شهد الأسبوع الأخير من يوليو 2026 تصاعدًا في عدد من التطورات التي عكست تحولًا في طبيعة الأزمات داخل القارة الأفريقية، بعدما باتت ترتبط بصورة متزايدة بإعادة تشكيل موازين السلطة والنفوذ داخل الدول، سواء عبر تصاعد الخلافات بين الحكومة المركزية والأقاليم، أو تنامي الضغوط على الترتيبات السياسية القائمة، أو استمرار التنافس العسكري الهادف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض. وقد تجسد ذلك في الصومال مع تصاعد التوتر بين الحكومة الفيدرالية وإدارة بونتلاند، وفي ليبيا مع اتساع نطاق الاحتجاجات المطالبة بإعادة تشكيل المشهد السياسي، وفي السودان مع استمرار سعي الجيش ومليشيات الدعم السريع إلى تعزيز مواقعهما العسكرية والسياسية وإعادة رسم ميزان القوى.وفي هذا الإطار، تعكس هذه التطورات أن مسار الاستقرار في عدد من الدول الأفريقية لم يعد يتحدد فقط بنتائج العمليات العسكرية أو فرص التوصل إلى تسويات سياسية، وإنما أصبح يرتبط بدرجة أساسية بقدرة مؤسسات الدولة على الحفاظ على تماسكها وإدارة التنافس الداخلي، في ظل بيئة إقليمية ودولية تشهد تغيرات متسارعة. وانطلاقًا من ذلك، يستعرض التقرير أبرز تطورات الأسبوع الأخير من يوليو 2026، مع تحليل دلالاتها الاستراتيجية، وتقييم انعكاساتها على الأمن الإقليمي والمصالح المصرية.

في 25 يوليو 2026، وجّهت حكومة ولاية بونتلاند اتهامات إلى الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالوقوف وراء تحركات عسكرية تستهدف إثارة التوترات وزعزعة استقرار مؤسسات الولاية، معتبرة أن هذه التحركات تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن في المناطق الخاضعة لسيطرتها. وفي السياق ذاته، نفت بونتلاند وجود أي قوات نظامية تابعة للحكومة الفيدرالية تعمل داخل أراضيها، كما دعت ولاية غلمدغ إلى عدم السماح باستخدام مطاراتها أو أراضيها في نقل أسلحة أو عناصر مسلحة قد تستهدف الإقليم، مع تأكيدها في الوقت نفسه الحرص على استمرار علاقات حسن الجوار والتنسيق الأمني بين الجانبين. جوسياسيا: تعكس الاتهامات التي وجهتها بونتلاند إلى الرئيس حسن شيخ محمود انتقال الخلاف القائم بين الحكومة الفيدرالية والإقليم إلى مستوى أكثر حساسية، بعدما لم يعد يقتصر على التباينات السياسية المرتبطة بإدارة الدولة، وإنما امتد ليشمل الترتيبات الأمنية والعسكرية. إذ يشير اتهام الرئاسة الصومالية بالسعي إلى تحريك عناصر مسلحة والتأثير في موازين القوى داخل الإقليم إلى تراجع واضح في مستويات الثقة بين الطرفين، بما يؤكد أن الأزمة تجاوزت حدود الخلافات التقليدية بين المركز والأقاليم لتطال أحد أبرز مرتكزات بناء الدولة الصومالية، والمتمثل في احتكار السلطة المركزية لاستخدام القوة بعد سنوات من الصراع الأهلي.وفي هذا الإطار، يكشف بيان بونتلاند أنها لم تعد تتعامل مع التحركات الصادرة عن مقديشو باعتبارها إجراءات حكومية اعتيادية، وإنما تنظر إليها بوصفها محاولة لإعادة تشكيل موازين القوة داخل النظام الفيدرالي عبر أدوات أمنية وعسكرية. ويكتسب هذا الطرح أهمية إضافية في ظل تأكيد الولاية عدم وجود أي قوات نظامية تابعة للحكومة الفيدرالية داخل أراضيها، بما يعكس تمسكها بإدارة الملف الأمني داخل الإقليم ورفضها لأي حضور عسكري مباشر للحكومة المركزية. ويشير ذلك إلى أن العلاقة بين الطرفين باتت أقرب إلى إدارة نفوذ بين سلطتين، أكثر من كونها علاقة بين حكومة مركزية وإقليم فيدرالي يخضع لسلطتها الدستورية.وفي سياق متصل ، يحمل توجيه بونتلاند رسالة مباشرة إلى غلمدغ وإلى المجتمع الدولي دلالات تتجاوز الإطار الداخلي، إذ يعكس محاولة غير مباشرة لتحميل أطراف خارجية مسؤولية أي دعم قد يُقدَّم لعمليات عسكرية تستهدف الإقليم. كما يعكس إدراك قيادة بونتلاند أن التوازنات داخل الصومال لم تعد تُدار فقط من خلال العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم، وإنما أصبحت ترتبط أيضًا بشبكة من التفاعلات الإقليمية والدولية المؤثرة في مسار الأزمة، وهو ما قد يرفع من احتمالات اتساع الخلاف إذا لم يتم احتواؤه عبر مسار سياسي. إقليميا :يمثل التصعيد بين الحكومة الفيدرالية وبونتلاند تطورًا يتجاوز حدود الأزمة الداخلية الصومالية، لارتباطه بأحد الملفات التي تراهن عليها مصر في منطقة القرن الأفريقي، والمتمثل في الحفاظ على وجود سلطة مركزية قادرة على إدارة الدولة ومنع تفككها. فكلما اتسعت الفجوة بين مقديشو والأقاليم، تراجعت قدرة الحكومة الفيدرالية على احتكار القرارين الأمني والسياسي، بما قد يدفع الأقاليم إلى تعزيز استقلالها الفعلي عن المركز حتى دون إعلان انفصال رسمي. ويؤدي ذلك إلى بروز مراكز سلطة متعددة داخل الصومال، لكل منها حساباتها وشبكة علاقاتها الخارجية، بما يحد من قدرة الدولة على إدارة ملفات الأمن والحدود بصورة موحدة.وفي السياق ذاته، تفتح هذه التطورات المجال أمام إعادة إنتاج سيناريو “أرض الصومال الانفصالي ” في أقاليم أخرى إذا استمر تراجع سلطة الحكومة الفيدرالية. ولا يتمثل الخطر في إعلان الانفصال بحد ذاته، وإنما في احتمال تحول بعض الأقاليم إلى كيانات شبه مستقلة تمتلك حرية إدارة موانئها وعلاقاتها الخارجية بصورة منفصلة عن مقديشو. وفي ضوء السوابق المرتبطة بالانفتاح الإسرائيلي على “أرض الصومال”، فإن اتساع هذا النموذج قد يتيح للكيان الإسرائيلي أو لقوى إقليمية ودولية أخرى فرصًا لبناء ترتيبات أمنية أو لوجستية جديدة على السواحل المطلة على خليج عدن، بما يفرض معادلات أمنية مختلفة في محيط البحر الأحمر.ومن المنظور المصري، تبرز خطورة هذه الأزمة في احتمال انتقال الصومال تدريجيًا من دولة ذات سلطة مركزية إلى دولة تتوزع فيها مراكز القرار بين عدة أقاليم، بما يصعب من قدرة القاهرة على التعامل مع شريك حكومي واحد في الملفات الأمنية والعسكرية. كما أن تعدد مراكز النفوذ على الساحل الصومالي يمنح القوى المنافسة مساحة أوسع للتغلغل بالقرب من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، الأمر الذي قد ينعكس مستقبلًا على بيئة الأمن البحري وحركة الملاحة الدولية المرتبطة بقناة السويس، ولا سيما إذا تزامن ذلك مع استمرار محاولات بعض القوى الإقليمية توسيع حضورها العسكري في منطقة القرن الأفريقي.مستقبلا تتجه العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وبونتلاند نحو مزيد من التوتر خلال المرحلة المقبلة، خاصة إذا استمرت الاتهامات المتبادلة في غياب آلية سياسية قادرة على احتواء الأزمة. وقد يدفع ذلك الأطراف إلى تعزيز انتشارها الأمني والعسكري داخل مناطق نفوذها، بما يزيد من تعقيد العلاقة بين المركز والأقاليم ويؤثر على درجة تماسك النظام الفيدرالي. وعليه ، يُتوقع أن يصبح ملف العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم أحد أبرز المحددات الحاكمة لمستقبل الدولة الصومالية . فنجاح مقديشو في احتواء الأزمة قد يعزز فرص الحفاظ على وحدة الدولة، في حين أن استمرار التصعيد قد يفضي إلى اتساع النزعات الانفصالية، بما يعيد تشكيل الخريطة السياسية والأمنية في منطقة القرن الأفريقي وينعكس على توازنات البحر الأحمر ومحيطه الإقليمي.

في 27 يوليو 2026، شرعت مجموعات شببية في عدد من مناطق العاصمة الليبية طرابلس في تنفيذ عصيان مدني استهدف تعطيل عمل عدد من المؤسسات العامة، حيث أُغلقت مقرات شركة “ليبيانا” ووزارة الخارجية استجابةً لدعوات أطلقها حراك سوق الجمعة. وطالب الحراك بإسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وإنهاء وجود الأجسام السياسية القائمة، إلى جانب محاسبة المتورطين في قضايا الفساد. كما امتدت التحركات إلى مناطق أخرى، من بينها تاجوراء وجنزور، في ظل استمرار حالة الاحتقان المرتبطة بالأوضاع السياسية والخدمية داخل العاصمة. وتأتي هذه التطورات بعد أيام من إعلان المجلس العسكري لثوار مصراتة مبادرة “الدولة المدنية”، التي طرحت تصورًا جديدًا لإدارة المرحلة الانتقالية، بما يضفي بعدًا سياسيًا إضافيًا على حالة الضغط المتصاعدة تجاه الترتيبات القائمة في غرب ليبيا.داخليا : يكشف تصاعد العصيان المدني في طرابلس عن انتقال الأزمة الليبية إلى مرحلة تتجاوز الصراع التقليدي بين المؤسسات السياسية والعسكرية، لتلامس بصورة مباشرة شرعية النظام الانتقالي القائم. إذ إن التحركات الحالية لا تقتصر على الاعتراض على أداء حكومة عبد الحميد الدبيبة أو الأوضاع الخدمية، وإنما تستهدف استمرار منظومة سياسية كاملة باتت قطاعات من الشارع والقوى المحلية تنظر إليها باعتبارها غير قادرة على إنتاج مسار مستقر للدولة. كما أن استهداف مؤسسات حكومية وشركات عامة يعكس انتقال أدوات الاحتجاج من الطابع الرمزي إلى وسائل ضغط تؤثر بصورة مباشرة على قدرة الحكومة على إدارة العاصمة، بما يضع حكومة الوحدة الوطنية أمام تحدٍ يرتبط ليس فقط بمستوى شعبيتها، وإنما أيضًا بقدرتها على الحفاظ على حضورها داخل مركز القرار في غرب ليبيا.وفي هذا الإطار، تشير طبيعة المطالب المطروحة إلى تحول في مستوى الأزمة السياسية، بعدما انتقل الخلاف من مسألة توزيع السلطة بين الأجسام القائمة إلى المطالبة بإعادة صياغة قواعد العملية السياسية نفسها. فالدعوات إلى إسقاط الحكومة ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة تعكس تصاعد حالة الرفض للترتيبات الانتقالية التي استمرت لسنوات دون الوصول إلى انتخابات أو تسوية سياسية نهائية. ولا يمكن فصل هذا الحراك عن المبادرات السياسية التي برزت مؤخرًا داخل غرب ليبيا، وفي مقدمتها مبادرة المجلس العسكري لثوار مصراتة بشأن “الدولة المدنية”، والتي قدمت تصورًا لإعادة بناء المسار السياسي وإنهاء المرحلة الانتقالية. ويشير تزامن هذين المسارين إلى أن الضغوط على الوضع القائم لم تعد تصدر فقط عن الصراع بين المؤسسات، وإنما باتت ترتبط أيضًا بمحاولات تقديم بدائل سياسية جديدة تستند إلى أدوات شعبية أو إلى مراكز قوة محلية.بالإضافة إلي ذلك ، يفتح الحراك المجال أمام احتمالات توظيفه من قبل القوى السياسية والتنظيمية التي تمتلك حضورًا داخل غرب ليبيا، ولا سيما في ظل استمرار التباينات بين بعض التيارات الإسلامية وحكومة الدبيبة. وفي هذا السياق، لا يُستبعد أن تسعى جماعة الإخوان المسلمين أو أطراف محسوبة على التيار الإسلامي إلى استثمار حالة الاحتقان الشعبي لممارسة مزيد من الضغوط على الحكومة، خاصة في ضوء التطورات التي شهدتها علاقات طرابلس الإقليمية خلال الفترة الأخيرة، وفي مقدمتها التقارب المتزايد مع مصر عبر الوساطة التركية في ملفات التعاون الكهربائي وتسوية بعض القضايا الاقتصادية والأمنية بالإضافة لوجود أحد قيادات الإخوان الإرهابية محمود فتحي غرب ليبيا وترحيله إلى القاهرة والتقارب بين الشرق والغرب. . وقد أثارت هذه التحركات اعتراضات من دوائر محسوبة على التيار الإسلامي “الإخوان الإرهابية” ط، بما يجعل الاحتجاجات الحالية مرشحة لأن تصبح جزءًا من صراع نفوذ أوسع داخل غرب ليبيا، رغم استمرار الطابع الشعبي المعلن للحراك.مصريا : تمثل التطورات التي تشهدها طرابلس مؤشرًا على استمرار هشاشة البيئة السياسية الليبية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على المصالح المصرية المرتبطة بالحفاظ على استقرار الدولة الليبية ومنع عودة حالة الفوضى الأمنية بالقرب من الحدود الغربية. فتصاعد الضغوط على الحكومة القائمة، خاصة إذا تطور من احتجاجات مدنية إلى صراع سياسي أو أمني بين مراكز القوى داخل الغرب الليبي، قد يؤدي إلى تعطيل مسار إعادة بناء المؤسسات الوطنية، كما قد يؤثر على الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء حالة الانقسام التي شكلت أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار خلال السنوات الماضية.وفي السياق ذاته، فإن ارتباط العصيان المدني بمبادرات سياسية جديدة، وفي مقدمتها مبادرة المجلس العسكري لثوار مصراتة، يضيف بعدًا يتعلق بإعادة ترتيب موازين النفوذ داخل غرب ليبيا. فتمثل مصراتة أحد أبرز مراكز القوة العسكرية والسياسية في المنطقة الغربية، في حين تمثل طرابلس مركز السلطة التنفيذية والمؤسسات الرسمية، بما يجعل التفاعل بين هذين المسارين عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل طبيعة العلاقة بين القوى المحلية الفاعلة. وتتابع القاهرة هذه التحولات باعتبارها ترتبط بمستقبل التوازنات الداخلية في ليبيا، خاصة في ظل أهمية وجود مؤسسات ليبية موحدة قادرة على بسط السيطرة على المجال الأمني والحد من تمدد الجماعات المسلحة والفاعلين غير الرسميين.ومن منظور إقليمي ، تعكس هذه التطورات استمرار الأزمة الليبية بوصفها ساحة مفتوحة للتنافس بين الرؤى المختلفة بشأن شكل الدولة ومستقبل السلطة، سواء عبر المبادرات الداخلية أو من خلال التحركات الدولية. كما أن أي تصعيد سياسي داخل طرابلس قد ينعكس على الملفات التي شهدت تقدمًا نسبيًا بين مصر وليبيا خلال الفترة الأخيرة، سواء في مجالات الطاقة أو التجارة أو التعاون الأمني. ومن ثم، يظل الحفاظ على استقرار غرب ليبيا أحد المرتكزات الأساسية لحماية المصالح المصرية، خاصة في ظل استمرار القاهرة في دعم مسار سياسي يستهدف الحفاظ على وحدة الدولة الليبية ومنع إعادة إنتاج الانقسام.استشرافا : تتجه حكومة الدبيبة خلال المرحلة المقبلة إلى احتواء موجة الاحتجاجات عبر تبني إجراءات سياسية وخدمية، في محاولة لمنع تحول العصيان المدني إلى أزمة أوسع تهدد موقعها داخل العاصمة ويظهر ذلك من تراجع الاحتياجات وفتح المؤسسات . و قد تسعى القوى المعارضة إلى توسيع نطاق الحراك وربطه بالمطالب السياسية المتعلقة بإعادة تشكيل السلطة، خاصة مع وجود مبادرات داخلية تستهدف تقديم بدائل للمسار الانتقالي القائم ومبادرة مسعد بولس .بالتي قد يؤدي استمرار التفاعل بين العصيان المدني في طرابلس ومبادرة المجلس العسكري لثوار مصراتة إلى انتقال الأزمة الليبية نحو مرحلة جديدة عنوانها التنافس على قيادة مرحلة ما بعد الترتيبات الحالية، وليس فقط الخلاف حول الحكومة القائمة. وإذا اتسع هذا المسار، فقد تصبح المنطقة الغربية ساحة لصراع سياسي يتمحور حول الجهة القادرة على صياغة البديل، بما يجعل تطورات طرابلس خلال المرحلة المقبلة أحد العوامل المؤثرة في مستقبل التسوية الليبية وتوازنات الأمن الإقليمي.

في 28 يوليو 2026، تداولت وسائل إعلام تصريحات قائد مليشا الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، التي أدلى بها في 27 يوليو، وذلك في أول ظهور له منذ إعلان الجيش السوداني فرض سيطرته على عدد من المناطق بولاية شمال كردفان، وفي مقدمتها أم سيالة وجبرة الشيخ. ودعا حميدتي قواته إلى تعديل خطتها العسكرية، ووقف نشر صور وتحركات القوات، مع الالتزام بالانضباط العسكري وحماية المدنيين، معلنًا عزمه التواجد ميدانيًا خلال المرحلة المقبلة. وجاءت هذه التصريحات عقب جولة ميدانية لرئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان في المناطق التي أعلن الجيش استعادتها، بما يعكس استمرار التنافس بين الطرفين على تثبيت التفوق العسكري والسياسي في مسار الحرب.ميدانيا : تشير تصريحات حميدتي محاولة من قيادة مليشا الدعم السريع إعادة تنظيم أداء قواتها في أعقاب الضغوط الميدانية التي تعرضت لها خلال شهر يوليو، ولا سيما بعد التحركات العسكرية التي نفذها الجيش السوداني في ولاية شمال كردفان واستعادته عددًا من المواقع ذات الأهمية العملياتية. إذ تكشف الدعوة إلى تغيير أسلوب العمل ووقف نشر التحركات العسكرية عن وجود مراجعة داخلية لآليات إدارة العمليات، في ظل قدرة الجيش على توظيف المعلومات الميدانية لتحقيق اختراقات في مناطق كانت تمثل نطاقًا مهمًا لتحركات الدعم السريع. ويشير ذلك إلى أن التحدي الذي يواجهه الدعم السريع لم يعد يقتصر على الحفاظ على مناطق سيطرته، وإنما يمتد إلى منع تحول المكاسب الأخيرة للجيش إلى مسار يعيد تشكيل ميزان المبادرة العسكرية لصالح المؤسسة العسكرية السودانية.وفي هذا السياق، تكشف تصريحات قائد الدعم السريع أيضًا عن محاولة لاستعادة مستويات الانضباط الداخلي وتعزيز الروح المعنوية داخل صفوف قواته في ضوء التطورات الأخيرة. فإعلان حميدتي عزمه التواجد بالقرب من الخطوط الأمامية، إلى جانب دعوته القوات إلى الالتزام بالقواعد العسكرية، يعكس إدراك القيادة لحاجة قواتها إلى تعزيز التماسك الداخلي والحد من أي آثار سلبية ناجمة عن الضغوط الميدانية. وفي المقابل، فإن اجتماع مجلس الأمن والدفاع التابع للدعم السريع ومناقشته ملفات عسكرية وسياسية واقتصادية يعكس محاولة لإظهار قدرة التنظيم على إدارة الحرب باعتبارها مشروعًا ممتدًا، وليس مجرد عمليات عسكرية مرتبطة بجبهات القتال، بما يؤكد إدراك الطرفين لطبيعة الصراع الممتد وطويل الأمد.وفي سياق متصل ، يكشف توقيت ظهور حميدتي عقب الجولة الميدانية التي أجراها البرهان في شمال كردفان عن تصاعد أهمية البعد الرمزي والسياسي للعمليات العسكرية، حيث باتت السيطرة على الأرض ترتبط بمحاولة كل طرف تعزيز شرعيته أمام الداخل والخارج. فالجيش السوداني يسعى إلى البناء على تقدمه الميداني لإبراز قدرته على استعادة زمام المبادرة وحماية مؤسسات الدولة، في حين تحاول قيادة الدعم السريع الحيلولة دون ترسيخ صورة تراجعها من خلال خطاب تصعيدي وإجراءات تستهدف إعادة ترتيب صفوفها. ويشير ذلك إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالًا من التنافس على السيطرة على المدن والمناطق إلى صراع أوسع يتعلق بالقدرة على الحفاظ على خطوط الإمداد، وإدارة الموارد، وتحويل المكاسب العسكرية إلى نفوذ سياسي. إقليما : يمثل استمرار تطورات الحرب في السودان تحديًا مباشرًا للأمن القومي المصري، خاصة مع انتقال المواجهات إلى مناطق ذات أهمية جغرافية تربط بين وسط السودان وغربه. فاستمرار الصراع بين الجيش ومليشيات الدعم السريع ينذر بإطالة أمد حالة عدم الاستقرار، بما يحمله ذلك من تداعيات تتعلق بأمن الحدود، وانتشار السلاح، وحركة العناصر المسلحة داخل الإقليم. وفي هذا الإطار، فإن أي تقدم يحقق قدرة مؤسسات الدولة السودانية على استعادة السيطرة وبسط نفوذها يمثل عاملًا مهمًا في الحد من مخاطر تحول السودان إلى بؤرة صراع ممتدة تنعكس آثارها على محيطه الإقليمي.كما تكتسب التطورات في شمال كردفان أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمنطقة ضمن شبكة الحركة العسكرية واللوجستية في السودان، حيث تمثل السيطرة عليها عنصرًا مؤثرًا في قدرة الأطراف اعلى الانتشار والتحرك بين الأقاليم المختلفة. ومن المنظور المصري، فإن نجاح الجيش السوداني في استعادة مناطق جديدة قد يفتح المجال أمام تعزيز مؤسسات الدولة، إلا أن استمرار العمليات العسكرية في غياب تسوية سياسية سيظل يحمل مخاطر تتعلق باستنزاف الدولة وإضعاف قدراتها، بما يجعل دعم مسار يحافظ على وحدة السودان ومؤسساته أولوية استراتيجية بالنسبة للقاهرة.بالإضافة إلي ذلك ، تعكس تصريحات حميدتي استمرار سعي الدعم السريع إلى الانتقال من كونها قوة عسكرية ميدانية إلى طرف سياسي يسعى إلى التأثير في مستقبل السودان، وهو ما يزيد من تعقيد الأزمة. وتنظر القاهرة إلى السودان باعتباره دولة محورية في منظومة الأمن الإقليمي، ومن ثم فإن استمرار التنافس بين مشروع الدولة الذي يمثله الجيش وبين القوى المسلحة العاملة خارج إطار المؤسسات يمثل تحديًا مباشرًا لاستقرار المنطقة. كما أن مسار الحرب سيظل مرتبطًا بصورة وثيقة بأمن البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، باعتبارهما من الدوائر المرتبطة بالمصالح المصرية الحيوية.وعلية : سيظل مسار الأزمة السودانية خلال المرحلة المقبلة مرتبطًا بدرجة كبيرة بقدرة الجيش على تحويل مكاسبه العسكرية إلى استقرار مؤسسي، وبمدى قدرة الدولة السودانية على إعادة بناء منظومتها الأمنية والسياسية بما يحول دون تكرار ظاهرة تعدد القوى المسلحة خارج إطار الدولة.

