د/محمد أحمد صالح
مقدمة
تكشف التطورات الأمنية الأخيرة في الخليج والمنطقة عن بيئة عملياتية لم تعد فيها الحدود الجغرافية وحدها كافية لتحديد مصدر الخطر أو مساره. فقد تعرضت دول خليجية، ومؤخرًا محيط مدينة مكة واتحمله من دلالات دينية للمسلمين، لهجمات نُسبت إلى إيران أو إلى أذرع وجماعات مرتبطة بها، وأثارت هذه الوقائع إدانات عربية وإسلامية واسعة، مع بقاء بعض التفاصيل المتعلقة بالجهة المنفذة موضع روايات متباينة. وفي حالة مكة تحديدًا، نسبت السعودية الهجوم إلى الحوثيين، بينما نفى الحوثيون استهداف المدينة المقدسة. وفي هذا السياق، تبرز أهمية ما كشفته صحيفة «يديعوت أحرونوت» في ملحق «7 أيام» في 4 سبتمبر 2026م عن الوحدة 5700، القادرة على إنشاء مهابط جوية مؤقتة والعمل بعيدًا عن القواعد التقليدية، بما في ذلك، وفق الصحيفة، احتمال تورطها في مواقع داخل الصحراء العراقية حسب التقارير الأجنبية. ومن هنا يطرح الكشف سؤالًا استراتيجيًا يتجاوز قدرات الوحدة ذاتها: هل أصبحت إسرائيل قادرة على نقل بنيتها الجوية إلى داخل مسارح بعيدة، ما يتيح لها التأثير في ساحات عربية وإسلامية من دون امتلاك قواعد دائمة فيها؟ ويكتسب هذا السؤال حساسية أكبر في ضوء هشاشة الثقة الإقليمية واحتمال توظيف عمليات غامضة لإحداث وقائع تثير الشك والوقيعة بين دول المنطقة.
من غموض الفاعل إلى غموض المكان: عندما تصبح الجغرافيا منصة للعمليات
إذا كانت الهجمات التي طالت بعض دول الخليج ومحيط مكة تكشف جانبًا من التحول في طبيعة الحرب الإقليمية، حيث لم يعد تحديد مصدر الخطر أو الجهة المنفذة أمرًا بسيطًا في ظل تعدد الفاعلين والوكلاء وتداخل ساحات الصراع، فإن الكشف الإسرائيلي عن الوحدة 5700 يضيف بعدًا آخر أكثر ارتباطًا بالجغرافيا نفسها. فالمشكلة لم تعد فقط في معرفة من يطلق الصاروخ أو المسيّرة، وإنما أيضًا في معرفة من أين تعمل القوة التي تقف خلف العملية. وهنا تكتسب القدرة على إنشاء مهبط جوي مؤقت في منطقة بعيدة أهمية استراتيجية استثنائية؛ لأنها تسمح بتحويل مساحة غير معروفة أو غير عسكرية إلى نقطة انطلاق وإمداد وإخلاء خلال فترة قصيرة، ثم تفكيكها ومغادرتها. وبذلك، تنتقل الحرب من مفهوم القواعد الثابتة المعروفة إلى مفهوم البنية العسكرية المتحركة والخفية، حيث يمكن أن يظهر المسرح العملياتي في مكان لا يُنظر إليه أصلًا باعتباره قاعدة جوية.
ومن هذه الزاوية، لا تكمن أهمية التحقيق الذي نشرته “يديعوت أحرونوت” في الكشف عن وحدة إسرائيلية سرية فحسب، بل في إظهار جزء من فلسفة أوسع في بناء القوة الإسرائيلية: تقليص الاعتماد على المنشآت الثابتة، وتوسيع القدرة على العمل خلف خطوط العدو/الخصم، وتحويل الأرض نفسها إلى بنية تحتية عسكرية مؤقتة. وإذا وضعت هذه القدرة في سياق التقارير الأجنبية عن مواقع إسرائيلية سرية داخل العراق خلال العمليات ضد إيران، فإنها تفتح سؤالًا استراتيجيًا يتجاوز حدود الوحدة 5700: هل تتجه إسرائيل إلى بناء قدرة تمكنها من نقل القاعدة الجوية إلى داخل مسرح العمليات بدل الاكتفاء بالعمل انطلاقًا من قواعدها التقليدية؟
وهنا تحديدًا تبدأ أهمية الوحدة 5700؛ ليس باعتبارها مجرد وحدة متخصصة في تجهيز مهابط للطائرات، وإنما باعتبارها جزءًا من تحول أوسع في مفهوم المدى الجوي الإسرائيلي: من طائرة تستطيع الوصول إلى مكان بعيد، إلى قوة تستطيع أن تنشئ في ذلك المكان، ولو مؤقتًا، الحد الأدنى من البنية التي تسمح لها بالبقاء والعمل والعودة. وهذا التحول يجعل المسافة أقل أهمية، ويجعل السؤال المركزي في الحرب بعيدة المدى ليس فقط: إلى أي مدى تستطيع الطائرة أن تطير؟ وإنما أين تستطيع إسرائيل أن تجعلها تهبط؟
تقرير “يديعوت أحرونوت”
تكشف المعلومات التي ظهرت في التحقيق المنشور- في “يديعوت أحرونوت” ملحق “7 أيام” بعنوان “לוחמי יה”ק, מהיחידות החשאיות בחיל האוויר, מספרים כל מה שמותר על הפעילות מעבר לקווי האויב مقاتلو وحدة الإنزال الأمامي، إحدى الوحدات السرية في سلاح الجو، يروون كل ما يُسمح بكشفه عن نشاطها خلف خطوط العدو” (https://www.ynet.co.il/news/article/yokra14876238) أعده يوآف كيرين ونشر في 4سبتمبر 2026م- عن واحدة من أكثر القدرات الإسرائيلية دلالة على تطور مفهوم الحرب بعيدة المدى: الوحدة 5700، أو “وحدة الإنزال الأمامي” (יחידת ההנחתה הקדמית-יה”ק)، وهي وحدة صغيرة تابعة للقوات الخاصة في سلاح الجو الإسرائيلي، تتمثل وظيفتها في تحويل مساحات لا تمتلك بنية جوية إلى مهابط قابلة للاستخدام العسكري.
أهمية الكشف لا تكمن فقط في أن إسرائيل تمتلك وحدة تستطيع إنشاء مدرج مؤقت في الصحراء أو في أرض وعرة، وإنما في أن هذه القدرة تعيد تعريف المسافة الجغرافية بوصفها عاملًا أقل أهمية في التخطيط العملياتي. فوفق قائد الوحدة، لا توجد حدود جغرافية فعلية لقدرتها؛ القيد الأساسي هو طبيعة الأرض ومدى صلاحيتها للهبوط.
وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية الحقيقية: إسرائيل لا تحتاج بالضرورة إلى امتلاك قاعدة جوية دائمة كي تمتلك “قاعدة” في منطقة ما. يكفي أن تتمكن من خلقها وتشغيلها لفترة قصيرة، ثم مغادرتها. هذه القدرة تضع مفهوم “القاعدة الجوية” نفسه أمام تحول مهم: من منشأة ثابتة، ومكلفة، وقابلة للرصد والاستهداف، إلى بنية جوية مؤقتة، وموزعة، ومنخفضة البصمة، وقابلة للإنشاء والتفكيك، ويمكن أن تظهر في مسرح عمليات بعيد ثم تختفي.
ويكتسب هذا الكشف أهمية إضافية في ضوء التقارير الأجنبية خلال 2026م عن إنشاء إسرائيل مواقع جوية سرية في الصحراء العراقية خلال عملياتها ضد إيران. فقد تحدثت تقارير استندت إلى “وول ستريت جورنال” عن قاعدة إسرائيلية سرية في العراق لدعم الحملة الجوية ضد إيران، بينما تحدثت تقارير لاحقة عن موقع ثانٍ.
لكن ينبغي التشديد هنا على أن المصادر المفتوحة لا تثبت بصورة قاطعة أن الوحدة 5700 هي التي أنشأت تلك القواعد العراقية. التحقيق الإسرائيلي يقول إن ذلك “محتمل” إذا صحت التقارير الأجنبية، بينما يصف ضابط في الوحدة عملية فعلية خارج حدود إسرائيل دون تحديد موقعها. ومن ثم، فإن الدلالة الاستراتيجية لا تحتاج إلى إثبات هذه المشاركة تحديدًا؛ فمجرد امتلاك إسرائيل لقدرة مؤسسية على فتح مطار عسكري مؤقت في عمق مسرح العمليات يمثل تحولًا مهمًا في منظومة القوة الجوية الإسرائيلية.
ما الذي كُشف فعليًا؟
نشرت “يديعوت أحرونوت” في 4 سبتمبر 2026م تحقيقًا نادرًا عن وحدة 5700، بعد أن سمحت الرقابة العسكرية بالكشف عن أجزاء من طبيعة عملها. ويصف التحقيق الوحدة بأنها واحدة من أكثر الوحدات سرية في سلاح الجو الإسرائيلي، وأن مهمتها الأساسية تتمثل في إنشاء وتشغيل مهابط أمامية تسمح لطائرات النقل بالعمل في أماكن بعيدة عن القواعد الجوية التقليدية. الوحدة جزء من الجناح السابع للقوات الجوية الخاصة، إلى جانب وحدة القوات الخاصة والاستطلاع ودعم العمليات الجوية التابعة لسلاح الجو “شلداج” ووحدة الإنقاذ والإخلاء الجوي التكتيكي “669”. وتؤكد المصادر الرسمية الإسرائيلية أن الوحدة مسؤولة عن نشر وتجهيز مهابط ترابية في مختلف أنواع التضاريس لاستقبال طائرات النقل التكتيكية.
وتعود نشأة الوحدة إلى ديسمبر 1973م، أي بعد حرب أكتوبر 1973م مباشرة. وتفيد المصادر المفتوحة بأنها تأسست في 10 ديسمبر 1973م، بينما ارتبطت في بداياتها بتشكيلات مهمتها تجهيز وتشغيل مسارات الهبوط. وبذلك، لايدور الحديث عن قدرة جرى تطويرها خلال حرب غزة فقط، وإنما عن بنية مؤسسية عمرها أكثر من نصف قرن.
لماذا تحتاج إسرائيل إلى وحدة من هذا النوع؟
الإجابة تكمن في طبيعة سلاح الجو الإسرائيلي نفسه. إسرائيل تعتمد بصورة كبيرة على التفوق الجوي، وعلى القدرة على نقل القوة إلى مسافات بعيدة، وعلى العمل في بيئات لا تستطيع فيها دائمًا الاعتماد على قواعد حليفة أو منشآت عسكرية ثابتة. لكن القاعدة الجوية التقليدية تحمل مشكلة استراتيجية: كلما كانت ثابتة، كانت أكثر قابلية للرصد. وكلما كانت معروفة، أصبحت هدفًا محتملًا للصواريخ والطائرات المسيّرة والقوات الخاصة.
وهنا تظهر وظيفة الوحدة 5700، وبدل أن يكون السؤال: أين توجد القاعدة الجوية التي ستنطلق منها الطائرات؟ يصبح: أين يمكن إنشاء قاعدة مؤقتة عندما تبدأ العملية؟ هذا التحول جوهري. فالمهبط المؤقت يسمح لسلاح الجو بتحويل الجغرافيا نفسها إلى بنية تحتية عسكرية.
الوحدة 5700 ليست “وحدة بناء مدارج” فقط
من الخطأ اختزال المهمة في إنشاء مدرج ترابي. المصادر الرسمية الإسرائيلية تصف الوحدة بأنها مسؤولة عن تحديد وفحص واعتماد وتشغيل المهابط الأمامية، وليس مجرد تسويتها هندسيًا. وهذا يعني أن الوحدة تؤدي عمليًا وظيفة تقع عند تقاطع أربعة مجالات: الاستطلاع الأرضي، والهندسة الميدانية، والمراقبة الجوية، وإدارة العمليات الجوية في بيئة متقدمة.
وبالتالي، فإن الوحدة تمثل حلقة الوصل بين الطائرة والبيئة الأرضية غير المهيأة للطيران. ولهذا وصف قائدها المهمة بأنها إنشاء الاتصال بين الأرض والجو، ما يسمح لطائرات النقل بالعمل في الأماكن المطلوبة.
من التربة إلى السماء.. علم الأرض في خدمة القوة الجوية
من أكثر الجوانب دلالة في التحقيق الإسرائيلي طبيعة التخصصات داخل الوحدة. هناك فاحص التربة، وهو ليس مهندسًا مدنيًا بالمعنى التقليدي، وإنما متخصص عسكري يستطيع تقدير ما إذا كانت الأرض قادرة على تحمل طائرة نقل ثقيلة. وهنا تظهر مفارقة مهمة: في كثير من العقائد الجوية، يبدأ التخطيط من الطائرة.
أما في مفهوم 5700، فيبدأ جزء من التخطيط من الأرض. فالطائرة الثقيلة لا تستطيع الهبوط لمجرد أن المساحة تبدو مسطحة. هناك أسئلة عن: صلابة السطح، وطبيعة التربة، والعوائق، وطول المسار، وحالة الأرض، والرياح، ونقاط الدخول والخروج، وقدرة الطائرة على الهبوط والإقلاع.
ويصف التحقيق استخدام أدوات بسيطة نسبيًا، منها مجس معدني، وأجهزة تحديد المواقع، إلى جانب وسائل إزالة العوائق، وهذه النقطة لها دلالة استراتيجية أعمق: إسرائيل حولت معرفة ميدانية شديدة التخصص إلى قدرة عملياتية جوية.
“برج المراقبة” الذي يمشي على قدميه
المفهوم الآخر اللافت هو المراقبة الجوية الميدانية، فلا توجد غرفة مراقبة، ولا توجد بالضرورة بنية رادارية، ولا يوجد برج تقليدي، بل يوجد أفراد على الأرض يحملون أجهزة اتصال ومناظير ووسائل رؤية ليلية ويؤدون وظيفة برج مراقبة مؤقت. ويصف أحد أفراد الوحدة هذا المفهوم بأنه أشبه بـ”برج مراقبة متحرك”. وهذا يعكس فلسفة عملياتية كاملة قوامها تقليل الاعتماد على البنية التحتية الثابتة. فالطيران لا ينتظر أن تأتي البنية التحتية؛ بل تقوم القوة الخاصة بإنشاء الحد الأدنى الضروري لكي تبدأ الطائرة بالعمل.
السودان.. أول نموذج استراتيجي واضح
تكتسب عملية “موسى” أهمية خاصة في تاريخ الوحدة. خلال عملية إجلاء اليهود الإثيوبيين عبر السودان في الثمانينيات، قامت الوحدة بتجهيز منطقة هبوط في الصحراء السودانية لاستقبال طائرات النقل. ويؤكد التحقيق الأخير أن الوحدة أعدت مهبطًا لطائرات “هيركولس” في صحراء السودان.
هذه العملية تكشف مبكرًا جوهر العقيدة: لا تحتاج إسرائيل إلى قاعدة جوية دائمة في السودان كي تستخدم المجال السوداني لعملية جوية. يمكنها: الوصول، وتجهيز الأرض، وفتح المهبط، واستقبال الطائرات، وتنفيذ المهمة، ثم مغادرة المكان. هذا هو النموذج الأولي لما يمكن تسميته “القوة الجوية المؤقتة”، أي قوة جوية لا ترتبط ببنية تحتية ثابتة.
بيروت.. عندما تحولت البنية المدنية إلى منصة عسكرية
النموذج الثاني أكثر حساسية سياسيًا وعسكريًا. خلال حرب لبنان الأولى عام 1982م، أسهمت الوحدة في تجهيز وتشغيل مطار بيروت الدولي لاستخدام سلاح الجو الإسرائيلي، إضافة إلى مهابط في مناطق أخرى مثل أنصار ومارون الرأس-محيط مرجعيون ودامور وفق المصادر المفتوحة. وهنا تظهر مرحلة مختلفة من تطور المهمة. في السودان كان المطلوب: خلق مهبط من الصفر، أما في بيروت فكان بالإمكان الاستيلاء على بنية جوية قائمة وإعادة توظيفها عسكريًا. وهذا يوسع وظيفة الوحدة من “إنشاء مطار” إلى “تحويل البنية التحتية الجوية إلى أصل عسكري”. وهو مفهوم شديد الأهمية في أي حرب مستقبلية.
غزة.. من العمليات بعيدة المدى إلى الحرب المستمرة
لم تعد وظيفة الوحدة مقتصرة على العمليات السرية خلف الحدود. وفق التحقيق الإسرائيلي، لعبت الوحدة دورًا بعد هجوم 7 أكتوبر في تمكين طائرات النقل من إنزال قوات تعزيز قرب غلاف غزة، كما أنشأت خلال الحرب مهابط مؤقتة خارج القواعد الجوية التي كانت عرضة للتهديد. وتؤكد المصادر الرسمية الإسرائيلية أن الوحدة توفر مهابط تسمح لطائرات النقل الثقيلة بالعمل في أماكن مختلفة، بما يوفر للقوات البرية طرق وصول بديلة. وهذا يوضح تحولًا مهمًا: الوحدة لم تعد مجرد أداة للعمليات الخاصة بعيدة المدى؛ بل أصبحت جزءًا من منظومة المرونة اللوجستية في الحرب واسعة النطاق.
العراق وإيران.. الحلقة الأكثر حساسية
هنا تقع أهم دلالة استراتيجية في التحقيق. في مايو 2026م، نقلت تقارير عن “وول ستريت جورنال” أن إسرائيل أقامت قاعدة عسكرية سرية في الصحراء العراقية لدعم حملتها الجوية ضد إيران. وقالت مصادر إن الموقع كان مركزًا لوجستيًا، بينما أشارت تقارير لاحقة إلى وجود موقع ثانٍ. كما أشار التحقيق الإسرائيلي الأخير إلى أن “نيويورك تايمز” تحدثت عن قاعدتين، وأن التخطيط لهما بدأ في 2024م. لكن الأهم أن التحقيق الإسرائيلي لا يقول: “الوحدة 5700 أنشأت القواعد العراقية”، بل يقول، بصورة أكثر تحفظًا، إنه إذا صحت التقارير الأجنبية، فمن المعقول أن تكون الوحدة قد شاركت في إنشائها وتشغيلها.
هذه الصياغة مهمة جدًا في أي تحليل استخباري مسؤول. لذلك يمكن تقسيم المعلومات إلى ثلاث درجات:
درجة أولى.. مؤكدة: الوحدة 5700 موجودة، وتقوم بإنشاء وتشغيل مهابط أمامية، ولها تاريخ موثق في السودان ولبنان وغزة.
درجة ثانية .. موثقة إعلاميًا: ظهرت تقارير أمريكية عن قواعد إسرائيلية سرية في العراق مرتبطة بالعمليات ضد إيران.
درجة ثالثة ..تقديرية: احتمال مشاركة الوحدة 5700 في إنشاء أو تشغيل تلك المواقع العراقية. وهذا الاحتمال منطقي عملياتيًا، لكنه لا ينبغي تحويله إلى حقيقة قطعية.
لماذا العراق مهم أكثر من السودان ولبنان؟
السودان وفر لإسرائيل منصة لعملية محدودة، ولبنان وفر منصة قريبة، أما العراق، إذا صحت التقارير، فيمثل شيئًا مختلفًا تمامًا: تحويل العمق العراقي إلى عقدة في حرب جوية ضد إيران. العراق يقع بين إسرائيل وإيران، وهو بالتالي يمكن أن يتحول إلى منطقة عبور، ومنطقة تمركز مؤقت، ومنطقة إنقاذ، وعقدة لوجستية، ومنصة لإسناد عمليات بعيدة المدى. وهذا يقلل بصورة كبيرة المسافة التشغيلية بين القوات الإسرائيلية ومسرح العمليات الإيراني. كما أن الصحراء الغربية العراقية تتميز بمساحات شاسعة وكثافة سكانية منخفضة، وهي ظروف ملائمة نظريًا لإنشاء منشآت مؤقتة منخفضة البصمة. وقد وصفت مصادر نقلت عن خبراء تلك المنطقة بأنها مناسبة لمثل هذه المواقع بسبب اتساعها وقلة سكانها.
من “العمق الاستراتيجي” إلى “العمق المتحرك”
هذه هي النقطة المركزية. تقليديًا، العمق الاستراتيجي يعني المسافة التي تفصل القوات عن قواعدها ومراكزها الحيوية. أما نموذج 5700 فيقترح مفهومًا آخر مفاده أن العمق يمكن أن يُنشأ مؤقتًا داخل مسرح العمليات. أي أن إسرائيل لا تعتمد فقط على العمق الجغرافي الذي تمتلكه، بل تستطيع إنتاج عمق عملياتي مؤقت، وهذا فارق كبير. فإذا كان العمق ثابتًا، يمكن للخصم تحديده، أما إذا كان العمق متحركًا، فإن عملية استهدافه تصبح أكثر تعقيدًا.
قاعدة جوية بلا قاعدة جوية
يمكن تلخيص فلسفة الوحدة في معادلة استراتيجية بسيطة: موقع مناسب، وأمن ميداني، وفحص تربة، وتحديد مسار، ومراقبة جوية، واتصال بالطائرات، مايعني قاعدة جوية مؤقتة. وهذا يعني أن إسرائيل قد لا تحتاج في بعض الحالات إلى إنشاء منشأة عسكرية ضخمة. يكفي توفير الحد الأدنى الضروري للعمليات.
وبالتالي: انخفاض البصمة يعني ارتفاع القدرة على التخفي، وانخفاض التكلفة يعني إمكانية تكرار الانتشار، والمرونة الجغرافية تعني توسيع خيارات التخطيط، وقابلية التفكيك تعني تقليل فرص تعرض المنشأة للاستهداف.
العلاقة مع طائرات النقل
لا يمكن فهم الوحدة 5700 بعيدًا عن طائرات النقل الإسرائيلية. فوظيفتها الأساسية هي جعل طائرات النقل قادرة على الوصول إلى أماكن لا تتوفر فيها بنية مطارية جاهزة. وتشير المصادر إلى استخدام طائرات النقل الثقيلة، ولا سيما طرازات “هيركولس” التي تشمل الطائرات المعروفة في سلاح الجو الإسرائيلي باسم “كرنف” و”شمشون”. وهنا تظهر أهمية الوحدة بالنسبة إلى القوات الخاصة، والقوات البرية، والإمداد، والإخلاء، والتعزيزات، والإنقاذ، والعمليات بعيدة المدى. أي أن الوحدة لا تعمل من أجل الطائرات فقط. إنها تعمل من أجل توسيع مدى القوات البرية التي تستطيع الطائرات نقلها.
الأثر على الحرب متعددة الجبهات
في الحرب متعددة الجبهات، تواجه إسرائيل مشكلة أساسية: القواعد الجوية الثابتة معرضة للصواريخ والمسيّرات. وإذا تعرضت القواعد الرئيسية للشلل الجزئي، يصبح سلاح الجو بحاجة إلى بدائل. هنا تصبح المهابط الأمامية أداة من أدوات المرونة التشغيلية. بدلًا من قاعدة واحدة ضخمة يمكن تصور شبكة من نقاط هبوط صغيرة ومؤقتة. وهذا يجعل تعطيل القوة الجوية الإسرائيلية بالكامل أكثر صعوبة.
دلالة ذلك في حال اندلاع حرب إقليمية واسعة
إذا اندلعت حرب متزامنة مع إيران، ولبنان، وسوريا، وغزة، والعراق فإن قيمة الوحدة ترتفع بصورة كبيرة؛ لأن المشكلة لن تكون فقط في ضرب الأهداف، بل في كيفية نقل القوات والذخائر وفرق الإنقاذ والمعدات بين الجبهات دون الاعتماد الكامل على عدد محدود من القواعد. من هنا يمكن أن يصبح انتشار المهابط المؤقتة جزءًا من استراتيجية “توزيع القوة الجوية”.
الوحدة 5700 أداة لـ”اللامركزية الجوية”
اللامركزية الجوية تعني عدم تركيز العمليات في عدد محدود من القواعد، ويمكن للوحدة أن توفر أحد عناصر هذه اللامركزية: توزيع نقاط الهبوط، وهذا يخلق ثلاث فوائد:
-البقاء: إذا أصيبت قاعدة، توجد بدائل.
-المرونة: يمكن نقل القوات إلى منطقة جديدة.
-الغموض: يصعب على الخصم معرفة أين ستكون نقطة العمليات التالية، وهذه ربما تكون الأكثر أهمية.
الحرب المستقبلية لن تكون فقط حربًا على المطارات
إذا أصبح إنشاء مهبط مؤقت قدرة عملية، فإن استهداف المطارات الثابتة وحدها لن يكون كافيًا. الخصم يحتاج إلى اكتشاف فرق تجهيز المهابط، وعمليات الاستطلاع الميداني، وحركة طائرات النقل، ووسائل الاتصال، والمركبات اللوجستية، ونقاط الهبوط المحتملة. وبذلك تنتقل المواجهة من استهداف القاعدة إلى استهداف منظومة إنشاء القاعدة. وهذا تحول مهم في الاستخبارات العسكرية.
نقطة الضعف الأساسية.. ليست الطائرة بل الأرض
المفارقة أن أكبر قوة في الوحدة يمكن أن تكون أيضًا أكبر نقطة ضعف. قائد الوحدة نفسه قال إن العامل المحدد هو طبيعة الأرض، وهذا يعني أن القدرة ليست مطلقة. فهناك عوامل مثل التضاريس، والأمطار، وطبيعة التربة، والعوائق الطبيعية، والارتفاع، والرياح، والحرارة، والمساحة المتاحة، وإمكانية حماية الموقع. وبالتالي، فإن امتلاك القدرة على إنشاء مهبط لا يعني القدرة على إنشائه في أي مكان وفي أي وقت.
الحرب الإلكترونية والاتصالات
كلما أصبح المهبط الأمامي أكثر اعتمادًا على الاتصالات، أصبح الاتصال نفسه هدفًا. المراقب الجوي الميداني يحتاج إلى التواصل مع الطائرة، والطائرة تحتاج إلى معرفة موقع المهبط، والوحدة تحتاج إلى تنسيق العمليات. وبالتالي، فإن نجاح هذه المنظومة في حرب حقيقية يعتمد أيضًا على الاتصالات الآمنة، والملاحة، وإدارة الطيف الكهرومغناطيسي. وهنا تتقاطع الوحدة 5700 مع الحرب الإلكترونية والاستخبارات والمسيّرات.
المسيّرات تضيف طبقة جديدة
يكشف التحقيق أن أفراد الوحدة يستخدمون الطائرات المسيّرة أيضًا في حماية المهبط، وهذا تطور مهم؛ لأن المهبط المؤقت لا يمكن حمايته بواسطة بنية دفاعية كبيرة. لذلك يمكن للمسيّرة أن تؤدي وظائف مثل مراقبة محيط المهبط، واكتشاف حركة غير متوقعة، وفحص المنطقة، وتوفير صورة جوية سريعة، ودعم أمن عمليات الإقلاع والهبوط. وبذلك يصبح المهبط نفسه نظامًا شبكيًا صغيرًا وليس مجرد قطعة من الأرض.
العلاقة بين 5700 و”شلداج” و669
وجود الوحدات الثلاث تحت الجناح السابع ليس مجرد ترتيب إداري، إنه يعكس تكاملًا عملياتيًا بين:
شلداج: العمليات الخاصة والاستطلاع والعمل خلف خطوط الخصم.
669: البحث والإنقاذ القتالي.
5700: تهيئة المجال الجوي والهبوط.
هذه المنظومة تنتج قدرة مركبة: الوصول، والاستطلاع، وإنشاء نقطة جوية، وإدخال القوة، وإخلاؤها عند الحاجة. ولهذا فإن الوحدة 5700 لا ينبغي تحليلها باعتبارها وحدة هندسية منفصلة، بل باعتبارها جزءًا من منظومة القوات الخاصة الجوية الإسرائيلية.
القيمة الاستراتيجية للوحدة “فتح المجال”
يمكن وصف الدور الاستراتيجي للوحدة بكلمة واحدة: “الفتح”، فهي تفتح الأرض أمام الطائرة، والمجال أمام القوات، والطريق أمام الإمداد، والخيارات أمام القيادة. وهذا يجعلها من الوحدات التي تضاعف قدرات وحدات أخرى. فهي ليست بالضرورة القوة التي تنفذ الضربة، لكنها قد تكون القوة التي تجعل تنفيذ الضربة أو إدخال القوات ممكنًا أصلًا.
لماذا ظل وجودها سريًا نسبيًا طوال عقود؟
هناك ثلاثة أسباب استراتيجية محتملة:
أ-طبيعة المهمة: كشف كيفية إنشاء مهابط خلف خطوط الخصم يكشف جزءًا من طرق عمل العمليات الخاصة.
ب-قابلية الاستخدام في ساحات متعددة: الوحدة ليست مرتبطة بجبهة واحدة.
جـ-الغموض: كلما قل ما يعرفه الخصم عن قدرة إسرائيل على إنشاء قواعد مؤقتة، زادت قيمة هذه القدرة، وهذا يفسر لماذا بقيت الوحدة أقل شهرة من “شلداج” و”669″ رغم أن وجودها يعود إلى 1973م.
المفارقة بين السرية والإعلان
المثير أن نشر التحقيق نفسه يمكن أن يُقرأ بطريقتين: الأولى كشف محدود ومدروس لقدرة عسكرية قائمة منذ عقود، والثانية رسالة ردع غير مباشرة إلى الخصوم. فالقول إن الوحدة تستطيع الوصول إلى أي مكان تقريبًا، وإنها تعمل خارج الحدود، يحمل رسالة ضمنية: المجال الجغرافي لم يعد ضمانة كافية ضد قدرة إسرائيل على الوصول. وهذا خطاب ردعي أكثر منه مجرد تقرير صحفي.
الرسالة إلى إيران
إذا أخذنا العراق في الاعتبار، تصبح الرسالة الإيرانية أكثر وضوحًا. فالمسألة ليست فقط قدرة إسرائيل على إرسال مقاتلات بعيدة المدى. بل القدرة على إقامة بنية عملياتية مؤقتة في الطريق أو بالقرب من مسرح العمليات. وهذا يوسع خيارات الإسناد، والإنقاذ، والنقل، وإعادة التموضع، والعمليات الخاصة. وفي الحرب الطويلة، يمكن أن تكون هذه القدرة أكثر أهمية من الضربة الأولى نفسها.
الرسالة إلى لبنان وسوريا
في لبنان وسوريا، تكمن القيمة في القرب الجغرافي. فإذا كانت الوحدة قد استخدمت مطار بيروت في 1982م، فإن التاريخ العملياتي يقدم نموذجًا مبكرًا لكيفية دمج بنية جوية قائمة في منظومة عسكرية. لكن الدرس الأهم ليس تكرار تجربة 1982م، بل القدرة على استغلال أي بنية جوية متاحة بسرعة إذا تغيرت السيطرة أو البيئة الأمنية.
السودان يوضح البعد الاستخباراتي والسياسي
“عملية موسى” تبرز جانبًا آخر، فإنشاء مهبط في السودان لم يكن عملية عسكرية تقليدية ضد جيش سوداني، فقد كان جزءًا من عملية سرية ذات أهداف إنسانية/استخباراتية/لوجستية معقدة. وهذا يعني أن قدرة 5700 يمكن أن تخدم عمليات ذات طبيعة مختلفة جدًا: عسكرية، واستخباراتية، وإنقاذية، ولوجستية، وإخلاء. وهذا يزيد قيمتها الاستراتيجية.
“مطار في حقيبة” كتصور استشرافي
يمكن وصف الفلسفة المستقبلية للوحدة مجازًا بأنها “مطار في حقيبة”، فليس المقصود مطارًا كاملًا، وإنما القدرة على تحويل أرض غير مجهزة إلى نقطة طيران قابلة للعمل خلال فترة قصيرة. وهذا المفهوم قد يصبح أكثر أهمية في العقد المقبل مع تطور طائرات النقل، والطائرات غير المأهولة، وأنظمة الملاحة، والاتصالات الآمنة، والذكاء الاصطناعي، والاستطلاع الفضائي.
الذكاء الاصطناعي قد يغير وظيفة فاحص التربة
اليوم يعتمد جزء من المهمة على خبرة الإنسان. لكن مستقبلًا يمكن دمج صور الأقمار الصناعية، والخرائط الطبوغرافية، وبيانات التربة، ونماذج الطقس، والتضاريس، وبيانات الطائرات السابقة في منظومة واحدة قادرة على اقتراح أفضل مواقع الهبوط المحتملة.
وبالتالي يمكن أن يتحول “فاحص التربة” من شخص يبحث عن المكان إلى شخص يتحقق ميدانيًا من توصية تنتجها منظومة تحليلية متقدمة. وهذا من المجالات التي يمكن أن تزيد سرعة فتح المهابط.
حرب الأقمار الصناعية ضد المهبط المؤقت
لكن التكنولوجيا نفسها تعمل في الاتجاه المعاكس، فإذا كانت إسرائيل قادرة على إنشاء مهبط بسرعة، فإن الأقمار الصناعية التجارية والعسكرية قادرة أيضًا على البحث عن تغيّر في لون الأرض، وخطوط مستقيمة جديدة، وآثار مركبات، وتجمعات بشرية، وتغيرات حرارية، ونشاط لوجستي.
وهكذا تصبح المعركة “من يستطيع أن يكتشف الآخر أولًا؟”، إسرائيل تحاول جعل المهبط مؤقتًا وغير واضح، والخصم يحاول تحويل صور الأقمار الصناعية إلى أداة إنذار مبكر.
المهبط المؤقت هدف استراتيجي
إذا أصبح الخصم مقتنعًا بأن إسرائيل تستخدم مهابط مؤقتة، فمن المتوقع أن تصبح هذه المواقع أهدافًا. لكن استهدافها ليس بسيطًا. فالمهبط صغير، ومؤقت، ومتغير قد يستخدم لساعات فقط. وبالتالي، فإن قيمة الهجوم عليه تنخفض إذا لم يتم اكتشافه في الوقت المناسب. وهذه إحدى أهم مزايا المفهوم.
التحدي أمام الدفاع الجوي
الدفاع الجوي التقليدي مصمم أساسًا لحماية قواعد، ومدن، ومنشآت، ومراكز قيادة. لكن كيف تحمي مهبطًا يستخدم لبضع ساعات؟ هذا السؤال يخلق مشكلة جديدة. فالخصم قد يعرف أن إسرائيل تستخدم نقاط هبوط أمامية، لكنه لا يعرف بالضرورة أي نقطة ستكون نشطة في الساعة التالية.
التأثير على العقيدة الإسرائيلية
يكشف مسار الوحدة منذ 1973م حتى 2026م عن تطور تدريجي:
المرحلة الأولى: الاستعداد للحروب الإقليمية.
المرحلة الثانية: العمل خلف خطوط الخصم.
المرحلة الثالثة: العمليات السرية بعيدة المدى.
المرحلة الرابعة: دعم القوات الخاصة.
المرحلة الخامسة: المرونة في حرب متعددة الجبهات.
المرحلة السادسة: إنشاء بنية جوية مؤقتة في العمق.
وهذا يعني أن الوحدة تطورت من قدرة تكتيكية إلى أداة من أدوات الاستراتيجية العملياتية.
لماذا يعد هذا الكشف مهمًا الآن؟
التوقيت بالغ الأهمية، فالتحقيق يأتي في 2026، بعد سلسلة من التطورات التي نقلت العمليات الإسرائيلية من غزة ولبنان إلى سوريا والعراق وإيران. هذا الاتساع الجغرافي يفرض على إسرائيل مشكلة لوجستية جديدة. كلما اتسع مسرح الحرب، ازدادت الحاجة إلى بنية جوية مرنة خارج الحدود. من هنا يبدو الكشف عن الوحدة 5700 متزامنًا مع مرحلة توسع جغرافي في مفهوم العمليات الجوية الإسرائيلية.
الاستشراف حتى 2030م
يمكن تصور خمسة اتجاهات رئيسية:
الاتجاه الأول.. زيادة الاعتماد على المهابط المؤقتة: كلما زادت دقة الصواريخ والمسيّرات، ستزداد قيمة توزيع البنية الجوية.
الاتجاه الثاني.. دمج المهابط مع المسيّرات: ستتحول بعض المهابط إلى عقد جوية صغيرة تجمع النقل والطائرات غير المأهولة والاستطلاع.
الاتجاه الثالث.. أتمتة تقييم الأرض: الذكاء الاصطناعي سيقلل الوقت اللازم لتحديد المواقع المناسبة.
الاتجاه الرابع.. تصاعد حرب كشف المواقع: ستصبح الأقمار الصناعية والاستطلاع الإلكتروني أدوات أساسية للبحث عن المهابط.
الاتجاه الخامس.. انتقال المفهوم إلى وحدات أخرى: قد يصبح “المهبط الأمامي” عنصرًا طبيعيًا في العمليات العسكرية الحديثة، وليس قدرة إسرائيلية استثنائية فقط.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول.. استمرار الغموض: تبقى إسرائيل قادرة على استخدام مهابط مؤقتة دون الكشف عن مواقعها. احتمال تحققه مرتفع.
السيناريو الثاني.. انتشار نموذج المهابط في الحرب الإقليمية: تستخدم إسرائيل عدة مهابط في أكثر من مسرح خلال الحرب نفسها.
السيناريو الثالث.. نجاح الخصوم في بناء منظومة كشف: تؤدي الأقمار الصناعية والمسيّرات
والاستخبارات البشرية إلى تقليص فعالية المهابط المؤقتة. احتمال تحققه متوسط
السيناريو الرابع.. تحول المهبط المؤقت إلى “قاعدة هجينة”: يتم الجمع بين مهبط مؤقت، ومسيّرات، واتصالات، وفرق خاصة، وقدرات إنقاذ وإمداد. احتمال تحققه مرتفع على المدى المتوسط
نقاط القوة والضعف الاستراتيجية
| العنصر | نقاط القوة | نقاط الضعف |
| السرية | صعوبة اكتشاف الموقع مبكرًا | الاعتماد على الغموض |
| الحركة | القدرة على تغيير المواقع | صعوبة حماية كل موقع |
| الجغرافيا | العمل خارج القواعد | الاعتماد على صلاحية الأرض |
| اللوجستيات | توسيع مدى طائرات النقل | الحاجة إلى تأمين مستمر |
| العمليات الخاصة | دعم القوات خلف الخطوط | ارتفاع المخاطر البشرية |
| المسيّرات | تحسين الاستطلاع والحماية | قابلية التشويش والاستهداف |
| الأقمار الصناعية | تساعد في اختيار المواقع | تساعد الخصم أيضًا على اكتشافها |
الدلالة بالنسبة إلى الجيوش العربية
الدلالة الأساسية ليست محاولة تقليد الوحدة 5700 حرفيًا، بل إدراك أن القواعد الجوية الثابتة لم تعد وحدها كافية في الحرب الحديثة. فالدول التي تعتمد على عدد قليل من المطارات العسكرية تواجه خطرًا متزايدًا من الصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، والمسيّرات، والتخريب، والحرب الإلكترونية.
لذلك فإن مفهوم “الانتشار الجوي المرن” يصبح ذا أهمية متزايدة. ويشمل ذلك مهابط بديلة، وقواعد موزعة، وطائرات قادرة على العمل من مدارج أقل تجهيزًا، ووحدات متخصصة في تجهيز المواقع، وأنظمة قيادة متنقلة.
الدرس الأهم للعقيدة العسكرية العربية
الدرس ليس “إسرائيل تمتلك وحدة سرية” بل إسرائيل بنت مؤسسة كاملة لتقليل اعتماد القوة الجوية على البنية التحتية الثابتة، وهذا أكثر أهمية؛ لأن أي جيش يستطيع إنشاء وحدة هندسية. لكن بناء ثقافة عملياتية تربط الاستطلاع، والقوات الخاصة، والنقل الجوي، والمراقبة، والاتصالات، والإنقاذ، واللوجستيات أكثر تعقيدًا.
الخاتمة
تكشف قصة الوحدة 5700 عن جانب بالغ الأهمية من التحول في القوة الجوية الإسرائيلية. فإسرائيل لا تطور فقط طائرات بعيدة المدى، وصواريخ دقيقة، وأنظمة دفاع جوي، وقوات خاصة. إنها تطور أيضًا القدرة على تغيير البيئة التي تعمل فيها هذه الوسائل. وهذا هو جوهر الوحدة.
فمنذ صحراء السودان في عملية موسى، مرورًا بمطار بيروت في 1982م، وصولًا إلى المهابط التي استخدمت بعد 7 أكتوبر، ثم العمليات بعيدة المدى في العقد الحالي، يظهر مسار واضح: من الوصول إلى المكان إلى تحويل المكان نفسه إلى منصة عمليات.
وإذا صحت التقارير الأجنبية بشأن القواعد الإسرائيلية المؤقتة في العراق، فإن التطور يصبح أكثر أهمية: فإسرائيل لا تكتفي بإيصال طائراتها إلى مسرح بعيد، وإنما تسعى إلى إنشاء بنية تحتية عسكرية مؤقتة داخل المسرح نفسه. أما نسبة إنشاء تلك المواقع إلى الوحدة 5700 تحديدًا فما تزال، وفق المصادر المفتوحة، في نطاق الترجيح وليست حقيقة مثبتة.
وبذلك فإن الوحدة 5700 تمثل نموذجًا مبكرًا لما قد تصبح عليه الحرب الجوية في العقد المقبل: القوة الجوية لن تكون مرتبطة بالقاعدة؛ القاعدة نفسها ستصبح قابلة للانتقال. وهنا تكمن الرسالة الاستراتيجية الأهم في الكشف وهي أن إسرائيل تحاول تحويل الجغرافيا من قيد على القوة الجوية إلى مورد للقوة الجوية. فالمسافة لم تعد بالضرورة هي المشكلة.
السؤال المستقبلي لن يكون فقط: إلى أي مدى تستطيع الطائرة الإسرائيلية أن تطير؟ بل: أين تستطيع إسرائيل أن تجعل الطائرة تهبط، ولو لساعات قليلة، ثم تقلع من جديد؟ وهذا السؤال، أكثر من قصة الوحدة السرية ذاتها، هو ما يجعل الكشف عن5700 مهمًا لفهم العقيدة الإسرائيلية للحرب بعيدة المدى حتى عام 2030م وما بعده.

