة الامريكية من تراجع مكانة إسرائيل داخل المجتمع الامريكي، ليس فقط لدى الديمقراطيين وإنما لدى قسم من اليمين الجمهوري كذلك، ويتمثل ذلك في تصاعد المطالبات بتقليص المساعدات العسكرية لإسرائيل، ودعا إلى نموذج جديد من العلاقات، يعتمد على تقليص تدريجي للمعونات المالية وتعزيز التعاون الصناعي والتكنولوجي والبحثي مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وأكد “شاي هار تسفي” باحث في معهد السياسة والاستراتيجية، على أن إسرائيل لا تستطيع الاستقلال عن الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى أن الحكومة المقبلة يجب أن تضع تقوية العلاقات الإسرائيلية الأمريكية في أولوياتها، بعد ما حدث من تناقض بين تعاون عسكري غير مسبوق خلال الحرب مع إيران تبعه إقصاء لإسرائيل في إنهاء العملية العسكرية أو الترتيبات السياسية اللاحقة.
وأشار “مايكل مان” سفير الاتحاد الأوروبي لدى إسرائيل إلى قدم وعمق العلاقات الاقتصادية والثقافية بين إسرائيل ودول الاتحاد الأوروبي، رغم ما ظهر من تدهورها بسبب الحرب على قطاع غزة والاستيطان اليهودي وعنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، واكد على أن إجراءات الضغط التي مارسها الاتحاد على إسرائيل لم تحظ بإجماع ولا بأغلبية، وأبدى استعداده للمساهمة في حل معضلتي غزة ولبنان إذا غيّرت إسرائيل سلوكها تجاه الضفة وقطاع غزة
إسرائيل بعد ألف يوم على الحرب
تحت عنوان بعد مرور ألف يوم على الحرب، افتتح أحد الصحافيين النقاش بتساؤل حول وضع إسرائيل الاستراتيجي بعد 7 أكتوبر.
– وصف “أمير برعام” مدير عام وزارة الدفاع الإسرائيلية الحالي، هذه المرحلة بأنها استراحة عملياتية وليست مرحلة الحسم، ورغم أن إسرائيل قد أضعفت إيران وحلفاءها، إلا أنها يجب أن تستعد لاحتمال إعادة بناء إيران قوتها في حال ضخ أموالًا ضخمة في الاقتصاد الإيراني بموجب الاتفاقات السياسية، وأكد على عدم استطاعة إسرائيل الاعتماد على عقيدتها بشأن الحروب القصيرة؛ ذلك لأن الحرب الحديثة تحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى وصناعات دفاعية تشمل الذخائر، والمسيّرات، وقطع الغيار، وسلاسل التوريد، ودعا إلى الاستقلالية العسكرية وتنفيذ خطة الـ 350 مليار شيكل لبناء القوة، وأشار إلى أزمة جرحى ومعاقي المنظومة الأمنية وتوقع علاج نحو 100 ألف جريح حتى 2028م، مطابًا بتحويل قسم التأهيل الخاص بهم إلى سلطة وإشراف إدارة وطنية داخل وزارة الدفاع.
– أكد “تامير باردو” رئيس الموساد السابق على امتلاك إسرائيل للقوة عسكرية العسكرية أصلًا، ولكنها لاتكفي بمفردها دون نتائج سياسية محددة، وحذر من أن إيران قد تسرّع إنتاج قنبلة نووية إذا شعرت بتهديد وجودي حقيقي، رأى نجاعة الاتفاق مع لبنان ظاهرياً، وهشاشته عمليًا لأن حزب الله متغلغل في المجتمع ومؤسسات الدولة.
– رأى “عميكام نوركين”، رئيس شعبة التخطيط في الجيش الإسرائيلي السابق، أن تراجع التهديد على الجبهة الشمالية والحرب على إيران، جعل الوضع العسكري الإسرائيل في صورة أفضل، وأكد على ضرورة الإبقاء على الوضع الحالي كجبهة مفتوحة في قطاع غزة.
– واعتبر “عاموس جلعاد”رئيس معهد السياسات والاستراتيجية في جامعة رايخمان، أن الاتفاق مع لبنان جيد على مستوى النص، إلا أن لبنان كدولة لا يستطيع فرض سيادته ونزع قوة حزب الله، ولذلك توقع أن تواجه إسرائيل معضلة أمنية مستقبلية طويلة المدى، ورفض ادعاء نتنياهو بأن إيران امتلكت قنابل نووية من الأصل ووصفها بالأخبار الكاذبة محذرًا من نموذج كوريا الشمالية في إيران- أي دولة عتبة نووية.
– قال “تساحي هانجبي”رئيس مجلس الأمن القومي السابق أن إسرائيل حققت إنجازًا عسكريًا مهمًا في حربها على إيران، دون اتفاق سياسي، وأن المسار التفاوضي مع لبنان في مصلحة إسرائيل لأنه يمنحها شرعية دولية ويفصل لبنان الدولة عن إيران.
– ووضح نيتسان ألون” رئيس هيئة الأسرى والمفقودين السابق، على الفجوة بين الإنجازات الهائلة على المستوى العملياتي للمنظومة الامنية الإسرائيلية، وانتصار غائب على المستوى الاستراتيجي، وأعرب عن قناعته في أن شعار النصر المطلق قد تم تفريغه من مضمونه بسبب السياسات الحكومية وأصبح يستخدم في الخطاب الداخلي فقط بدلًا من ان يكون سياسة وخارطة طريق واضحة، واعتبر أن إسرائيل كان لابد أن تنهي حربها في قطاع غزة منذ عام مضى مع نتائج استراتيجية واضحة وخسائر أقل على المستوى البشري، ورفض ادعاء “بتسلئيل سموتريتش” بأنه صاحب الفضل في استعادة الأسرى، وقال أن حوالي 40 رهينة قد اختطفوا أحياء ثم قُتل بعضهم بنيران إسرائيلية وبعضهم على يد آسريهم أو بسبب ظروف الاحتجاز، ودعا إلى إقامة لجنة تحقيق رسمية تجيب على تساؤلات الاهالي بشأن إمكانية استعادتهم مبكرًا وأحياء.
– قال “بوعاز جنور”رئيس جامعة رايخمان ومؤسس المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب، أن الحرب ضد إيران قد كشفت عن خلل في التخطيط الإسرائيلي والأمريكي؛ لأن الضوء الأخضر الأمريكي لا يكفي للعمل العسكري إذا لم تحدد إسرائيل كيف تنهي الحرب وما الأهداف الواجب تحقيقها، واعتبر أن إسرائيل وأمريكا قد حققتا إنجازات عملياتية لكنهما خسرتا على المستوى الاستراتيجي لأن الحرب لم تحقق اهدافها المعلنة؛ فلم يسقط النظام الإيراني ولم يتم القضاء على البرنامج النووي والمواد المخصبة لا زالت داخل إيران، ويبدو أن إيران تستعيد قدراتها العسكرية والصاروخية بسرعة فائقة.، ووصف إدارة الحرب والمفاوضات من قِبل إيران بثقافة الغطرسة والاستهانة بالعدو والمبالغة في تقدير القوة العسكرية، ورأى أنها قد أدارت الحرب دون نصر عسكري عبر التحكم في مضيق هرمز والضغط الإقليمي، وقيدت حرية إسرائيل في التعامل مع ملف لبنان وأضعفت ثقة دول الخليج في القوة الأميركية- الإسرائيلية والاعتماد عليها.
– وقال “جادي أيزنكوت” أن نتنياهو لم يحول الإنجازات العسكرية إلى نتائج سياسية، واعتبر أن الاتفاق مع لبنان تطور إيجابي ينقصه إبعاد إيران عن لبنان بضغط خارجي على حزب الله وتعزيز قوة الجيش اللبناني .
ختامًا؛
يُعد مؤتمر هرتسليا السنوي الحدث الأبرز الذي ينظمه معهد السياسات والاستراتيجية؛ وهو بمثابة منصةً مركزيةً تُناقش عبرها أهم القضايا الآنية في إسرائيل على المستويين الداخلي والخارجي، ويجتمع فيه كبار الشخصيات من إسرائيل والعالم في كافة المجالات الحكومية والأمن والأعمال والأوساط الأكاديمية، وتُمكّن الرؤى المستخلصة منه من وضع تقييمات وتوصيات لصناع القرار بشأن مختلف السياسات وكيفية التعامل مع التحديات الأمنية والجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه إسرائيل.
وقد ركز مؤتمر هرتسليا لهذا العام 2026م، على تحليل التغيرات الاستراتيجية إقليميًا وعالميًا؛ فتناولت نقاشاته الرئيسة الحرب الإسرائيلية على إيران ومستقبل الاتفاق في قطاع غزة ولبنان وتحديات الأمن القومي، وقضايا الأمن والمساواة ونتائج استطلاع “الهوية الإسرائيلية لعام 2026م، ومستقبل العلاقات الخارجية الإسرائيلية. وأظهرت النقاشات القلق الواضح في أوساط النخب الإسرائيلية من تداعيات الفجوة بين الانتصار على المستوى العسكري وغياب الاستراتيجية، ومن تراجع مكانة إسرائيل على المستوى الدولي، واستمرار جبهات الحرب مفتوحة على أكثر من ساحة في نفس الوقت.
وكانت القضية الأبرز التي كشفت عنها نقاشات هذا العام هي انهيار التماسك الاجتماعي وتخبط المسؤولين وهشاشة منظومة التخطيط الاستراتيجي، وميل الحكومة لتنفيذ أجندتها الخاصة دون النظر لمسائل المواطنة والانتماء والعدالة الاجتماعية ودورهم التأسيسي في استقرار وثبات الدول، حتى باتت الجبهة الداخلية في إسرائيل وكأنها جبهة حرب إضافية مفتوحة، جعلت انتصاراتها العسكرية دون معنى، لأنها أصبحت لصالح بعض السياسيين فقط، أو كما اتفق أغلب السياسيون في كلماتهم على أن قوة إسرائيل العسكرية قد فقدت جزءًا كبيرًا من معناها، في عدم وجود الاستراتيجية والقانون والمنعة الاجتماعية والشرعية الدولية، حتى بات التساؤل الرئيس المطروح على الساحة الاجتماعية يدور حول كيفية تجنب الخسارة القومية على المدى الطويل، بدلًا من أن يكون حول تحقيق الانتصارات المقبلة واستمارها.

اترك تعليقاً
