د.خلود عبدالحفيظ يعقوب
باحثة بوحدة الدراسات الإيرانية
أصدر اية الله محسن آراكي يوم الأحد 12 يوليو فتوى دينية اعتبر فيها أن إراقة دم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واجب شرعي، ودعا الشباب في مختلف أنحاء العالم إلى العمل على تنفيذ ما اعتبره “حكم الله” واتخاذ كل ما يستطيعون من إجراءات ضد ترامب ونتنياهو وجميع من يصفهم بالشركاء، وأضاف أن ترامب ونتنياهو يأتيان في مقدمة من يشملهم هذا الحكم ولكنه يمتد – بحسب قوله – إلى جميع القادة العسكريين والسياسيين المرتبطين بهما، وكذلك الجنود والعناصر العسكرية واللوجستية الذين يعتبرهم مشاركين في الجرائم المرتكبة في غزة، والضفة الغربية، ولبنان، واليمن، والعراق، وإيران. وهو تطور كبير في لغة الخطاب الصادر عن مؤسسات الدولة في إيران فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية اعتاد العالم أن يسمع من المسؤولين الإيرانيين عبارات مثل “سنرد” أو “سننتقم”، أما أن يتحول الرد نفسه إلى “واجب شرعي”، فذلك يعكس تطورًا مهمًا في طريقة إدارة إيران لصراعها مع خصومها، وتزداد أهمية هذه التصريحات في ظل عودة التوتر العسكري بين إيران والولايات المتحدة وتجدد الاشتباكات والضربات المتبادلة وهو ما يدفع إلى التساؤل هل تمثل هذه الفتوى مجرد موقف ديني متشدد أم أنها تدل على تحول في أدوات الردع التي تعتمد عليها الجمهورية الإسلامية؟
من هو محسن أراكي؟ ولماذا أثارت فتواه كل هذا الاهتمام؟
لا يعتبر محسن أراكي رجل دين عادي لأنه ينتمي إلى الدائرة الدينية المحافظة المرتبطة بمؤسسة الولي الفقيه فهو عضو في مجلس خبراء القيادة، وعضو في المجلس الأعلى للحوزات العلمية، كما تولى لسنوات منصب الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، وهو ما جعله أحد الوجوه الدينية المعروفة داخل النظام الإيراني لذلك فإن تصريحاته ليست اجتهادات فقهية شخصية بل مؤشر على توجهات داخل الدولة.
وتزداد أهمية هذه الفتوى إذا ما أخذنا في الاعتبار أن وكالة تسنيم التابعة للحرس الثوري الإيراني كانت من أبرز الجهات التي سارعت إلى نشرها وإبرازها، وهذه ليست مجرد خطوة إعلامية بل توحي بأن الرسالة لم تكن موجهة إلى الداخل الإيراني فقط وإنما أرادوا أن تصل أيضًا إلى الخارج تحت رعاية الحرس الثوري.
كما تعكس الفتوى انتقالًا من مفهوم الرد العسكري التقليدي إلى الرد المفتوح، فبدلاً من حصر المواجهة بين الجيوش والدول توسع الخطاب دائرة المسؤولية لتشمل أفرادًا وجماعات تعتبر نفسها مكلفة دينيًا بتنفيذ هذا الواجب، وبهذا يتحول الصراع من مواجهة يمكن احتواؤها سياسيًا إلى حالة استنزاف ممتدة يصعب تحديد وحدودها.
الفتوى أداة سياسية تمتلك جذور عميقة في التاريخ الإيراني:
لم تبدأ قوة المؤسسة الدينية في إيران مع قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979م بل تمتد إلى ما قبل ذلك بوقت طويل ولعل الموقف الشهير للمرجع الشيعي ميرزا حسن الشيرازي عام 1891م المعروف بفتوى تحريم التبغ أحد أبرز الأمثلة على قدرة المرجعية الدينية على التأثير في القرار السياسي، فقد جاءت الفتوى احتجاجًا على امتياز احتكار التبغ الذي منحته الدولة القاجارية لبريطانيا وأدت إلى مقاطعة شعبية واسعة أجبرت الشاه على إلغاء الاتفاق لتصبح دليلا على مكانة المؤسسة الدينية في المجتمع الإيراني.
غير أن الجمهورية الإسلامية أعادت توظيف هذه المكانة بصورة مختلفة ففي الماضي كانت الفتوى وسيلة ضغط على السلطة، أما بعد الثورة أصبحت المؤسسة الدينية جزءًا من الدولة نفسها وتحولت الفتوى تدريجيًا إلى إحدى الأدوات التي تستخدمها السلطة لإضفاء الشرعية على سياساتها الداخلية والخارجية.
وقد ظهر هذا التطور في أكثر من محطة فقد كانت فتوى الخميني بحق الكاتب البريطاني من أصل هندي “سلمان رشدي” عام 1989م منعطفًا مهمًا بعدما اعتبر رواية الآيات الشيطانية إساءة إلى الإسلام ودعا إلى قتل مؤلفها، ودفعت هذه الفتوى رشدي إلى العيش سنوات طويلة متخفيًا وتحت حراسة أمنية مشددة، كما تسببت في أزمة دبلوماسية بين إيران وعدد من الدول الغربية، وأكدت على قدرة الخطاب الديني الإيراني على إحداث تأثير سياسي يتجاوز حدود الدولة الإيرانية، وبعد اغتيال قاسم سليماني في 2020م شهد الخطاب الإيراني تغييرًا، فلم يصدر خامنئي فتوى بالمعنى الفقهي ولكنه تحدث عن “الانتقام القاسي”، واليوم تبدو تصريحات آية الله محسن أراكي امتدادًا لهذا المسار لكنها تضيف إليه بعدًا جديدًا يتمثل في الانتقال من الحديث عن الرد إلى اعتباره واجبًا شرعيًا.
هل ستغير الفتوى حسابات الصراع الإقليمي؟
يصعب الجزم بأن فتوى محسن أراكي ستُحدث تحولًا مباشرًا في مسار المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، لكنها تأتي بعد تجدد التوتر بين إيران والولايات المتحدة وعودة المواجهات العسكرية، ولهذا يمكن النظر إلى الفتوى كجزء من استراتيجية الردع إذ تهدف إلى رفع كلفة أي تصعيد محتمل ليس عبر التهديد العسكري وحده وإنما أيضًا من خلال إضفاء بعد ديني على الصراع.
تمنح مثل هذه الفتاوى غطاءً تعبويًا لبعض الفصائل المسلحة التابعة لمحور المقاومة وخاصة التي تلتزم بمبدأ ولاية الفقيه، ولكن من الخطأ الاعتقاد بأن تأثيرها سيكون متساويًا على جميع القوى الشيعية فالصورة تختلف لدى المرجعيات الشيعية الأخرى وعلى رأسها حوزة النجف التي تتبنى رؤية أكثر تحفظًا تجاه تداخل المرجعية الدينية بالقرار السياسي، بخلاف مدرسة قم التي تقوم عليها نظرية ولاية الفقيه وتشكل الأساس الفكري للجمهورية الإسلامية، ولهذا فإن نطاق تأثير الفتوى يظل مرتبطًا بحدود النفوذ الفكري والسياسي لولاية الفقيه ولا يمتد إلى جميع الشيعة.
أما دوليًا فمن المرجح أن تمنح هذه الفتوى الولايات المتحدة وإسرائيل مادة سياسية وقانونية جديدة لتعزيز روايتهما بشأن طبيعة النظام الإيراني وقد تُستخدم هذه التصريحات لتبرير تشديد العقوبات أو زيادة الضغوط الدبلوماسية بل وقد تستثمر في أي مفاوضات مستقبلية مع طهران باعتبارها دليلًا على استمرار الخطاب التصعيدي داخل النظام الإيراني.
خاتمة
على الرغم من الأضرار الدولية التي ستتعرض لها إيران إثر هذه الفتوى، ولكن في اعتقادي تبدو طهران مدركة لهذا الأمر ففي ظل تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة تكشف هذه الفتوى عن محاولة إيرانية لرفع تكلفة أي تصعيد أمريكي، فالرسالة التي تسعى طهران إلى إيصالها هي أن استهدافها لن يقتصر أثره على الرد العسكري التقليدي بل قد يخلق تهديدات أمنية غير تقليدية للقوات والمصالح الأمريكية في المنطقة وهذا ما تخشاه واشنطن وتراهن عليه طهران منذ البداية، وهذا ما يدفع صانع القرار الأمريكي إلى إدخال احتمالات إضافية في حسابات المخاطر، لذلك فإن الفتوى تستهدف التأثير في إدراك الخصم للمخاطر أكثر مما تستهدف تغيير ميزان القوى العسكري مباشرة.

