Close Menu
مركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيممركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيم
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام يوتيوب RSS
    أحدث المنشورات
    • علاقات المصرية الإسرائيلية في العقد المقبل (سلام استراتيجي وخلاف سياسي وتعاون اقتصادي)
    • جيوسياسية التسليح والتدفقات الماليّة: خلفيات الدعم العسكري الإماراتي لأديس أبابا وانعكاساته على توازنات القرن الأفريقي
    • من التمثيل إلى التأثير.. الأحزاب الفلسطينية في الداخل في انتخابات 2026م
    • إسرائيل المقبلة بعيون عربية.. من سؤال الحاكم إلى سؤال السياسات
    • من العمق الاستراتيجي إلى “العمق المتحرك.. الوحدة 5700 الإسرائيلية تعيد تعريف الحرب الجوية بعيدة المدى
    • حرب الروايات: قراءة في خطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة 2026
    • نتنياهو في الأمم المتحدة 2026م العالم يغادر القاعة ونتنياهو يخاطب الناخب الإسرائيلي
    • استراتيجية مائة يوم بعد الانتخابات لإنقاذ إسرائيل من الانهيار الداخلي
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام يوتيوب RSS
    الأربعاء, 30 سبتمبر
    مركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيممركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيم
    • الرئيسية
    • الوحدات البحثية
      • وحدة الدراسات الإسرائيلية و الفلسطينية
      • وحدة الدراسات الأفريقية
      • وحدة الدراسات الإيرانية
      • وحدة الدراسات التركية
    • برامج تدريبية
    • إصدارات المركز
      • النشرات الإلكترونية
      • مجلات
    • فعاليات
      • ندوات
    • مكتبة الوسائط
      • مكتبة الصوتيات
      • مكتبة الصور
      • مكتبة الفيديو
    • روابط هامة
    • عن المركز
      • إتصل بنا
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام يوتيوب RSS
    لإدراج دراسة
    مركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيممركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيم
    الرئيسية » مقاالت مختارة » علاقات المصرية الإسرائيلية في العقد المقبل (سلام استراتيجي وخلاف سياسي وتعاون اقتصادي)
    تحليلات /تقدير موقف إسرائيلي

    علاقات المصرية الإسرائيلية في العقد المقبل (سلام استراتيجي وخلاف سياسي وتعاون اقتصادي)

    د. محمد صالحبواسطة د. محمد صالح30 سبتمبر، 2026لا توجد تعليقات
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr واتساب البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن واتساب بينتيريست البريد الإلكتروني

     

    د/محمد أحمد صالح

    تبحث الورقة في مستقبل إسرائيل من منظور المصالح والأمن القومي المصري، انطلاقاً من أن العلاقة بين البلدين ستظل محكومة بمعادلة تجمع بين السلام الرسمي والتعاون العملي من جهة، والتنافس حول غزة وفلسطين وترتيبات الإقليم من جهة أخرى. وتوضح أن المصالح المصرية والإسرائيلية تتقاطع في الحفاظ على أمن الحدود ومنع الفوضى والإرهاب وحماية استقرار سيناء، كما يمكن أن يتوسع التعاون في الطاقة والتجارة والسياحة والنقل والوساطة الإقليمية. وفي المقابل، تظهر نقاط اختلاف جوهرية عندما تتعارض السياسات الإسرائيلية في غزة والضفة والقدس مع المصالح المصرية، خصوصاً في قضايا التهجير، والسيطرة العسكرية طويلة الأمد، ومستقبل غزة، وأمن الحدود، ومستقبل القضية الفلسطينية. وتخلص الورقة إلى أن مصر ستتعامل مع إسرائيل المقبلة وفق سياسة براجماتية تقوم على الحفاظ على معاهدة السلام، وإدارة الخلافات، وتوسيع مجالات التعاون التي تخدم الأمن والتنمية، مع استخدام الأدوات الدبلوماسية والسياسية لمنع التطورات التي تمس الأمن القومي المصري مباشرة. وتنسجم هذه المقاربة مع إعلان الخارجية المصرية أن أمن الحدود والنزاعات المحيطة والأمن الإقليمي من أولويات الأمن القومي المصري.

    السؤال الذي ينبغي أن تبدأ منه الورقة

    السؤال المصري لم يعد: هل مصر وإسرائيل في حالة سلام أم لا؟ فهذا السؤال حُسم قانونياً وسياسياً منذ معاهدة السلام عام 1979م. السؤال الأكثر أهمية الآن هو: أي إسرائيل ستواجهها مصر خلال العقد المقبل، وكيف ستتوافق إسرائيل أو تتعارض مع المصالح الحيوية للأمن القومي المصري؟. فهناك فرق بين إسرائيل باعتبارها دولة تربطها بمصر معاهدة سلام، وإسرائيل باعتبارها قوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية إقليمية قادرة على التأثير في غزة والضفة والبحر الأحمر وشرق المتوسط والعلاقات العربية–الأمريكية. ومع استمرار الحرب وتداعياتها، أصبحت الحدود المصرية-الإسرائيلية جزءاً من منظومة أمنية أوسع بكثير من مجرد خط حدودي.

    وفي الوقت نفسه، لم تختف المصالح المشتركة، فمصر وإسرائيل لديهما مصلحة مشتركة في منع تحول الحدود إلى جبهة عسكرية، ومنع التنظيمات المسلحة من تهديد سيناء، والحفاظ على معاهدة السلام، واستمرار قنوات الاتصال الأمنية، ومنع الانفلات في غزة من الانتقال إلى سيناء، وحماية حركة الملاحة والطاقة في شرق المتوسط، وتجنب حرب إقليمية واسعة. لكن هذا التوافق الأمني لا يعني توافقاً سياسياً. وهنا تكمن طبيعة العلاقة المقبلة.

    نقطة الانطلاق المصرية.. معاهدة السلام ليست مجرد وثيقة سياسية

    معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية أنهت حالة الحرب، ونصت على احترام السيادة والسلامة الإقليمية والاستقلال السياسي لكل طرف، وعلى الامتناع عن استخدام القوة، كما أنشأت ترتيبات أمنية ومناطق محددة للقوات وآليات للتعامل مع الخلافات. كما نصت على إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية طبيعية.

    وهذا يعني أن الأمن المصري لا ينظر إلى المعاهدة فقط باعتبارها اتفاقاً تاريخياً، وإنما باعتبارها إطاراً لإدارة المخاطر. ومن هذه الزاوية، فإن أهم مصلحة مصرية هي الحفاظ على السلام مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرة مصر على حماية حدودها ومجالها الحيوي. وهذا يفسر حساسية أي تغير كبير في البيئة الأمنية حول غزة وسيناء.

    كما أن الملحق الأمني للمعاهدة ليس ثابتاً بصورة جامدة؛ فالمعاهدة نفسها تنص على إمكانية مراجعة الترتيبات الأمنية وتعديلها باتفاق الطرفين.  وهذه نقطة مهمة جداً عند تحليل إسرائيل المقبلة. فالسؤال المصري ليس فقط: هل ستبقى المعاهدة؟ بل أيضاً: كيف ستتغير البيئة التي تُطبق فيها المعاهدة؟

    إسرائيل المقبلة قد تكون مختلفة عن إسرائيل التي عرفتها مصر بعد 1979م

    هناك عدة تحولات يجب وضعها في الحساب، منها:

    -إسرائيل أكثر اعتماداً على القوة العسكرية: الحرب منذ 2023م أعادت القوة العسكرية إلى مركز السياسة الإسرائيلية بدرجة كبيرة.

    -إسرائيل أكثر حساسية تجاه الأمن الحدودي: بعد 7 أكتوبر 2023م، أصبح المجتمع الإسرائيلي أكثر حساسية تجاه الحدود والتهديدات غير التقليدية.

    -غزة أصبحت جزءاً من الأمن الإسرائيلي الداخلي: إسرائيل ستتعامل مع غزة في السنوات المقبلة باعتبارها مسألة أمن قومي إسرائيلي، وليس مجرد ملف فلسطيني.

    -صعود العامل الإقليمي: إسرائيل لا تنظر إلى غزة وحدها؛ بل تربط أمنها بإيران، ولبنان، وسوريا، والبحر الأحمر، والخليج.

    -تعاظم البعد التكنولوجي: إسرائيل ستظل لاعباً مهماً في الذكاء الاصطناعي، والدفاع الجوي، والأمن السيبراني، وتقنيات المياه، والزراعة، والتكنولوجيا العسكرية، والطاقة. وهذه المجالات يمكن أن تكون مجالات تعاون مع مصر، حتى عندما توجد خلافات عميقة في الملف الفلسطيني.

    العقدة المركزية من المنظور المصري.. غزة

    إذا كان هناك ملف واحد سيحدد مستقبل العلاقة المصرية–الإسرائيلية، فهو غزة، ليس فقط لأن غزة قضية فلسطينية، وإنما لأنها تقع على الحدود المصرية، وأي تغير جذري فيها يمكن أن ينتقل تأثيره إلى سيناء. وتؤكد تحليلات إسرائيلية أن مصر تنظر إلى غزة باعتبارها قضية أمن قومي مرتبطة مباشرة بأمن سيناء. كما تشير إلى أن التعاون المصري الإسرائيلي في مواجهة النشاط المسلح في سيناء كان أحد مجالات التعاون المهمة خلال السنوات السابقة.

    ومن ثم فإن القاهرة لديها أربعة خطوط حمراء تحليلية يمكن فهم سياستها من خلالها، وهي عدم تحويل سيناء إلى امتداد سكاني أو أمني للحرب في غزة، وعدم إنشاء واقع فلسطيني دائم يؤدي إلى تصفية الفصل الجغرافي والسياسي بين غزة وسيناء، ومنع عودة التنظيمات المسلحة إلى النشاط عبر الحدود، والحفاظ على قدرة مصر على إدارة معبر رفح والحدود المصرية وفق سيادتها ومصالحها الأمنية. ولهذا فإن أي تصور إسرائيلي لمستقبل غزة سيصطدم حتماً بالسؤال المصري.

    التهجير أكبر نقطة اختلاف محتملة

    مصر أعلنت مجدداً في سبتمبر 2026م رفضها القاطع لأي خطط تهدف إلى تهجير الفلسطينيين من غزة أو الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، كما أكدت أن القدس الشرقية أرض فلسطينية محتلة وأن وضعها النهائي لا يحدد بإجراءات أحادية.

    ومن منظور الأمن القومي المصري، قضية التهجير ليست فقط قضية فلسطينية أو أخلاقية أو قانونية. إنها أيضاً قضية حدود وسيادة وأمن قومي مباشر؛ لأن انتقال أعداد ضخمة من سكان غزة إلى سيناء يمكن أن يؤدي نظرياً إلى تغيير التركيبة السكانية في شمال سيناء، وخلق عبء اقتصادي وأمني ضخم، ونقل جزء من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى الأراضي المصرية، وخلق وجود مسلح محتمل داخل سيناء، وتحويل مصر إلى طرف مباشر في إدارة قضية كانت تقع خارج حدودها، وتعقيد علاقة مصر بمعاهدة السلام.

    ولهذا يمكن القول إن التهجير من غزة إلى سيناء هو المجال الذي تصبح فيه السياسة الإسرائيلية المحتملة مسألة أمن قومي مصري مباشر، وليس مجرد خلاف في السياسة الخارجية. وهذه نقطة تختلف جذرياً عن الخلاف المصري مع إسرائيل حول المستوطنات أو الدولة الفلسطينية، رغم أهمية تلك الملفات.

    ماذا تريد مصر من إسرائيل؟

    يمكن اختصار المصالح المصرية تجاه إسرائيل في سبع دوائر:

    الأولى.. عدم الحرب: مصر لا تحتاج إلى حرب مع إسرائيل. الحرب ستكون شديدة التكلفة على الطرفين، لكنها ستكون أكثر خطورة على مصر بسبب اتساع حدودها ومصالحها الاقتصادية وموقعها الإقليمي.

    الثانية.. حدود مستقرة: المطلوب هو ألا تتحول حدود سيناء إلى جبهة.

    الثالثة.. غزة مستقرة أمنياً: ليس بالضرورة أن يكون الاستقرار من وجهة النظر المصرية مطابقاً للتصور الإسرائيلي، لكن مصر تحتاج إلى منع تحول غزة إلى مصدر تهديد مباشر لسيناء.

    الرابعة.. عدم التهجير: هذه من أكثر القضايا حساسية.

    الخامسة.. عدم تصفية القضية الفلسطينية: من المنظور المصري الرسمي، حل القضية الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية يظل جزءاً أساسياً من تصور الأمن والسلام الإقليمي. وقد أكدت القاهرة في 2026م هذا الموقف، بما في ذلك دعم قيام دولة فلسطينية على حدود 4 يونيو 1967م وعاصمتها القدس الشرقية.

    السادسة.. استمرار التعاون الاقتصادي حيث يخدم المصلحة المصرية: خصوصاً الطاقة والتجارة والصناعة.

    السابعة.. منع قيام ترتيبات إقليمية تستبعد مصر: هذه نقطة استراتيجية شديدة الأهمية.

    متى تتفق السياسة الإسرائيلية مع الأمن القومي المصري؟

    ليس صحيحاً أن كل سياسة إسرائيلية تتعارض مع الأمن القومي المصري، هناك مناطق توافق حقيقية، منها:

    -مكافحة الإرهاب في سيناء: أوضح مجال للتوافق. إذا كانت إسرائيل تمنع انتقال السلاح أو العناصر المسلحة من غزة إلى سيناء، فهذا يتقاطع مع المصلحة المصرية. والتعاون الأمني الذي تطور خلال العقد السابق أظهر أن هناك قدرة على العمل المشترك عندما تتطابق المصالح.

    -منع انهيار الحدود: مصلحة مشتركة.

    -منع تهريب السلاح: مصلحة مشتركة.

    -منع قيام جبهة عسكرية في سيناء: مصلحة مصرية وإسرائيلية.

    -الحفاظ على معاهدة السلام: مصلحة استراتيجية للطرفين.

    -استقرار شرق المتوسط: مصر وإسرائيل لديهما مصالح مشتركة في الطاقة والبنية التحتية البحرية والاستقرار الإقليمي.

    -التعاون في الطاقة: من أكثر المجالات وضوحاً. في ديسمبر 2025م أعلنت مصر أن صفقة الغاز مع إسرائيل ذات طبيعة تجارية بحتة، وربطتها بمصلحة مصر في تعزيز موقعها كمركز إقليمي لتجارة الغاز في شرق المتوسط. وتشير تحليلات الطاقة إلى أن الغاز الإسرائيلي أصبح مهماً للاستهلاك المصري، مع بقاء القاهرة مهتمة بتنويع مصادرها.

    متى تختلف السياسة الإسرائيلية مع الأمن القومي المصري؟

    يمكن تحديد ستة مجالات رئيسية:

    1-التهجير إلى سيناء: أعلى درجات التعارض المحتملة.

    2-إعادة رسم وضع غزة بصورة دائمة: إذا أدى الترتيب الجديد إلى فصل غزة نهائياً عن الضفة أو تحويلها إلى كيان منفصل، فقد يختلف ذلك مع الرؤية المصرية التي تتعامل مع غزة والضفة باعتبارهما جزءاً من الكيان الفلسطيني المستقبلي.

    3-استمرار الحرب بالقرب من الحدود المصرية: كلما طال أمد الحرب، زادت مخاطر السلاح، واللاجئين، والتهريب، والجماعات المسلحة، والضغط الاقتصادي، والاحتكاك الحدودي.

    4-السيطرة الإسرائيلية طويلة الأمد على غزة: هنا يمكن أن يحدث اختلاف استراتيجي بين تصور إسرائيلي للأمن وتصور مصري للاستقرار.

    5-التوسع الاستيطاني والضم: مصر ترى أن استمرار الاستيطان يضر بإمكان قيام الدولة الفلسطينية وبحل الدولتين. وقد دعمت القاهرة في 2026م إجراءات أوروبية ضد منتجات المستوطنات، ومنها القرار الهولندي.

    6-ضربات إسرائيلية أوسع في الإقليم: كلما اتسع الصراع الإسرائيلي ليشمل دولاً أخرى، يصبح احتمال توسع الحرب الإقليمية أعلى، وهذا يضع مصر أمام ضغوط أمنية واقتصادية ودبلوماسية متزايدة.

    المفارقة المصرية.. مصر تحتاج إلى إسرائيل ولا تريد أن تعتمد عليها

    هذه ربما أهم مفارقة اقتصادية في العلاقة. مصر تستفيد من إسرائيل في بعض المجالات، خصوصاً الغاز، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تصبح مرتهنة لمصدر إسرائيلي واحد للطاقة. وهذا يفسر أهمية التنويع. فصفقة الغاز كبيرة، لكن القاهرة أكدت رسمياً أنها صفقة تجارية، وأشارت إلى امتلاكها بنية تحتية ومصادر متعددة تسمح لها بهامش مناورة. إذن المصلحة المصرية ليست الاعتماد على إسرائيل، بل استخدام العلاقات مع إسرائيل ضمن شبكة أوسع من مصادر الطاقة والشركاء. وهذا فرق استراتيجي كبير.

    الطاقة.. مجال تعاون حقيقي لكنه يحمل مخاطر

    يمكن بناء التعاون المصري الإسرائيلي في الطاقة على أربعة مستويات:

    -الغاز الطبيعي: إسرائيل مورد محتمل لمصر.

    -البنية التحتية: مصر تمتلك منشآت إسالة وشبكات نقل تسمح لها بإعادة تصدير الغاز.

    -شرق المتوسط: التعاون يمكن أن يرتبط بشبكات إقليمية أوسع.

    -أمن الطاقة: لكن الخطر هو أن الحرب يمكن أن تجعل الغاز أداة ضغط.

    ولهذا ينبغي أن تكون السياسة المصرية قائمة على التعاون الاقتصادي مع التنويع الاستراتيجي، أي لا تقطع التعاون لمجرد وجود خلاف سياسي، ولا تحول التعاون إلى اعتماد يصعب الخروج منه.

    الصناعة والتجارة.. مساحة أقل حساسية سياسياً

    هناك نموذج قائم منذ سنوات هو مناطق التجارة المؤهلة QIZ. هذه المناطق تسمح بمنتجات مصرية بالدخول إلى السوق الأمريكية مع استيفاء قواعد منشأ تتضمن مكونات إسرائيلية. وتوضح الحكومة الأمريكية أن البروتوكول يتطلب نسباً محددة من المدخلات المصرية والإسرائيلية ضمن شروط المنشأ.  كما تسجل هيئة التنمية الصناعية المصرية اتفاق QIZ باعتباره اتفاقاً ثلاثياً بين مصر والولايات المتحدة وإسرائيل، بدأ تطبيقه في 2005م.

    ومن منظور اقتصادي بحت، يمكن أن يمثل هذا نموذجاً مهماً: مصر تستفيد من العلاقة مع إسرائيل ليس لذاتها فقط، وإنما للوصول إلى سوق ثالث أكبر. وهذا يفتح الباب أمام التعاون في المنسوجات، والملابس الجاهزة، والزراعة، والمياه، والتكنولوجيا الزراعية، والطاقة، واللوجستيات، والصناعات التصديرية.

    الاقتصاد لا يلغي السياسة

    هذه نقطة يجب أن تكون جوهرية في الورقة، هناك خطأان متعاكسان: الأول المصالح الاقتصادية ستؤدي حتماً إلى تطبيع سياسي كامل، والثاني إن الخلاف السياسي يجعل التعاون الاقتصادي مستحيلاً.

    التجربة المصرية الإسرائيلية نفسها تقدم نموذجاً مختلفاً: يمكن أن تتعاون الدولتان اقتصادياً وأمنياً في ملف، بينما تختلفان بشدة في ملف آخر. وقد استمر النشاط الاقتصادي والطاقة حتى خلال فترات التوتر السياسي، وهو ما وثقته دراسات العلاقات المصرية–الإسرائيلية.

    إسرائيل والبحر الأحمر.. ملف يجب ألا يُهمَل مصرياً

    مصر لا تستطيع النظر إلى إسرائيل باعتبارها دولة حدودية فقط. إسرائيل لاعب في البحر الأحمر، وخليج العقبة، وشرق المتوسط، والعلاقات مع الخليج، والأمن البحري. وأي توسع للصراع في البحر الأحمر يؤثر مباشرة على قناة السويس. وهنا يصبح أمن إسرائيل البحري في بعض الظروف متقاطعاً مع أمن الملاحة المصري، بينما يمكن أن تختلف القاهرة وتل أبيب في تفسير أسباب الأزمات أو طرق التعامل معها.

    قناة السويس تجعل مصر أكثر حساسية تجاه الحرب الإقليمية

    الأمن القومي المصري لا يقتصر على الحدود. إذا اندلعت حرب إقليمية واسعة، فقد تتأثر حركة قناة السويس، والسياحة، والاستثمار، وأسعار الطاقة، وتحويلات المصريين بالخارج، والتجارة العالمية، والموانئ، والبحر الأحمر. من هنا فإن مصلحة مصر الكبرى هي منع تحول الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني إلى حرب إقليمية مفتوحة. وهذه في حد ذاتها نقطة توافق محتملة مع إسرائيل، حتى لو اختلف الطرفان على طبيعة الحل السياسي للقضية الفلسطينية.

    إسرائيل المقبلة وعلاقة مصر بالولايات المتحدة

    لا يمكن دراسة إسرائيل المقبلة من دون الولايات المتحدة. العلاقة المصرية الإسرائيلية تمر في جانب منها عبر واشنطن. وهذا يجعل القاهرة أمام مثلث: القاهرة، وتل أبيب، وواشنطن، وليس مجرد علاقة ثنائية.

    وهنا قد تصبح مصر قادرة على استخدام دورها الإقليمي في الوساطة، وغزة، والتهدئة، ومكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، والملاحة لتأكيد أهميتها للولايات المتحدة. وفي المقابل، فإن إسرائيل ستظل صاحبة وزن استراتيجي كبير في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة. ولهذا فإن مصر ستحتاج إلى المحافظة على استقلالية قرارها مع إبقاء قنواتها مع واشنطن وتل أبيب مفتوحة.

    غزة بعد الحرب ستكون اختبار العلاقة الأكبر

    إذا انتقل قطاع غزة إلى مرحلة إعادة إعمار، وإدارة انتقالية، وقوة أمنية، وترتيبات نزع سلاح، وتمويل دولي فإن مصر لن تكون مجرد دولة حدودية. ستكون أحد الأطراف الأكثر أهمية. لكن القاهرة ستواجه سؤالاً بالغ الصعوبة: هل تتعاون مع ترتيبات ما بعد الحرب حتى لو كانت لا تتفق تماماً مع التصور المصري للقضية الفلسطينية؟. هنا يجب التمييز بين: التعاون في إدارة الأزمة والموافقة السياسية على شكل النظام النهائي. ويمكن لمصر، نظرياً، أن تشارك في إعادة الإعمار أو الأمن أو الوساطة دون أن يعني ذلك أنها وافقت على كل عناصر الترتيب السياسي.

    مجلس السلام وإسرائيل من المنظور المصري

    التطورات المتعلقة بمجلس السلام وإعادة إعمار غزة تجعل هذا الملف أكثر تعقيداً. الموقف المصري المعلن في سبتمبر 2026م شارك مع دول عربية وإسلامية في الدعوة إلى تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة، بما يشمل الانسحاب الإسرائيلي الكامل، ونشر قوة الاستقرار الدولية، وتولي اللجنة الوطنية لإدارة غزة مسؤولياتها، وبدء التعافي وإعادة الإعمار.

    وهنا يمكن أن تتوافق القاهرة مع واشنطن أو إسرائيل في وقف الحرب، ومنع عودة القتال، وإعادة الإعمار، وبناء ترتيبات أمنية. لكنها قد تختلف في من يحكم غزة؟، وعلاقة غزة بالضفة، ودور السلطة الفلسطينية، ومستقبل حماس، وحجم الوجود الإسرائيلي، وشروط نزع السلاح، وآليات الشرعية الفلسطينية. وهذه ستكون إحدى أهم ساحات التفاوض خلال السنوات المقبلة.

    المسألة الأكثر حساسية.. من يحكم غزة؟

    من المنظور المصري، هناك عدة نماذج محتملة:

    الأول.. إدارة فلسطينية: الأكثر اتساقاً مع فكرة أن غزة جزء من الأرض الفلسطينية.

    الثاني.. إدارة دولية انتقالية: قد تكون مصر منخرطة فيها.

    الثالث.. إدارة أمنية مرتبطة بقوى خارجية: قد تقلل قدرة مصر على التأثير.

    الرابع.. استمرار السيطرة الإسرائيلية بدرجات مختلفة: قد يكون الأكثر إثارة للمخاوف المصرية إذا أدى إلى استمرار الحرب أو الضغط باتجاه الحدود.

    الخامس.. صيغة هجينة: إدارة فلسطينية، ودعم عربي، ورقابة دولية، وترتيبات أمنية. والنموذج الأخير، إذا تحقق، سيحتاج إلى تفاهم مصري أمريكي إسرائيلي فلسطيني واسع.

    إسرائيل والسلطة الفلسطينية.. نقطة تقاطع مصرية

    مصر لديها مصلحة في منع انهيار السلطة الفلسطينية، ليس لأن القاهرة تتبنى بالضرورة كل سياسات السلطة، وإنما لأن وجود سلطة فلسطينية قابلة للعمل يوفر إطاراً سياسياً يمكن من خلاله إدارة الضفة، وربط غزة بالضفة، والتعامل مع المجتمع الدولي، وإدارة المساعدات، ومنع الفراغ السياسي.

    من هنا فإن أي سياسة إسرائيلية تؤدي إلى إضعاف المؤسسات الفلسطينية بصورة تجعل البديل الوحيد هو الفراغ أو الفوضى تتعارض مع المصلحة المصرية.

    حماس.. المشكلة الأكثر تعقيداً

    من الخطأ اختزال الموقف المصري في: مع حماس أو ضد حماس. الأدق أن المصالح المصرية يمكن أن تتوزع كالتالي: مصر تريد منع نشاط مسلح يهدد سيناء، لكنها لا تريد انهيار غزة، وتريد منع التهجير، وتريد الحفاظ على القضية الفلسطينية، وتحتاج إلى قناة اتصال مع القوى الفلسطينية المختلفة عندما تكون الوساطة مطلوبة. وفي الوقت نفسه، لا تريد تحول غزة إلى قاعدة عمليات مسلحة تهددها، أي أن مصر قد تتعامل مع الفاعلين دون أن تتبنى بالضرورة مشاريعهم السياسية. وهذه قاعدة مهمة لفهم السياسة المصرية تاريخياً.

    القدس والاستيطان.. خلاف سياسي أكثر منه خلافاً حدودياً مباشراً

    القضية الفلسطينية تظل نقطة الاختلاف السياسي الأكبر. مصر تدعم حل الدولتين، وترى القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية. وفي سبتمبر 2026م أكدت وزارة الخارجية المصرية رفضها للسياسات الإسرائيلية الأحادية في القدس، كما دعمت القاهرة إجراءات أوروبية ضد منتجات المستوطنات.

    لكن هذا الخلاف لا يعني بالضرورة انهيار التعاون الأمني المصري الإسرائيلي. وهنا يظهر مفهوم مهم مفاده الفصل الوظيفي بين ملفات الخلاف وملفات التعاون. أي غزة والسياسة الفلسطينية يمثلان خلافات واسعة، بينما سيناء والحدود ومكافحة التهريب تمثل تعاونا محتملا، والغاز والتجارة  يمثلان تعاونا اقتصاديا، والحرب الإقليمية تمثل مصلحة مشتركة في الاحتواء

    هل يمكن أن تصبح إسرائيل شريكاً اقتصادياً لمصر؟

    نعم في بعض المجالات، لكن ليس باعتبارها الشريك الوحيد أو المحوري بالضرورة. الفرص المحتملة تشمل الغاز، والطاقة، والزراعة الصحراوية، وتحلية المياه، والري، والتكنولوجيا الزراعية، والأمن السيبراني، واللوجستيات، والسياحة، والتصنيع، وسلاسل التصدير إلى الولايات المتحدة، والبحث والتطوير.

    لكن من منظور الأمن الاقتصادي المصري، الأفضل تحليل هذه العلاقة وفق قاعدة التنويع قبل الاعتماد. فكلما كانت مصر قادرة على الحصول على التكنولوجيا أو الطاقة أو التمويل من أكثر من مصدر، أصبحت قدرتها على إدارة الخلاف السياسي أكبر.

    المياه.. مجال تعاون محتمل لكن شديد الحساسية

    المياه يمكن أن تكون مجالاً للتعاون التقني: تحلية المياه، وإعادة استخدام المياه، والزراعة الذكية، وتقليل الفاقد، وتقنيات الري. لكن يجب الفصل بين التكنولوجيا المائية و الأمن المائي المصري.

    الأمن المائي المصري يرتبط أساساً بالنيل، وبالتالي فإن أي تعاون إسرائيلي مصري في المياه لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره بديلاً عن السياسة المصرية تجاه النيل.

    الزراعة

    إسرائيل تمتلك خبرة كبيرة في الزراعة في البيئات الجافة، والري بالتنقيط، والاستشعار الزراعي، والزراعة الدقيقة، وتحلية المياه للزراعة، وإدارة الموارد. ومصر تواجه تحديات في المياه، والأراضي الجديدة، والإنتاجية، والأمن الغذائي. إذن توجد مساحة تعاون اقتصادية حقيقية. لكنها يجب أن تكون تعاوناً تقنياً محدداً وليس اعتماداً استراتيجياً.

    الأمن السيبراني

    هذا مجال محتمل للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي، لكنه من أكثر الملفات حساسية؛ لأن التكنولوجيا السيبرانية يمكن أن تستخدم في حماية البنية التحتية، والمصارف، والطاقة، والاتصالات. لكنها أيضاً مرتبطة بمخاوف السيادة والبيانات والاستخبارات. ولهذا ستكون مساحة التعاون هنا أضيق من الطاقة أو التجارة.

    ماذا لو أصبحت إسرائيل أكثر قوة إقليمياً؟

    هذه هي النقطة الاستشرافية الأهم. إذا أصبحت إسرائيل خلال العقد المقبل أقوى عسكرياً، وأكثر اندماجاً اقتصادياً في الخليج، وأكثر ارتباطاً بالولايات المتحدة، وأكثر تطوراً تكنولوجياً، وأكثر حضوراً في شرق المتوسط فهذا سيخلق واقعاً جديداً لمصر. لكن القوة الإسرائيلية لا تعني بالضرورة تهديداً مباشراً لمصر. الخطر يعتمد على اتجاه استخدام هذه القوة.

    إذا استخدمت القوة الإسرائيلية في حماية الحدود، ومنع الإرهاب، واستقرار الطاقة، والتجارة، ومكافحة التهريب فقد تتقاطع مع المصالح المصرية. أما إذا استخدمت في تغيير الوضع الإقليمي بالقوة، وتوسيع الحرب، وتهجير الفلسطينيين، وفرض واقع دائم في غزة، وضرب دول عربية بصورة متكررة فإن التوافق مع مصر يصبح أصعب.

    سيناريوهات مستقبلية

    السيناريو الأول.. إسرائيل مستقرة وتبحث عن الاندماج الإقليمي: في هذا السيناريو تستمر معاهدة السلام، وتستقر الحدود، وتتوقف الحرب الواسعة في غزة، وتبدأ إعادة الإعمار، وتستمر تجارة الطاقة، وتتوسع العلاقات مع دول عربية، وتخف حدة المواجهة العسكرية. في هذه الحالة يمكن أن تصبح العلاقة المصرية–الإسرائيلية أكثر براجماتية. ليس بالضرورة أكثر دفئاً سياسياً، ولكن أكثر قابلية للإدارة والتعاون الوظيفي.

    السيناريو الثاني.. إسرائيل أمنية أكثر لكنها تحافظ على السلام مع مصر: قد تستمر إسرائيل في اتباع سياسات أمنية صارمة في غزة والضفة، لكنها تحافظ على الحدود المصرية. هنا ستكون العلاقة: سلام بارد، وتعاون أمني، وتجارة، وخلاف سياسي عميق. وهذا في الحقيقة يشبه نموذجاً معروفاً من العلاقة، وإن كانت الظروف الإقليمية مختلفة.

    السيناريو الثالث.. استمرار الحرب منخفضة الحدة: هذا السيناريو أخطر من الحرب الشاملة أحياناً؛ لأن غزة لا تستقر، وإعادة الإعمار تتعطل، والحدود تظل متوترة، والتهريب يستمر، ومصر تستمر في الوساطة، وإسرائيل تستمر في العمليات، والضغوط على سيناء تستمر. وهنا يصبح الأمن القومي المصري في حالة استنزاف مستمر.

    السيناريو الرابع.. تصعيد إقليمي واسع: إذا توسعت الحرب لتشمل عدة جبهات، فقد تتأثر الملاحة، وقناة السويس، والطاقة، والحدود، والسياحة، والاقتصاد. وفي هذا السيناريو تصبح الأولوية المصرية: احتواء الصراع وليس الانحياز إلى أحد طرفيه.

    السيناريو الخامس.. تسوية فلسطينية–إسرائيلية: إذا تحقق مسار سياسي حقيقي يؤدي إلى وقف الحرب، وقيام كيان فلسطيني قابل للحياة، وترتيبات أمنية، وإعادة إعمار غزة، وربط غزة والضفة، وترتيبات إقليمية فسيكون ذلك أكثر السيناريوهات تغييراً للعلاقة المصرية–الإسرائيلية؛ لأن القضية الفلسطينية ستنتقل من كونها مصدر أزمة أمنية مستمرة إلى ملف سياسي قابل للإدارة.

     

    جدول المصالح المصرية – الإسرائيلية

     

    المجال مصلحة مصر مصلحة إسرائيل درجة التقاطع
    معاهدة السلام الاستقرار الأمن والاعتراف مرتفعة
    أمن الحدود منع التهريب والفوضى منع الهجمات مرتفعة
    سيناء الاستقرار والسيادة حدود آمنة مرتفعة
    مكافحة الإرهاب مرتفعة مرتفعة مرتفعة
    غزة الاستقرار ومنع التهجير الأمن ومنع إعادة التسلح جزئية
    إعادة الإعمار منع الانهيار منع عودة التهديد جزئية/مرتفعة
    الدولة الفلسطينية مصلحة مصرية أساسية محل خلاف سياسي منخفضة
    الاستيطان رفض مصري سياسة إسرائيلية قائمة منخفضة
    القدس دعم الدولة الفلسطينية قضية سيادية/أمنية إسرائيلية منخفضة
    الغاز أمن الطاقة ومركز إقليمي تصدير الغاز مرتفعة
    التجارة التصدير والاستثمار الأسواق والشراكات متوسطة/مرتفعة
    الزراعة والمياه التكنولوجيا والأمن الغذائي أسواق وتعاون تقني مرتفعة
    الأمن السيبراني حماية البنية التحتية التكنولوجيا والأسواق متوسطة
    البحر الأحمر الملاحة وقناة السويس أمن الملاحة جزئية
    التهجير رفض قاطع قد يختلف حسب الحكومة والسياسة شديدة الانخفاض
    الحرب الإقليمية الاحتواء الأمن والردع متوسطة

     

    أين يجب أن تكون مصر حذرة؟

    هناك خمسة مخاطر استراتيجية تستحق المتابعة:

    الأول.. الاعتماد الاقتصادي الزائد: خصوصاً في الطاقة.

    الثاني.. تحول غزة إلى أزمة مصرية دائمة: إذا أصبحت مصر مسؤولة عملياً عن إدارة نتائج الحرب دون امتلاك أدوات تحديد مسارها.

    الثالث.. التداخل الأمني في سيناء: أي توسع للحرب يمكن أن يعيد إنتاج مشكلات أمنية عابرة للحدود.

    الرابع.. تجاوز مصر في ترتيبات ما بعد الحرب: إذا نشأ نظام إقليمي جديد حول غزة من دون مشاركة مصرية مؤثرة، فقد تتراجع قدرتها على إدارة ملف تعتبره من القاهرة، وجود غزة منفصلة بصورة دائمة عن الضفة يمكن أن يغير البيئة صميم أمنها القومي.

    الخامس.. انفصال المسار الفلسطيني عن الإطار العربي: من منظور القاهرة، وجود غزة منفصلة بصورة دائمة عن الضفة يمكن أن يغير البيئة السياسية الإقليمية بصورة عميقة.

    أين توجد الفرص؟

    توجد الفرص في تحويل سيناء إلى بوابة للتجارة الإقليمية، وتطوير شرق المتوسط، واستخدام الطاقة كمجال تعاون اقتصادي، وتطوير الصناعات المرتبطة بـQIZ، والتعاون في المياه والزراعة، وتعزيز دور مصر كوسيط، وجعل إعادة إعمار غزة مجالاً للتكامل المصري العربي الدولي، واستخدام قناة السويس كمحور لوجستي، وتعزيز الدور المصري في ترتيبات أمن الحدود، والحفاظ على موقع مصر كطرف لا يمكن تجاوزه في أي تسوية فلسطينية

    كيف ينبغي النظر إلى إسرائيل المقبلة؟

    الأفضل ألا تتعامل مصر مع “إسرائيل” باعتبارها كتلة سياسية واحدة، بل ينبغي التفريق بين الحكومة الإسرائيلية، والمؤسسة العسكرية، والأجهزة الأمنية، والمعارضة، وقطاع الأعمال، وشركات التكنولوجيا، وقطاع الطاقة، والمجتمع الإسرائيلي، والمؤسسات الأكاديمية، والمستوطنين، والحركات السياسية المختلفة؛ لأن المصالح تختلف بينها. وهذا مهم جداً في التحليل الاستراتيجي.

    فقد تكون هناك حكومة إسرائيلية تختلف مع القاهرة في ملف، بينما تستطيع المؤسسات الاقتصادية الإسرائيلية التعاون مع مصر في ملف آخر.

    مصر وإسرائيل دولتان لاتتحركان في فراغ

    العلاقة الثنائية بين الدولتين تتأثر بثلاث دوائر أكبر:

    الأولى.. الولايات المتحدة: خصوصاً في الأمن والمساعدات والتسويات.

    الثانية.. الدول العربية: خصوصاً السعودية والإمارات والأردن وقطر.

    الثالثة.. القوى الإقليمية: خصوصاً إيران وتركيا.

    وبالتالي فإن مستقبل العلاقات المصرية الإسرائيلية سيعتمد جزئياً على شكل النظام الإقليمي الجديد.

    إسرائيل المقبلة في ميزان الأمن القومي المصري

    يمكن صياغة الصورة المصرية على النحو التالي: إسرائيل قوية عسكرياً، ومستقرة الحدود، وملتزمة بالسلام يمكن احتواؤها والتعاون معها. أما إسرائيل قوية عسكرياً، وحرب إقليمية مفتوحة، وضغط على غزة، واحتمال تهجير ارتفاع مباشر في المخاطر المصرية.

    وهذا يوضح أن المشكلة ليست في “قوة إسرائيل” وحدها. المشكلة هي: كيف تستخدم إسرائيل قوتها، وأين تستخدمها، وما إذا كان استخدامها يظل خارج المجال الحيوي المصري أم يقترب منه.

    العقيدة العملية المصرية المحتملة

    من واقع المصالح المتقاطعة، يمكن بناء إطار تحليلي لسياسة مصر تجاه إسرائيل على ستة مبادئ، هي السلام كإطار ثابت لإدارة العلاقة، والردع والدفاع عن الحدود كخط أحمر، والتعاون الأمني حيث توجد مصلحة مشتركة، والفصل بين التعاون الاقتصادي والخلاف السياسي، ورفض التهجير وتصفية القضية الفلسطينية، والحفاظ على دور مصر في أي ترتيبات تخص غزة. هذه ليست بالضرورة “عقيدة معلنة” في وثيقة واحدة، وإنما استنتاج تحليلي من المصالح والسياسات المعلنة.

    الاختبار الحقيقي للعلاقة

    يمكن اختصار الاختبار المصري للعقد المقبل في عشرة أسئلة: هل تبقى الحدود المصرية–الإسرائيلية مستقرة؟ وهل تبقى معاهدة السلام فعالة؟ وهل تمنع ترتيبات غزة انتقال الأزمة إلى سيناء؟ وهل يُمنع التهجير؟ وهل تصبح غزة جزءاً من حل فلسطيني أم كياناً منفصلاً؟ وهل تستمر إسرائيل في توسيع الاستيطان؟ وهل يستمر التعاون في الغاز؟ وهل تستطيع مصر تقليل اعتمادها على أي مصدر منفرد للطاقة؟ وهل تبقى مصر طرفاً مركزياً في مستقبل غزة؟ وهل تتحول العلاقة إلى تعاون إقليمي أم تبقى علاقة «سلام بارد»؟

    الخاتمة

    إسرائيل المقبلة لن تكون بالنسبة إلى مصر صديقاً استراتيجياً بالمعنى التقليدي، ولا عدواً تقليدياً. الوصف الأكثر دقة هو خصم سياسي في ملفات، وشريك أمني في ملفات، وشريك اقتصادي في ملفات، ومنافس إقليمي في ملفات أخرى، وجار لا تستطيع أي دولة منهما تجاهله. وهذه الطبيعة المركبة ستصبح أكثر وضوحاً خلال العقد المقبل.

    ففي الأمن، توجد مساحة واسعة للتعاون، خصوصاً في الحدود وسيناء ومكافحة التهريب ومنع التنظيمات المسلحة. وفي غزة، توجد مساحة تعاون في منع الفوضى وإعادة الإعمار، لكن خلافات عميقة حول الحكم والسلاح والانسحاب والارتباط بالضفة والدولة الفلسطينية. وفي السياسة الفلسطينية، سيظل الاختلاف كبيراً، خصوصاً حول الاستيطان والقدس والدولة الفلسطينية. وفي الاقتصاد، توجد فرص واضحة في الغاز والتجارة والطاقة والزراعة والمياه والتكنولوجيا، لكن مصر تحتاج إلى الحفاظ على التنويع حتى لا تتحول الشراكة إلى اعتماد.

    وفي الإقليم، يمكن أن تتقاطع المصالح المصرية والإسرائيلية في منع حرب إقليمية واسعة وتأمين الملاحة والطاقة، بينما يمكن أن تتباعد مواقفهما بشأن كيفية التعامل مع إيران وتركيا والفصائل الفلسطينية ومستقبل النظام الإقليمي. أما غزة فستظل الحلقة التي تربط جميع هذه الملفات ببعضها.

    لذلك فإن مستقبل العلاقات المصرية الإسرائيلية لن تحدده فقط نتيجة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بل أيضاً شكل النظام الذي سيخرج من حرب غزة. إذا انتهت الحرب إلى غزة مستقرة، وإدارة فلسطينية أو مقبولة فلسطينياً، وإعادة إعمار، وترتيبات أمنية واضحة، ومنع التهجير، فقد تستطيع مصر وإسرائيل بناء علاقة أكثر قابلية للتعاون رغم الخلاف السياسي.

    أما إذا انتهت الحرب إلى غزة مدمرة، ومنقسمة سياسياً، ومسلحة، أو خاضعة لسيطرة عسكرية طويلة، مع استمرار الاستيطان واحتمال الضغط السكاني باتجاه سيناء، فستظل العلاقة المصرية الإسرائيلية محكومة بإدارة أزمة دائمة.

    وهنا يمكن صياغة المعادلة المصرية الكبرى: مصر لا تحتاج إلى إضعاف إسرائيل حتى تحقق أمنها القومي، كما لا تستطيع تحقيق أمنها القومي من خلال الاعتماد على إسرائيل. ما تحتاجه هو إسرائيل قوية بما يكفي للحفاظ على السلام، لكنها ليست في وضع يسمح لها بإعادة تشكيل المجال الفلسطيني أو الإقليمي بصورة تمس المصالح المصرية الحيوية. وبالمثل، فإن مصلحة إسرائيل ليست في مصر ضعيفة أو غارقة في أزمات حدودية؛ فمصر المستقرة والقادرة على ضبط حدودها وسيناء تمثل أيضاً مصلحة أمنية إسرائيلية.

    وهذا يقود إلى خلاصة أكثر عمقاً: أهم مساحة للتوافق المصري الإسرائيلي ليست التطبيع السياسي، وإنما منع الانفلات الإقليمي. وأهم مساحة للاختلاف ليست معاهدة السلام، وإنما شكل النظام الفلسطيني الذي سينشأ حول غزة والضفة. أما الاقتصاد، فيمكن أن يعمل كجسر حتى عندما تتعطل السياسة، بشرط ألا يتحول الجسر إلى تبعية.

    ومن ثم فإن الاستراتيجية المصرية الأكثر قابلية للاستمرار ليست “التقارب مع إسرائيل” ولا “الصدام مع إسرائيل” باعتبارهما هدفين في حد ذاتهما، وإنما إدارة علاقة مركبة: سلام يحمي الحدود، وردع يحمي السيادة، وتعاون يستفيد من المصالح المشتركة، وخلاف سياسي واضح في القضايا التي تمس مستقبل فلسطين، وتنويع اقتصادي يمنع الاعتماد، ودور مصري مستمر في صياغة مستقبل غزة. وهذا بالضبط ما يجعل إسرائيل المقبلة قضية أمن قومي مصري، لا مجرد ملف في السياسة الخارجية.

     

    • Facebook
    • Share on X
    • LinkedIn
    • WhatsApp
    • Email
    • Copy Link
    #إسرائيل NVD nvdeg القضية الفلسطينية الكنيست
    شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr واتساب البريد الإلكتروني
    د. محمد صالح

    اترك تعليقاً
    اترك تعليقاً إلغاء الرد

    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام يوتيوب RSS
    • دراسات
    • تحليلات/ تقديرات موقف
    • تقارير
    • مقالات رأي
    • ملفات خاصة
    © 2026 كافة الحقوق محفوظة. تصميم وبرمجة شركة بيو فري للحلول المتكاملة.

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter