عبدالله فارس القزاز .. باحث بوحدة الدراسات الإفريقية
أجرت وحدة الدراسات الأفريقية خلال الأسبوع الثالث من سبتمبر متابعة لعدد من التطورات السياسية والأمنية في القارة الأفريقية، والتي ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالملفات المؤثرة في الأمن القومي المصري. وتركزت المتابعة على تطورات المسار السياسي والانتخابي في ليبيا، والتطورات الأمنية والاستراتيجية في الصومال والبيئة المحيطة بالبحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب تصاعد المواجهات الداخلية في إثيوبيا وانعكاساتها المحتملة على استقرار الدولة وقدرتها على إدارة ملفاتها الإقليمية، خاصة ما يتعلق بالحدود السودانية وسد النهضة، وتناولت المتابعة تداعيات هذه التطورات على مسارات الاستقرار الإقليمي، ومدى تأثيرها على المصالح المصرية، مع التركيز على التحولات التي يمكن أن تفرض واقعًا جديدًا في ليبيا والقرن الأفريقي والبحر الأحمر في الوقت الراهن.
أعلن المجلس الأعلى للدولة والأحزاب السياسية الليبية الموقعة على الوثيقة المشتركة تمسكها بالإطار الدستوري والتشريعي القائم، ورفضها اعتماد مخرجات لجنة «4+4» إذا ترتب عليها تجاوز الإعلان الدستوري أو التشريعات النافذة أو اختصاصات المؤسسات الليبية، مع التأكيد على رفض العودة إلى القانون رقم (10) لسنة 2014 والتمسك بالقانون رقم (27) لسنة 2023 الصادر عن لجنة «6+6». كما أكدت الوثيقة ضرورة أن تمر أي تعديلات على القوانين الانتخابية عبر المؤسسات المختصة، مع ضمان مشاركة الأحزاب واستقلال المفوضية وتحييد مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية والمال العام، وربط أي خارطة طريق بالوصول إلى الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية، إلى جانب التأكيد على أن دور الأمم المتحدة يجب أن يظل داعمًا وميسرًا، دون أن يتحول إلى بديل عن الإرادة والمؤسسات الليبية.
انتخابيا : إذا كان الخلاف حول القوانين الانتخابية يبدو في ظاهره خلافًا على قواعد إجراء الانتخابات، فإن جوهر الوثيقة يتجاوز ذلك إلى تحديد الجهة التي تملك حق إنتاج القاعدة القانونية المنظمة للمرحلة المقبلة. فالمجلس الأعلى للدولة والأحزاب لا يعترضون فقط على مخرجات «4+4»، وإنما يحاولون وضع حد فاصل بين التوافق السياسي وبين إنتاج قاعدة قانونية ملزمة، إذ إن توافق مجموعة من الأطراف على ترتيبات معينة لا يعني بالضرورة امتلاكها صلاحية تغيير القواعد التي تحكم الانتخابات أو إعادة توزيع الاختصاصات بين المؤسسات. ومن ثم، فإن التركيز على الإعلان الدستوري والتشريعات النافذة واختصاصات المؤسسات لا يرتبط بالتشريع في حد ذاته، وإنما بالبحث حول مصدر الشرعية التي تقوم عليها العملية الانتخابية.وفي هذه الحالة، فإن الانتخابات لا تبدأ من لحظة فتح صناديق الاقتراع، وإنما من تحديد الجهة التي تملك حق وضع القواعد التي ستحكم هذه الصناديق. ولذلك فإن المواجهة بين «4+4» و«6+6» لا تتمثل فقط في الاختلاف بين قانونين انتخابيين، وإنما في الخلاف حول إمكانية إعادة فتح القاعدة القانونية القائمة من خلال ترتيبات سياسية جديدة. فإذا كانت هناك تشريعات لاحقة أُنجزت عبر مسار 6+6، فإن العودة إلى قانون سابق يطرح تساؤلًا حول الأساس الذي يسمح بتغيير القواعد مرة أخرى خارج المسار المؤسسي.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية تتعلق باستقرار القاعدة الانتخابية، ومنع تحول القانون إلى أداة لإعادة هندسة ميزان القوى السياسي كلما تغيرت موازين التفاوض.وتزداد أهمية هذه النقطة عندما يرتبط القانون الانتخابي بشكل السلطة التي ستنتجها الانتخابات. فاختيار قانون معين لا يحدد فقط طريقة انتخاب أعضاء البرلمان، وإنما يمكن أن يؤثر في طبيعة المنافسة السياسية والجهات التي تستطيع تحويل حضورها الاجتماعي والسياسي إلى تمثيل داخل المؤسسات. وفي هذه الحالة، فإن الخلاف على القانون يصبح خلافًا أوسع حول شكل السلطة التي ستنشأ بعد الانتخابات، وليس مجرد خلاف فني حول إجراءات الاقتراع. ومن هنا يمكن فهم اجتماع المجلس الأعلى للدولة والأحزاب حول موقف واحد، لأن الطرف الذي يشارك في وضع القواعد لا يكون مجرد متلقٍ لنتائجها، وإنما يصبح جزءًا من عملية تشكيل النظام السياسي الذي ستنتجه.وهذا يفسر أيضًا حساسية مسألة مشاركة الأحزاب ورفض تهميشها. فإذا كانت الانتخابات هي الآلية المفترضة لإنهاء المرحلة الانتقالية، فإن القوى السياسية لا تريد أن تقتصر مشاركتها على الدخول في منافسة بعد الانتهاء من صياغة القواعد، وإنما تسعى إلى أن تكون طرفًا في تحديد هذه القواعد من البداية. وبالتالي، تحاول الوثيقة نقل الأحزاب من موقع المتلقي للترتيبات الانتخابية إلى موقع الشريك في إنتاجها، بما يجعل الخلاف حول المشاركة مرتبطًا بصورة السلطة السياسية التي ستنتجها الانتخابات.أما النقطة الأكثر حساسية فتتعلق بالمسافة بين الاتفاق السياسي وبين القدرة على تنفيذه. فإذا كانت مخرجات «4+4» تمثل تفاهمًا سياسيًا بين أطراف معينة، فإن السؤال يصبح حول قدرتها على الانتقال من التوافق إلى قاعدة قانونية قابلة للتنفيذ دون المرور بالمؤسسات المختصة. وموقف الوثيقة هنا يقوم على أن أي ترتيبات جديدة لا يمكن أن تتجاوز التشريعات والاختصاصات القائمة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتغيير قواعد الانتخابات أو إعادة توزيع صلاحيات المؤسسات. ومن ثم، فإن الاعتراض على مخرجات «4+4» يحمل بعدًا مؤسسيًا يتجاوز مضمون هذه المخرجات نفسها، لأنه يتعلق بمن يملك حق تحويل التفاهم السياسي إلى قاعدة ملزمة.بالإضافة إلي الإشارة إلى القضاء لا تأتي باعتبارها مسألة منفصلة عن القانون الانتخابي، وإنما باعتبارها جزءًا من سلسلة الشرعية التي تبدأ من القاعدة القانونية وتنتهي بقبول النتيجة. فإذا كان القانون محل نزاع، أو كانت العملية الانتخابية تفتقد الاستقلال، أو لم تكن هناك جهة قادرة على حسم الطعن، فإن الانتخابات نفسها يمكن أن تنتج شرعية محل نزاع منذ لحظة إعلانها. ولذلك فإن التشدد في مسألة القاعدة القانونية يرتبط بصورة مباشرة بالتشدد في مسألة قبول النتائج، لأن كلاهما يستهدف منع نشوء شرعية انتخابية مطعون فيها منذ البداية.
أما موقف الوثيقة من الأمم المتحدة، فيكشف عن مستوى آخر من الصراع يتعلق بحدود الدور الدولي في إدارة التسوية الليبية. فالمجلس الأعلى للدولة لا يطالب بإلغاء الدور الأممي، وإنما يحاول تحديد وظيفته باعتباره داعمًا وميسرًا، وليس بديلًا عن المؤسسات الليبية. بالإضافة إلي أن إستخدام مفهوم «الملكية الوطنية» يعد أهمية إضافية في هذا السياق، لأنه يمكن أن يتحول إلى أداة سياسية لتحديد شرعية الترتيبات الجديدة. فإذا استطاع طرف أن يثبت أن صيغة معينة فُرضت من خارج المؤسسات الليبية، فإن قدرته على الطعن في شرعيتها داخليًا ستزداد. وبالتالي، فإن التأكيد على الملكية الليبية لا يمثل مجرد خطاب سيادي، وإنما يرتبط بالسؤال حول من يملك حق قبول أو رفض أي صيغة سياسية جديدة.
بالنسبة للقاهرة، فإن المشكلة الأكثر حساسية لا تتمثل في تأجيل الانتخابات بحد ذاته، وإنما في إجراء انتخابات بقواعد لا تحظى بقبول مؤسسي واسع، ثم انتقال الخلاف إلى مرحلة ما بعد إعلان النتائج. فإذا حدث ذلك، فإن الانتخابات لن تنهي الصراع حول الشرعية، وإنما قد تنقله من من يضع القواعد؟ إلى من يملك الشرعية، وهو انتقال أكثر تعقيدًا لأن النتيجة الانتخابية نفسها تصبح محل نزاع سياسي ومؤسسي.ومن هنا تكتسب مسألة اعتماد الترتيبات الجديدة أهمية مباشرة. فوجود مؤسسات تشريعية مختلفة على طرفي الخلاف يجعل تمرير القواعد الانتخابية جزءًا من عملية بناء الشرعية، وليس مجرد إجراء سابق على الانتخابات. وإذا لم تُحسم هذه المسألة قبل بدء العملية الانتخابية، فقد يمتلك أي طرف لاحقًا مساحة لاستخدام الخلاف حول مصدر القانون أو شرعيته للطعن في العملية بأكملها. ولذلك فإن الاستقرار الذي تحتاجه مصر لا يرتبط فقط بتحديد موعد للاقتراع، وإنما بتقليص مساحة الطعن السياسي والمؤسسي في العملية قبل بدايته وتكمن أهمية هذا المسار عند الانتقال إلى المفوضية، لأنها تمثل الحلقة التي تتحول عندها القواعد السياسية والقانونية إلى إجراءات تطبيقية . فإذا كان القانون محل خلاف، فإن المفوضية ستعمل داخل بيئة قانونية متنازع عليها، وإذا أصبحت المفوضية نفسها محل خلاف، فإن الثقة في العملية الانتخابية يمكن أن تتراجع قبل الوصول إلى النتائج. وعليه ، فإن الجمع بين التشريع واستقلال المفوضية وتحييد الأجهزة الأمنية والقضاء يعكس محاولة لحماية العملية الانتخابية من الانهيار عند أي حلقة من حلقاتها.
ومن منظور الأمن القومي، فإن النتيجة الأهم التي يفترض أن تنتج عن الانتخابات تتمثل في توحيد مؤسسات الدولة، وليس فقط إنتاج مؤسسات منتخبة. فإذا أدت الانتخابات إلى إنتاج مؤسسات متعددة أو متنافسة، فإنها لن تحقق الهدف المرتبط بإنهاء الانقسام، وقد تتحول من وسيلة لتوحيد الدولة إلى وسيلة لإعادة توزيع الشرعية السياسية بين مراكز القوة القائمة.وفي هذا السياق ، يصبح تحييد الأجهزة العسكرية والأمنية والمال العام عاملًا يتجاوز مسألة النزاهة الانتخابية إلى طبيعة الصراع على الدولة نفسها. فإذا دخلت أجهزة الدولة أو مواردها في المنافسة السياسية، فإن الانتخابات لن تظل مجرد تنافس على أصوات الناخبين، وإنما قد تتحول إلى تنافس على القدرة على استخدام مؤسسات الدولة لتثبيت موقع كل طرف. ولذلك فإن تأكيد الوثيقة على الحياد المؤسسي يعكس إدراكًا بأن المعضلة الليبية لا ترتبط فقط بغياب الانتخابات، وإنما بالعلاقة بين الانتخابات ومراكز القوة الموجودة خارج صندوق الاقتراع.كما أن تمسك الوثيقة بمشاركة الأحزاب يرتبط بصورة الدولة التي يمكن أن تنتجها الانتخابات. فإذا اقتصرت العملية على اختيار أفراد، فقد تعيد إنتاج شبكات النفوذ القائمة بأسماء جديدة، أما إذا أنتجت قوى سياسية أكثر تنظيمًا وبرامج وتوازنات واضحة، فقد تفتح المجال أمام انتقال الصراع من التنافس على السيطرة إلى التنافس داخل المؤسسات. ولذلك ، فإن الخلاف حول النظام الانتخابي لا يمثل بالنسبة لمصر مسألة فنية منفصلة، وإنما يرتبط بطبيعة السلطة التي يمكن أن تنشأ في الدولة المجاورة وقدرتها على إدارة الدولة بصورة موحدة.وتظهر هنا نقطة أخرى، وهي أن الوثيقة لا تربط الانتخابات بمجرد إنهاء المرحلة الانتقالية، وإنما تربطها أيضًا بتوحيد المؤسسات وبناء دولة مستقرة. فإذا فُصلت الانتخابات عن عملية توحيد المؤسسات، فقد تتحول إلى إعادة توزيع للشرعية السياسية دون أن يصاحب ذلك إعادة توحيد القدرة الفعلية على إدارة الدولة. وفي هذه الحالة، قد تنتقل ليبيا من انقسام بين أجسام انتقالية إلى انقسام بين مؤسسات منتخبة، وهو ما لا يحقق الغرض الأساسي من العملية الانتخابية.
أما الدور الدولي، فتتصل أهميته بالنسبة للقاهرة بمدى قدرة أي تسوية على الاستمرار دون الاعتماد بصورة مفرطة على وجود طرف خارجي لضمانها. فإذا كانت الترتيبات لا تحظى بقبول كافٍ من القوى والمؤسسات الليبية، فإنها ستظل معرضة للانهيار مع أي تغير في موازين القوى. ولذلك فإن نجاح المسار لا يقاس فقط بحصوله على دعم دولي، وإنما بقدرته على إنتاج قبول داخلي يسمح باستمرار الترتيبات بعد انتهاء الرعاية أو التيسير الخارجي.ومن هنا، فإن جوهر الوثيقة يتمثل في محاولة منع اختصار الطريق نحو الانتخابات على حساب القواعد التي ستنتج عنها. فإذا كان تسريع الانتخابات قد يبدو في ظاهره خطوة نحو إنهاء المرحلة الانتقالية، فإن تجاوز الخلافات المتعلقة بمن يضع القواعد ومن يملك تعديلها ومن يدير العملية ومن يفصل في نزاعاتها ومن يضمن قبول نتائجها، قد يؤدي إلى تأجيل هذه الخلافات إلى مرحلة أكثر حساسية. وعليه، لا تختفي أزمة الشرعية، وإنما تنتقل إلى لحظة إعلان النتائج، حيث تصبح تكلفة الخلاف أعلى وقدرة المؤسسات على احتوائه أكثر تعقيدًا.
بحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره الصومالي عبد السلام عبدي علي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، سبل تعزيز الشراكة المصرية ـ الصومالية، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتنموي والاستثماري والصحي، إلى جانب مناقشة التطورات السياسية والأمنية في الصومال والقرن الأفريقي والبحر الأحمر. ويأتي ذلك بالتوازي مع تأكيد القاهرة دعمها لوحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه، ورفض أي إجراءات أحادية يمكن أن تمس وحدة الدولة الصومالية، فضلًا عن استمرار دعم بناء قدرات المؤسسات الصومالية والمشاركة المصرية في بعثة دعم واستقرار الاتحاد الأفريقي.
أفريقيا : توقيت اللقاء يعكس طبيعة التحولات التي تشهدها البيئة المحيطة بالبحر الأحمر، فإن دلالته لا تقتصر على تطوير العلاقات المصرية الصومالية، وإنما تمتد إلى محاولة الحفاظ على مساحة من الحضور المصري داخل بيئة أمنية تتعرض لإعادة تشكيل متسارعة، خاصة مع تزايد أهمية باب المندب في ظل التطورات العسكرية في اليمن. التوسع الحوثي على الساحل الغربي ومناطق وجزر قريبة من المضيق الجماعة مجالًا جغرافيًا أوسع يمكن من خلاله التأثير في حركة الملاحة، وهو ما يجعل السيطرة على المساحات الساحلية عاملًا يتجاوز قيمته العسكرية المباشرة إلى القدرة على التأثير في أحد الممرات البحرية الأكثر أهمية استراتيجية.بالتوازي مع استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية يالتى قد تفتح احتمال انتقال المواجهة إلى ساحات ترتبط بالمصالح الأمريكية وحركة التجارة والطاقة، وفي هذه الحالة لا يصبح باب المندب مجرد مسرح مرتبط بالتطورات اليمنية، وإنما يمكن أن يتحول إلى إحدى الأدوات التي تستخدم في الضغط غير المباشر على الولايات المتحدة وحلفائها. ومن هنا تظهر أهمية الربط بين هرمز وباب المندب، إذ إن استمرار تعطيل الملاحة في هرمز قد يزيد من القيمة التصعيدية للضغط على باب المندب بالنسبة لطهران، ليس باعتباره قرارًا إيرانيًا محسومًا، وإنما باعتباره خيارًا يمكن توظيفه لرفع تكلفة المواجهة في حال اتساع نطاقها.وتزداد أهمية هذا الاحتمال في ضوء ما نقلته رويترز في يوليو 2026 بشأن إفادة مصادر بأن إيران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق بوابة البحر الأحمر في حال تعرضت منشآت حيوية إيرانية لضربات أمريكية، إلى جانب الإشارة إلى استعدادات حوثية مرتبطة بالمضيق. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن قيمة باب المندب لا تتحدد فقط بموقعه الجغرافي، وإنما بما يمكن أن يوفره من قدرة على نقل تداعيات الصراع الإيراني الأمريكي إلى مسار بحري يرتبط مباشرة بحركة التجارة والطاقة العالمية.
وبالتالي، فإن الخطر بالنسبة للقاهرة لا يتمثل فقط في احتمال إغلاق باب المندب بصورة كاملة، وإنما في إمكانية تحوله إلى نقطة ضغط متكررة تؤثر في حسابات شركات الملاحة بشأن المرور عبر البحر الأحمر. فتعطيل هرمز وباب المندب في الوقت نفسه يمكن أن ينقل الأزمة من نطاق إقليمي محدود إلى أزمة مترابطة على مستوى خطوط الملاحة والطاقة والتجارة الدولية ، إذ يمثل باب المندب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بينما يرتبط هرمز بمسار آخر شديد الحساسية لحركة الطاقة. وفي هذه الحالة، فإن أي اضطراب كبير في باب المندب سينعكس على المسار المؤدي إلى قناة السويس، حتى دون الوصول إلى مرحلة الإغلاق الكامل، وهو ما يجعل التهديد البحري جزءًا من معادلة الأمن الاقتصادي المصري.وفي هذه البيئة، يكتسب التحرك المصري تجاه الصومال أهمية تتجاوز التعاون الثنائي، لأن موقع مقديشو يجعلها جزءًا مباشرًا من المعادلة الجغرافية للأمن البحري. فالصومال لا يقع في هامش التحولات الجارية في اليمن، وإنما يوجد على الضفة الأفريقية المقابلة للمجال الذي يشهد هذه التحولات، وبالتالي فإن تعزيز قدرات الدولة الصومالية ودعم مشاركتها في ترتيبات الأمن الإقليمي والحفاظ على وحدة أراضيها يمنح القاهرة شريكًا مؤسسيًا على الجانب الأفريقي من باب المندب، بدل التعامل مع بيئة مجزأة تعددت فيها مراكز القوة والتأثير.بالإضافة إلي بعد آخر مع تطور العلاقات بين إسرائيل وأرض الصومال الانفصالي، والتي انتقلت خلال 2026 من الاعتراف السياسي إلى مسار معلن للتعاون الاستراتيجي، مع بحث مجالات أمنية واقتصادية في ظل الموقع الجغرافي لأرض الصومال على خليج عدن وقربها من باب المندب.
وبالتالي، فإن التنافس في القرن الأفريقي لا يمكن فصله عن التنافس على البيئة المحيطة بباب المندب. فكلما ازداد الضغط العسكري على الضفة اليمنية، ازدادت قيمة الضفة الأفريقية، وكلما توسعت القوى الدولية والإقليمية في بناء علاقات أو ترتيبات أمنية على الساحل المقابل، أصبحت السيطرة السياسية والمؤسسية على الدول المطلة على هذه البيئة أكثر أهمية. ومن هنا يمكن فهم إصرار القاهرة على دعم وحدة الصومال ورفض الإجراءات الأحادية التي تمس سيادته، باعتباره لا يرتبط فقط بمبدأ قانوني يتعلق بوحدة الدولة، وإنما أيضًا بالحفاظ على شكل البيئة الاستراتيجية المحيطة بالبحر الأحمر، ومنع تحول الانقسامات الداخلية إلى مدخل لإعادة توزيع النفوذ على الضفة الأفريقية للممر البحري.
مصريا: إذا كان باب المندب يمثل المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، فإن أي تصعيد متزامن في هرمز وباب المندب يمكن أن يخلق ضغطًا مركبًا على خطوط التجارة البحرية، وهو ما يجعل الانعكاس أكثر مباشرة بالنسبة لمصر مرتبطًا بأمن قناة السويس. فإذا أصبحت هرمز مسرحًا لتعطيل حركة الطاقة، وأصبح باب المندب مهددًا في الوقت نفسه، فإن شركات الملاحة ستتعامل مع بيئة أمنية أكثر تعقيدًا على امتداد المسار البحري بين المحيط الهندي والبحر المتوسط. وهذا لا يعني بالضرورة توقف الملاحة عبر قناة السويس، وإنما يعني أن استمرار التهديد في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يمكن أن يؤثر في قرار شركات النقل بشأن استخدام المسار من الأساس، وبذلك يتحول أمن باب المندب إلى جزء من الأمن الاقتصادي المباشر لمصر.والأهم أن تحقق التأثير لا يحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق فعليًا. فاستمرار الهجمات أو امتلاك الحوثيين قدرة عسكرية واضحة على تهديد السفن يمكن أن يرفع مستوى المخاطر وتكاليف التأمين، وبالتالي يؤثر في قرارات شركات الملاحة حتى في حالة استمرار حركة المرور. أن نطاق التهديد لا يقتصر على باب المندب، وإنما يمتد إلى البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب والحوض الصومالي. وفي هذه الحالة، فإن تقييم مصر لأمن قناة السويس لا يمكن أن يظل مرتبطًا بنقطة الاختناق ذاتها، وإنما يمتد إلى البيئة البحرية المحيطة بها، باعتبار أن التهديد قد يبدأ خارج المضيق ثم ينعكس على حركة الملاحة داخله.
أما على المستوى الجيوسياسي، فإن تزامن السيطرة الحوثية المتزايدة على أجزاء من الساحل اليمني مع تعميق إسرائيل لعلاقاتها مع أرض الصومال يخلق بيئة تتنافس فيها قوى إقليمية ودولية على النفوذ في ضفتي المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. ولا يعني اجتماع هذه التطورات وجود تحالف مباشر بينها، وإنما يشير إلى أن تزامنها داخل المجال الجغرافي نفسه يرفع من القيمة الاستراتيجية للقرن الأفريقي في الحسابات الدولية والإقليمية. ولذلك ، فإن الحفاظ على علاقة قوية مع الدولة الصومالية لا يرتبط فقط بتطوير التعاون الثنائي، وإنما يمكن أن يوفر لمصر حضورًا سياسيًا ومؤسسيًا على الجانب الأفريقي من معادلة باب المندب.كما أن احتمال استخدام الحوثيين ذلك التطور كأداة ضغط ضمن الصراع الأمريكي الإيراني يضيف بُعدًا آخر إلى طبيعة التهديد. فإذا ارتفع مستوى التصعيد بين واشنطن وطهران، فإن حسابات مصر لن تتوقف عند تطورات الصراع في الخليج، وإنما ستمتد إلى احتمال انتقال تداعياته إلى البحر الأحمر. وفي هذه الحالة، تتحول الأزمة من مجرد صراع مرتبط بالساحة اليمنية إلى احتمال توظيف الجغرافيا البحرية للمنطقة كأداة في صراع أوسع، وهو ما يجعل تطورات اليمن مرتبطة بصورة أكبر بحسابات الأمن البحري المصري.
ومن هنا تكتسب الشراكة المصرية الصومالية قيمة تتجاوز التعاون الثنائي التقليدي، لأن بناء قدرات المؤسسات الصومالية، والمشاركة المصرية في بعثة الاتحاد الأفريقي، ودعم توفير تمويل مستدام لها، إلى جانب التعاون الاقتصادي والتنموي، تمثل أدوات يمكن من خلالها تثبيت علاقة مصرية مؤسسية مع الجانب الأفريقي فى منطقة شديدة الحساسية. وفي المقابل، فإن انتقال العلاقات الإسرائيلية مع أرض الصومال إلى ترتيبات أمنية أكثر عمقًا يمكن أن يضيف عنصرًا جديدًا إلى معادلة التنافس على خليج عدن والقرن الأفريقي، وهو ما يجعل الحفاظ على وحدة الدولة الصومالية وقدرتها المؤسسية أكثر ارتباطًا بالحسابات المصرية تجاه أمن البحر الأحمر.
كما يكتسب ملف البحارة المصريين المحتجزين قبالة السواحل الصومالية دلالة إضافية في هذا السياق، لأنه يرتبط بقدرة المؤسسات الصومالية على التعامل مع المصالح المصرية داخل بيئة بحرية تزداد حساسيتها. وبالتالي، فإن معالجة هذا الملف لا تنفصل بصورة كاملة عن بناء الثقة الأمنية بين القاهرة ومقديشو، خاصة إذا اتسعت خلال المرحلة المقبلة مساحة التهديدات البحرية في خليج عدن والبحر الأحمر، إذ أن قدرة المؤسسات الصومالية على التعامل مع هذه الملفات تصبح جزءًا من العلاقة الأمنية الأوسع بين البلدين.
تشهد إثيوبيا استمرار تصاعد المواجهات بين قوات تيغراي والجيش الإثيوبي، بالتزامن مع سيطرة قوات الإقليم على مطارات ميكيلي وأكسوم وشيري، وامتداد الاشتباكات إلى مناطق حدودية في إقليم عفر. ويأتي ذلك بالتوازي مع إعلان جبهة تحرير شعب تيغراي تشكيل تحالف مع ست مجموعات مسلحة معارضة.
ميدانيا : تعكس السيطرة على ثلاثة مطارات في وقت واحد قدرة قوات تيغراي على تحقيق مكاسب ميدانية، فإن أهمية التطور لا تتمثل في فقدان الحكومة الفيدرالية لهذه المواقع فقط، وإنما في تزامن ذلك مع انتقال المواجهات إلى إقليم عفر وتشكيل تحالف يضم فصائل مسلحة من أقاليم مختلفة. وفي هذه الحالة، تنتقل المشكلة التي تواجه أديس أبابا من محاولة استعادة مواقع داخل تيغراي إلى اختبار قدرتها على منع تشكل بيئة عملياتية متعددة الجبهات، يمكن فيها للقوى المناوئة للمركز استغلال انشغال الجيش في جبهة لفتح جبهة أخرى. ومن ثم، فإن اتساع نطاق المواجهة لا يقاس فقط بعدد المناطق التي تنتقل إليها الاشتباكات، وإنما بقدرة هذه القوى على توزيع الضغط العسكري بما يفرض على المركز التعامل مع أكثر من تهديد في الوقت نفسه.ويكتسب هذا التحول أهمية أكبر مع دخول فصائل من أقاليم مختلفة في تحالف واحد، لأن المشكلة بالنسبة للحكومة لن تعود مرتبطة بقوة فصيل واحد داخل إقليم محدد، وإنما بإمكانية تشكل شبكة من مراكز القوة المسلحة التي تستطيع التحرك بصورة متزامنة ضد المركز. فإذا استمر هذا التحالف في الحفاظ على تماسكه، فقد يتحول الصراع من تمرد إقليمي محدود إلى ضغط موزع جغرافيًا على الحكومة الفيدرالية.
وفي هذا السياق ، يصبح توزيع القوات والموارد بين الأقاليم عاملًا حاسمًا، إذ قد تجد أديس أبابا نفسها مضطرة إلى التحرك وفق أولويات متغيرة بدل امتلاك زمام المبادرة، وهو ما يمنح قوى الإقاليم مساحة أكبر لفرض وقائع ميدانية يمكن تحويلها لاحقًا إلى نفوذ سياسي.كما أن عودة القتال تشير إلى تراجع قدرة اتفاق السلام على تنظيم العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وتيغراي، بعدما انتقل الخلاف من مستوى سياسي وقانوني إلى إعادة اختبار ميزان القوة على الأرض. ولا تكمن المشكلة هنا في استمرار المواجهات العسكرية فقط، وإنما في أن استمرار امتلاك الأقاليم لقوى مسلحة قادرة على تحدي المركز يضع نموذج الحكم الفيدرالي نفسه أمام اختبار عملي. فكلما ازدادت قدرة الأقاليم على امتلاك أدوات ضغط مستقلة، تراجعت قدرة الحكومة على إدارة الدولة من خلال المؤسسات المركزية وحدها، وأصبحت مضطرة إلى التعامل مع مراكز قوة محلية تمتلك القدرة على فرض تكاليف عسكرية وسياسية على المركز. ووفقا لذلك فإن أي رد عسكري واسع من أديس أبابا قد يحقق هدف احتواء جبهة معينة، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يستهلك جزءًا أكبر من قدرتها على إدارة بقية الأقاليم والحدود.وبالتاي ، فإن المعضلة لا تتمثل فقط في قدرة الجيش الإثيوبي على خوض المواجهة، وإنما في قدرته على الحفاظ على مستوى كافٍ من الانتشار والسيطرة يمنع انتقال الصراع من جبهة إلى أخرى. وإذا أصبحت الحكومة مضطرة إلى توزيع قواتها بصورة مستمرة بين تيغراي وعفر ومناطق أخرى، فإن قدرتها على الاحتفاظ بالمبادرة ستصبح أكثر ارتباطًا بقدرتها على إدارة الموارد وتحديد الأولويات، وليس فقط بميزان القوة العسكرية المباشرة.
إقليميا : تزامن التصعيد في تيغراي مع استمرار الحرب السودانية، فإن الحدود الإثيوبية السودانية سوف تدخل في بيئة أمنية أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع تعدد القوى المسلحة وتراجع قدرة الحكومات المركزية على ضبط جميع مناطقها. ولا يعني ذلك وجود تحرك إثيوبي مباشر تجاه الأراضي السودانية، وإنما أن ضعف السيطرة المركزية يمكن أن يفتح المجال أمام تحركات محلية أو أمنية لا تتطابق بالضرورة مع حسابات القيادة السياسية. وفي ظل الاتهامات السودانية بوجود توجهات إثيوبية للسيطرة على أراضٍ سودانية وفقا لتصريحات رئيس أركان الجيش السوداني ياسر العطا ، فإن اتساع الأزمة داخل إثيوبيا يرفع حساسية أي تحرك على الحدود، وتكتسب استمرار الحرب السودانية أهمية إضافية لأن تداخل الصراعين يمكن أن يخلق بيئة تتقاطع فيها الحسابات الإثيوبية الداخلية مع مسارات الصراع داخل السودان. فإذا اضطرت أديس أبابا إلى نقل جزء من مواردها العسكرية بين عدة مناطق لمواجهة الضغوط الداخلية، فإن قدرتها على تأمين المناطق الحدودية ستصبح مرتبطة بصورة أكبر بأولوياتها العملياتية الداخلية. وبالتالي، قد تظهر فجوات في السيطرة أو الاحتواء يمكن أن تستغلها أطراف مختلفة داخل المشهدين الإثيوبي والسوداني.
ومن ثم، فإن أهمية التطور بالنسبة للقاهرة لا ترتبط فقط بما يحدث داخل تيغراي، وإنما بما يمكن أن ينتج عنه من تغير في قدرة الدولة الإثيوبية على إدارة حدودها وملفاتها الإقليمية في الوقت نفسه. فكلما اتسع نطاق المواجهة الداخلية، ازدادت صعوبة توزيع الموارد بين احتواء التمرد وتأمين المناطق الحدودية وإدارة الملفات الخارجية، وهو ما يجعل البيئة المحيطة بالسودان والقرن الأفريقي أكثر حساسية بالنسبة للقاهرة.ويمتد هذا التعقيد إلى قدرة الحكومة الإثيوبية على إدارة الملفات الاستراتيجية، وفي مقدمتها سد النهضة. ولا يعني ضعف المركز بالضرورة تراجع الموقف الإثيوبي من السد، وإنما قد يدفع القيادة إلى التعامل معه باعتباره أحد رموز السيادة الوطنية وأداة يمكن توظيفها للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة الضغوط. وفي هذه الحالة، قد يصبح الملف الخارجي مرتبطًا بدرجة أكبر بحسابات الداخل، بحيث تتحول القضايا السيادية إلى أدوات للحفاظ على شرعية الحكومة وتماسك الدولة، بدل أن تكون مجرد ملفات تفاوضية منفصلة عن الصراع الداخلي.وفي المقابل، فإن استمرار الحرب وتعدد الجبهات سيستهلك جزءًا من الموارد السياسية والعسكرية للحكومة، ويحد من قدرتها على إدارة الملفات الخارجية.
وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا إذا تزامن الاضطراب الداخلي مع تنامي اعتماد أديس أبابا على علاقاتها الخارجية، ومنها التقارب مع إسرائيل، لتعويض الضغوط التي تواجهها داخليًا. فإذا ارتفعت حاجة الحكومة إلى دعم خارجي سياسي أو اقتصادي أو أمني، فقد تصبح علاقاتها الخارجية جزءًا من آلية إدارة الأزمة الداخلية، وهو ما يجعل قراءة تحركاتها الإقليمية أكثر ارتباطًا بطبيعة الضغوط التي تواجهها داخل الدولة.وبذلك، فإن التحدي بالنسبة لمصر لا يتمثل بالضرورة في تغير السياسة الإثيوبية تجاه سد النهضة، وإنما في انتقال القرار الاستراتيجي الإثيوبي إلى بيئة داخلية أكثر اضطرابًا، يصبح فيها الحفاظ على النظام وتماسك الدولة جزءًا من حسابات إدارة الملفات الخارجية. وكلما اتسعت الفجوة بين امتلاك المركز للسيطرة القانونية على الدولة وقدرته الفعلية على ضبط الأقاليم والحدود، أصبحت تقديرات السلوك الإثيوبي في ملفات السد والسودان والعلاقات الإقليمية أكثر تعقيدًا، وأقل قابلية للتنبؤ.
المصادر :
- الوثيقة الوطنية المشتركة بين المجلس الأعلى للدولة والأحزاب السياسية بشأن مخرجات لجنة 4+4 والمسار الانتخابي .
- بيان وزارة الخارجية المصرية .
- https://www.iranintl.com/ar/202607237995?utm_source=gemini&hl=ar-EG
- https://www.mc-doualiya.com/%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7/20260923-%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D9%8A%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D9%8A-%D8%AA%D8%B3%D9%8A%D8%B7%D8%B1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%B7%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%87%D9%84-%D8%AF%D8%AE%D9%84%D8%AA-%D8%A5%D8%AB%D9%8A%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D9%86%D9%82%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D9%86%D8%AD%D9%88-%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A9




