مقدمة
أحدثت الثورة الرقمية تحولًا جذريًا في طبيعة العمل الإعلامي، وأساليب إدارة الأزمات، حيث لم تعد وسائل الإعلام التقليدية وحدها المصدر الرئيسي للمعلومات، بل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي شريكًا أساسيًا في إنتاج الأخبار وتداولها والتأثير في اتجاهات الرأي العام. وفي إسرائيل برز هذا التحول بصورة واضحة خلال الأزمات الأمنية والعسكرية المتعاقبة، إذ اعتمدت المؤسسات الإعلامية والأمنية على منظومة اتصالية متكاملة تجمع بين القنوات التلفزيونية، والصحف والإذاعات من جهة، ومنصات التواصل الاجتماعي من جهة أخرى، بهدف ضمان سرعة نقل المعلومات وإدارة تدفقها بما يخدم الأهداف الأمنية والسياسية.
وقد أظهرت الأزمات الأمنية الأخيرة، ولا سيما الحرب على غزة والتصعيد الإقليمي، أن التكامل بين الإعلام التقليدي، والإعلام الرقمي أصبح أحد الركائز الأساسية في إدارة الأزمات، من خلال توظيف المنصات الرقمية لنشر الأخبار العاجلة، وتوجيه الرسائل الإعلامية، والتفاعل المباشر مع الجمهور، ومواجهة الروايات المضادة. كما أسهم هذا التكامل في تعزيز قدرة المؤسسات الإسرائيلية على صياغة السردية الإعلامية الرسمية وتوسيع نطاق تأثيرها محليًا ودوليًا.
وفي هذا السياق، تكتسب دراسة العلاقة بين الإعلام التقليدي ومنصات التواصل الاجتماعي أهمية متزايدة لفهم الآليات التي تعتمدها إسرائيل في إدارة الأزمات الأمنية، والكشف عن دور الوسائط الإعلامية المختلفة في تشكيل الرأي العام وصناعة الخطاب الإعلامي خلال فترات التوتر والتصعيد الأمني.
أولًا: البيئة الإعلامية الإسرائيلية وتحولات الاتصال الرقمي
شهدت البيئة الإعلامية الإسرائيلية خلال العقدين الأخيرين تحولات جوهرية بفعل التطورات التكنولوجية المتسارعة، وانتشار الإنترنت، ومنصات التواصل الاجتماعي الأمر الذي أدى إلى إعادة تشكيل أنماط إنتاج الأخبار واستهلاكها. فقد انتقل الجمهور الإسرائيلي تدريجيًا من الاعتماد على وسائل الإعلام التقليدية، مثل الصحف المطبوعة، والتلفزيون، والإذاعة، إلى الاعتماد المتزايد على المواقع الإخبارية والمنصات الرقمية كمصادر رئيسية للمعلومات. وتشير دراسات حديثة صادرة عن المعهد الإسرائيلي للديمقراطية إلى أن المواقع الإخبارية على الإنترنت أصبحت المصدر الأكثر استخدامًا للحصول على الأخبار بين الإسرائيليين، متجاوزة العديد من الوسائل التقليدية.
وقد أسهمت الثورة الرقمية في دفع المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية إلى تبني استراتيجيات جديدة للتكيف مع البيئة الاتصالية الحديثة، حيث اتجهت الصحف والقنوات التلفزيونية الكبرى إلى تطوير منصاتها الإلكترونية وتعزيز حضورها على شبكات التواصل الاجتماعي؛ لضمان الوصول إلى جمهور أوسع وأكثر تفاعلًا. كما أصبحت المنصات الرقمية جزءًا أساسيًا من عملية صناعة الأخبار وتوزيعها، في ظل التراجع النسبي لدور “حارس البوابة” التقليدي الذي كانت تمارسه المؤسسات الإعلامية في السابق. وتؤكد الدراسات المتخصصة أن الإعلاميين الإسرائيليين باتوا يعتمدون بشكل متزايد على شبكات التواصل الاجتماعي لنشر المحتوى والتفاعل المباشر مع الجمهور والتأثير في الأجندة العامة .
وفي هذا السياق تطورت العلاقة بين المؤسسات الإعلامية التقليدية، والمنصات الرقمية من حالة التنافس إلى حالة التكامل والتداخل الوظيفي؛ فالقنوات التلفزيونية، والصحف الإسرائيلية لم تعد تكتفي بنشر محتواها عبر الوسائل التقليدية، بل أصبحت تعتمد على منصات مثل فيسبوك، وإنستجرام، وإكس (تويتر سابقًا)، وتلجرام في إعادة توزيع الأخبار العاجلة، وتعزيز التفاعل الجماهيري. كما تتدفق المعلومات بصورة مستمرة بين مختلف المنصات، بحيث ينتقل المحتوى من وسائل الإعلام التقليدية إلى الشبكات الاجتماعية والعكس، مما أدى إلى ظهور منظومة إعلامية هجينة تجمع بين خصائص الإعلام المؤسسي والإعلام الرقمي التفاعلي. وقد أبرزت دراسات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) أن تدفق المحتوى بين المنصات المختلفة أصبح سمة رئيسية للمشهد الإعلامي الإسرائيلي خلال الأزمات والصراعات الأمنية.
ويتميز المشهد الإعلامي الإسرائيلي المعاصر بعدد من الخصائص المهمة، أبرزها التعددية الإعلامية، والاعتماد المتزايد على التكنولوجيا الرقمية، والتفاعل اللحظي مع الأحداث، إلى جانب تصاعد تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام، كما تتزايد أهمية المنصات الرقمية في إدارة النقاشات العامة، والقضايا الأمنية، والسياسية، وهو ما دفع المؤسسات الحكومية والإعلامية إلى تطوير سياسات وتنظيمات جديدة تتعلق بالإعلام الرقمي، ومواجهة المعلومات المضللة، وتعزيز الثقافة الرقمية لدى الجمهور. وفي الوقت ذاته، تواجه البيئة الإعلامية الإسرائيلية تحديات مرتبطة بالاستقطاب السياسي، وتراجع الثقة في بعض وسائل الإعلام التقليدية، والاعتماد المتزايد على المنصات العالمية في توزيع المحتوى الإعلامي.
ثانيًا: إدارة الأزمات الأمنية في إسرائيل
تُعد إدارة الأزمات الأمنية من الركائز الأساسية في منظومة الأمن القومي الإسرائيلي، نظرًا للبيئة الأمنية المعقدة التي تواجهها إسرائيل منذ تأسيسها. ويُقصد بإدارة الأزمات الأمنية مجموعة السياسات والإجراءات والآليات التي تتبناها المؤسسات السياسية، والعسكرية، والأمنية للتعامل مع التهديدات المفاجئة أو التصعيدات العسكرية، بهدف الحد من تداعياتها وضمان استمرارية عمل مؤسسات الدولة والحفاظ على الاستقرار الداخلي. وفي السياق الإسرائيلي، لا تقتصر إدارة الأزمات على الجوانب العسكرية والأمنية فقط، بل تمتد لتشمل البعد الإعلامي، والاتصالي باعتباره أداة رئيسية في إدارة الرأي العام وتوجيهه خلال فترات الأزمات والصراعات
وتضطلع المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية بدور محوري في إنتاج المعلومات وتوجيه تدفقها أثناء الأزمات الأمنية. ويبرز في هذا الإطار دور المتحدث باسم جيش الإسرائيلي، الذي يُعد المصدر الرسمي الرئيسي للمعلومات المتعلقة بالعمليات العسكرية والتطورات الميدانية. وتعمل هذه المؤسسة على إصدار البيانات والتحديثات المستمرة، وتنظيم المؤتمرات الصحفية، وتوفير المواد الإعلامية للصحفيين ووسائل الإعلام المحلية والدولية. كما تعتمد الأجهزة الأمنية على استراتيجيات إعلامية متطورة تهدف إلى تعزيز السردية الرسمية، وتبرير القرارات العسكرية، وحشد الدعم الشعبي للسياسات الأمنية المتبعة. وقد أظهرت الدراسات الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن المؤسسة العسكرية أصبحت تنظر إلى الإعلام باعتباره جزءًا من ساحة المواجهة الحديثة، وليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار .
وفي ظل التحولات الرقمية، توسع دور المؤسسة العسكرية ليشمل الاستخدام المباشر لمنصات التواصل الاجتماعي، حيث باتت الحسابات الرسمية للجيش الإسرائيلي على منصات إكس، وفيسبوك، وإنستجرام، وتلجرام، أدوات رئيسية لنشر المعلومات والتواصل مع الجمهور المحلي والدولي. ويهدف هذا النشاط إلى التأثير في الرأي العام، ومواجهة الروايات المضادة، وتقديم التفسير الرسمي للأحداث الأمنية بصورة فورية، بما يعزز من قدرة المؤسسة الأمنية على التحكم في تدفق المعلومات خلال الأزمات .
إلى جانب ذلك، تعتمد إسرائيل على منظومة متكاملة من الرقابة والتوجيه الإعلامي أثناء الأزمات الأمنية. ويُعد جهاز الرقابة العسكرية (הצנזורה הצבאית) أحد أبرز الأدوات المستخدمة في هذا المجال، حيث يمتلك صلاحيات قانونية تخوله منع نشر المعلومات التي قد تُعتبر ضارة بالأمن القومي أو تكشف تفاصيل العمليات العسكرية والاستخباراتية. وتلتزم المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية بإحالة بعض المواد المتعلقة بالأمن والدفاع إلى الرقابة العسكرية قبل نشرها، خاصة خلال فترات الحروب والعمليات العسكرية الكبرى. وقد أثارت هذه الآلية نقاشات واسعة بشأن التوازن بين متطلبات الأمن القومي، وحرية الصحافة في إسرائيل
كما تمارس الجهات الرسمية أشكالًا مختلفة من التوجيه الإعلامي غير المباشر من خلال الإحاطات الأمنية للصحفيين، والمؤتمرات الصحفية، والتنسيق المستمر مع المؤسسات الإعلامية الكبرى. وتهدف هذه الإجراءات إلى ضمان تقديم رواية متماسكة للأحداث، والحد من انتشار المعلومات غير المؤكدة أو الشائعات التي قد تؤثر في الجبهة الداخلية. وقد برزت هذه السياسات بوضوح خلال الحروب والأزمات الأخيرة، حيث سعت المؤسسات الأمنية، والإعلامية إلى تنسيق الرسائل الإعلامية، وتعزيز الثقة بالمصادر الرسمية، في إطار استراتيجية شاملة لإدارة الأزمة على المستويين الأمني والإعلامي.
وتشير التجربة الإسرائيلية إلى أن نجاح إدارة الأزمات الأمنية لم يعد مرتبطًا فقط بالقدرات العسكرية والأمنية، بل أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على إدارة المعلومات والاتصال الجماهيري، بما يضمن الحفاظ على التماسك الداخلي وتعزيز شرعية القرارات السياسية والعسكرية خلال فترات الأزمات.
ثالثًا: التكامل بين الإعلام التقليدي ومنصات التواصل الاجتماعي
أدى التطور المتسارع في تقنيات الاتصال الرقمي إلى إحداث تغيرات جوهرية في طبيعة العمل الإعلامي في إسرائيل، حيث لم تعد وسائل الإعلام التقليدية تعمل بمعزل عن منصات التواصل الاجتماعي، بل نشأت بينهما علاقة تكاملية تقوم على تبادل المحتوى والمعلومات بصورة مستمرة. وقد انعكس هذا التكامل بشكل واضح خلال الأزمات الأمنية والعسكرية، إذ أصبحت المنصات الرقمية امتدادًا لوسائل الإعلام التقليدية وأداة فاعلة في نشر الأخبار وإدارة تدفق المعلومات والتأثير في الرأي العام.
ومن أبرز مظاهر هذا التكامل إعادة نشر المحتوى الإعلامي عبر المنصات الرقمية؛ فالمؤسسات الإعلامية الإسرائيلية الكبرى، مثل القنوات التلفزيونية، والصحف، والمواقع الإخبارية، تعتمد بصورة متزايدة على منصات التواصل الاجتماعي لنشر الأخبار العاجلة، والتقارير، والتحليلات، والوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور. كما تقوم هذه المؤسسات بإعادة توظيف محتواها الإعلامي في أشكال رقمية متنوعة تتناسب مع طبيعة المنصات المختلفة، مثل المقاطع المصورة القصيرة، والبث المباشر، والرسوم المعلوماتية. وقد ساهم هذا التوجه في تعزيز سرعة انتشار الأخبار، وزيادة التفاعل الجماهيري مع القضايا الأمنية والسياسية، خاصة في أوقات الأزمات التي تتطلب تدفقًا سريعًا للمعلومات.
ويُعد التفاعل الفوري مع الأحداث الأمنية أحد أهم نتائج التكامل بين الإعلام التقليدي، ومنصات التواصل الاجتماعي. فخلال الحروب والعمليات العسكرية، تعمل القنوات التلفزيونية والمواقع الإخبارية الإسرائيلية بالتوازي مع حساباتها الرقمية لتقديم تحديثات لحظية للأحداث، مما يسمح للجمهور بمتابعة التطورات بشكل مستمر. كما تتيح المنصات الرقمية إمكانية التفاعل المباشر من خلال التعليقات، والمشاركات، وإعادة النشر، الأمر الذي يمنح المؤسسات الإعلامية فرصة قياس اتجاهات الرأي العام والتفاعل معها بصورة فورية. وقد برز هذا النمط بوضوح خلال الحرب على غزة بعد السابع من أكتوبر 2023، حيث لعبت المنصات الرقمية دورًا رئيسيًا في نقل المستجدات الميدانية وتعزيز الحضور الإعلامي للمؤسسات الرسمية والإخبارية .
كما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مصدرًا رئيسيًا للمعلومات والأخبار العاجلة في البيئة الإعلامية الإسرائيلية. ففي كثير من الأحيان، تنتشر المعلومات الأولية حول الأحداث الأمنية عبر المنصات الرقمية قبل ظهورها في وسائل الإعلام التقليدية، سواء من خلال الحسابات الرسمية للمؤسسات الأمنية والعسكرية أو عبر المستخدمين والصحفيين الموجودين في مواقع الأحداث. وقد دفع ذلك المؤسسات الإعلامية إلى مراقبة شبكات التواصل الاجتماعي بصورة مستمرة باعتبارها مصدرًا مهمًا للأخبار والمعلومات الأولية. وفي المقابل، تستخدم الجهات الأمنية الإسرائيلية هذه المنصات لنشر البيانات الرسمية والتوضيحات العاجلة وتوجيه الرسائل الإعلامية إلى الجمهور المحلي والدولي، بما يضمن سرعة الوصول إلى المتلقين وتعزيز الرواية الرسمية للأحداث .
ومع ذلك فإن الاعتماد المتزايد على المنصات الاجتماعية كمصدر للمعلومات يطرح تحديات عديدة تتعلق بانتشار المعلومات المضللة والشائعات وصعوبة التحقق من صحة بعض المحتويات المتداولة. لذلك تسعى المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية إلى تطوير آليات للتحقق الرقمي ومراجعة المعلومات قبل إعادة نشرها، خاصة خلال الأزمات الأمنية التي تتسم بسرعة تطور الأحداث وحساسية المعلومات المتداولة. وفي هذا السياق، أصبح التكامل بين الإعلام التقليدي ومنصات التواصل الاجتماعي ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة البيئة الإعلامية الحديثة، حيث تتداخل الأدوار بين الطرفين في إنتاج الأخبار وتوزيعها والتأثير في الرأي العام أثناء الأزمات الأمنية.
وبذلك يمكن القول إن المشهد الإعلامي الإسرائيلي المعاصر يقوم على نموذج إعلامي هجين يجمع بين المهنية المؤسسية التي تتميز بها وسائل الإعلام التقليدية، والسرعة والتفاعلية اللتين توفرهما منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما عزز من قدرة المؤسسات الإعلامية والأمنية على إدارة المعلومات خلال فترات الأزمات والتصعيدات الأمنية.
رابعًا: صناعة السردية الإعلامية أثناء الأزمات
تُعد السردية الإعلامية أحد أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدول خلال الأزمات الأمنية والعسكرية لتفسير الأحداث وتوجيه الرأي العام وتحديد أطر فهمه للوقائع الجارية. وفي الحالة الإسرائيلية، تمثل السردية الإعلامية جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن القومي، حيث تتكامل جهود المؤسسات السياسية والعسكرية والإعلامية في إنتاج خطاب إعلامي يسعى إلى تعزيز الرواية الرسمية للأحداث وإضفاء الشرعية على السياسات والقرارات الأمنية. وتزداد أهمية هذه السردية خلال فترات الحروب والتصعيدات العسكرية، عندما تتحول وسائل الإعلام إلى ساحة موازية للصراع العسكري والسياسي .
ويُعد بناء صورة التهديد الأمني من أبرز مكونات السردية الإعلامية الإسرائيلية أثناء الأزمات. إذ تركز التغطيات الإعلامية على إبراز المخاطر الأمنية التي تواجه الدولة، سواء كانت ناتجة عن جهات فاعلة غير حكومية أو عن تهديدات إقليمية ودولية. ويتم توظيف المفاهيم المرتبطة بالأمن القومي والدفاع عن المواطنين بصورة مكثفة في الخطاب الإعلامي، بما يسهم في تعزيز الشعور بوجود تهديد مشترك يستدعي دعم السياسات الأمنية والعسكرية الرسمية. وقد أظهرت العديد من الدراسات أن وسائل الإعلام الإسرائيلية تميل خلال الأزمات إلى تبني الأطر الأمنية في معالجة الأحداث، الأمر الذي يعزز من حضور الرواية الرسمية في المجال العام ويمنحها مساحة أكبر من التأثير .
كما يُستخدم الخطاب الإعلامي كأداة لتعزيز التماسك الداخلي وتدعيم الجبهة الداخلية خلال الأزمات الأمنية. ففي أوقات الحروب والعمليات العسكرية، تركز وسائل الإعلام على إبراز قيم الوحدة الوطنية والتضامن المجتمعي والصمود في مواجهة التهديدات الخارجية. وتُمنح مساحة واسعة للقصص الإنسانية المتعلقة بالجنود والمدنيين المتضررين من الصراعات، بما يسهم في تعزيز الشعور بالانتماء المشترك وتقوية الدعم الشعبي للقرارات الحكومية والعسكرية. ويشير الباحث الإسرائيلي يورام بيري إلى أن الإعلام الإسرائيلي غالبًا ما يؤدي دورًا تعبويًا خلال الأزمات الأمنية، حيث يساهم في بناء حالة من الإجماع الوطني حول القضايا المرتبطة بالأمن القومي.
ومن العناصر المهمة في صناعة السردية الإعلامية الدور الذي يؤديه الخبراء والمحللون العسكريون في تشكيل الرأي العام. إذ تعتمد القنوات التلفزيونية والصحف والمواقع الإخبارية الإسرائيلية بصورة واسعة على الجنرالات السابقين والخبراء الأمنيين والمحللين العسكريين لتفسير التطورات الميدانية وتقديم التقديرات المتعلقة بمسار الأحداث. وتكمن أهمية هؤلاء الخبراء في أنهم يمنحون الرواية الإعلامية طابعًا من المصداقية والاحترافية، كما يسهمون في تبسيط القضايا العسكرية المعقدة للجمهور. وفي كثير من الأحيان، يتحول هؤلاء المحللون إلى فاعلين مؤثرين في تشكيل اتجاهات الرأي العام من خلال تقديم تفسيرات وتوقعات تتماشى مع الأطر الأمنية السائدة في الخطاب الإعلامي.
وقد برز هذا الدور بوضوح خلال الحروب الأخيرة التي خاضتها إسرائيل، حيث احتلت التحليلات العسكرية مساحة كبيرة في التغطيات الإعلامية اليومية، سواء عبر القنوات التلفزيونية أو المنصات الرقمية. كما ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على توسيع نطاق تأثير هؤلاء الخبراء من خلال إعادة نشر تصريحاتهم وتحليلاتهم بصورة سريعة وواسعة الانتشار. ونتيجة لذلك، أصبحت السردية الإعلامية الإسرائيلية خلال الأزمات نتاجًا لتفاعل معقد بين المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية والخبراء الأمنيين، في إطار عملية مستمرة تهدف إلى التأثير في الرأي العام وتوجيه إدراكه للأحداث.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن صناعة السردية الإعلامية في إسرائيل خلال الأزمات الأمنية لا تقتصر على نقل المعلومات فحسب، بل تشمل أيضًا بناء المعاني وتحديد أطر تفسير الأحداث، بما يخدم الأهداف السياسية والأمنية للدولة ويعزز من قدرتها على إدارة الرأي العام في أوقات الأزمات.
خامسًا: دراسة حالة– الحرب الإسرائيلية على غزة بعد 7 أكتوبر 2023
تمثل الحرب الإسرائيلية على غزة التي اندلعت عقب هجوم حركة حماس في السابع من أكتوبر 2023 نموذجًا بارزًا لفهم طبيعة التكامل بين الإعلام التقليدي ومنصات التواصل الاجتماعي في إدارة الأزمات الأمنية الإسرائيلية. فقد شهدت الساحة الإعلامية الإسرائيلية خلال هذه الأزمة نشاطًا غير مسبوق على المستويين التقليدي والرقمي، حيث عملت القنوات التلفزيونية والصحف والمواقع الإخبارية بالتوازي مع المنصات الرقمية لتغطية الأحداث وتقديم الرواية الرسمية والتفاعل المستمر مع الجمهور.
ومنذ الساعات الأولى للهجوم اعتمدت وسائل الإعلام الإسرائيلية على البيانات الصادرة عن الجيش الإسرائيلي، والمؤسسات الأمنية باعتبارها المصدر الرئيسي للمعلومات، في حين قامت المنصات الرقمية بنقل هذه المعلومات بصورة فورية إلى الجمهور المحلي والدولي. كما استخدمت الحسابات الرسمية للجيش الإسرائيلي ووزارة الخارجية الإسرائيلية منصات إكس، وفيسبوك، وإنستجرام، وتلجرام، لنشر البيانات والصور، ومقاطع الفيديو المتعلقة بالأحداث الميدانية، في إطار استراتيجية إعلامية هدفت إلى تعزيز الرواية الإسرائيلية للأزمة والتأثير في الرأي العام العالمي .
وأظهرت الأزمة مستوى مرتفعًا من التكامل بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي، حيث كانت القنوات التلفزيونية والصحف تعتمد على المحتوى المنشور عبر المنصات الرقمية للحصول على المعلومات الأولية، بينما كانت هذه المنصات تعيد نشر وتحويل المحتوى الإعلامي التقليدي إلى مواد رقمية قابلة للتداول والتفاعل. كما ساهم البث المباشر والتغطيات اللحظية عبر المنصات الرقمية في تسريع تدفق المعلومات وتعزيز قدرة المؤسسات الإعلامية على متابعة تطورات الأزمة بصورة مستمرة.
وفي المقابل شهدت الأزمة تصاعدًا في ما يُعرف بـ”حرب السرديات”، حيث سعت مختلف الأطراف إلى توظيف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لتقديم تفسيرات متباينة للأحداث. وقد دفع ذلك المؤسسات الإسرائيلية إلى تكثيف جهودها الإعلامية لمواجهة الروايات المضادة وتعزيز حضور الخطاب الرسمي في الفضاء الرقمي. وتؤكد هذه الحالة أن الإعلام أصبح عنصرًا أساسيًا في إدارة الأزمات الأمنية الحديثة، إلى جانب الأبعاد العسكرية والسياسية التقليدية.
سادسًا: التحديات والانتقادات
على الرغم من المزايا التي يوفرها التكامل بين الإعلام التقليدي ومنصات التواصل الاجتماعي، فإن هذا النموذج يواجه عددًا من التحديات والانتقادات التي تؤثر في فعاليته وقدرته على إدارة الأزمات الأمنية بصورة متوازنة وموثوقة.
ويأتي انتشار المعلومات المضللة والشائعات في مقدمة هذه التحديات، إذ تتيح المنصات الرقمية إمكانية تداول الأخبار والمحتويات بسرعة كبيرة قبل التحقق من صحتها. وخلال الأزمات الأمنية، يمكن أن يؤدي انتشار المعلومات غير الدقيقة إلى إثارة الذعر لدى الجمهور أو التأثير في فهمه للأحداث الجارية. وقد برزت هذه المشكلة بوضوح خلال الحرب على غزة، حيث انتشرت كميات كبيرة من الصور ومقاطع الفيديو والمعلومات غير المؤكدة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي دفع المؤسسات الإعلامية إلى تكثيف جهود التحقق من المعلومات قبل نشرها
كما تواجه المؤسسات الإعلامية تحديًا يتمثل في المنافسة المتزايدة بين المصادر الرسمية وغير الرسمية للمعلومات. فبينما تسعى الجهات الحكومية والعسكرية إلى الحفاظ على دورها بوصفها المصدر الأساسي للمعلومات خلال الأزمات، توفر المنصات الرقمية مساحة واسعة للصحفيين المستقلين والمواطنين والمؤثرين لنشر المعلومات والتعليقات بصورة مباشرة. وقد أدى ذلك إلى تراجع قدرة المؤسسات التقليدية على احتكار تدفق المعلومات، وإلى ظهور بيئة إعلامية أكثر تعقيدًا وتعددًا في مصادر الأخبار
ومن التحديات المهمة أيضًا تأثير الإعلام الرقمي على مصداقية وسائل الإعلام التقليدية. فمع تزايد اعتماد الجمهور على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار العاجلة، أصبحت المؤسسات الإعلامية التقليدية تواجه ضغوطًا متزايدة للحفاظ على جمهورها ومصداقيتها. كما أن سرعة النشر المطلوبة في البيئة الرقمية قد تؤدي أحيانًا إلى أخطاء مهنية أو نشر معلومات غير مكتملة، مما يؤثر في ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية. وتشير العديد من الدراسات إلى أن البيئة الرقمية فرضت على وسائل الإعلام التقليدية إعادة النظر في نماذج عملها وآليات التحقق من المعلومات وأساليب التواصل مع الجمهور
وبناءً على ذلك يمكن القول إن نجاح التكامل بين الإعلام التقليدي، ومنصات التواصل الاجتماعي في إدارة الأزمات الأمنية يعتمد على قدرة المؤسسات الإعلامية على تحقيق التوازن بين السرعة والدقة، وبين الانفتاح على المنصات الرقمية والحفاظ على المعايير المهنية التي تضمن مصداقية المحتوى الإعلامي وجودته.
الخاتمة:
أدى التطور المتسارع في تكنولوجيا الاتصال وانتشار منصات التواصل الاجتماعي إلى إحداث تحولات عميقة في بنية النظام الإعلامي الإسرائيلي وآليات عمله، حيث لم يعد الإعلام التقليدي المصدر الوحيد لإنتاج المعلومات وتوجيه الرأي العام، بل أصبح جزءًا من منظومة إعلامية رقمية متكاملة تتداخل فيها الأدوار بين المؤسسات الإعلامية والمنصات الاجتماعية والجهات الرسمية والأمنية. وقد انعكس هذا التحول بصورة واضحة في طريقة إدارة الأزمات الأمنية، التي باتت تعتمد على التكامل بين الوسائل الإعلامية التقليدية والرقمية لضمان سرعة تدفق المعلومات والتأثير في اتجاهات الجمهور.
وأظهرت تلك الورقة أن المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تنظر إلى الإعلام باعتباره عنصرًا أساسيًا في إدارة الأزمات، حيث يتم توظيفه في بناء السردية الرسمية، وصياغة صورة التهديد الأمني، وتعزيز التماسك الداخلي، وحشد الدعم للسياسات والإجراءات المتخذة خلال فترات التصعيد. كما كشفت الدراسة عن الدور المتزايد الذي تؤديه منصات التواصل الاجتماعي في نشر الأخبار العاجلة والتفاعل الفوري مع الأحداث، الأمر الذي أسهم في تعزيز قدرة المؤسسات الرسمية والإعلامية على الوصول إلى الجمهور المحلي والدولي بصورة أكثر سرعة وتأثيرًا.
وفي الوقت ذاته أوضحت الدراسة أن هذا التكامل يواجه تحديات متزايدة تتمثل في انتشار المعلومات المضللة، وتعدد مصادر الأخبار، وتراجع قدرة المؤسسات التقليدية على احتكار تدفق المعلومات، فضلًا عن التأثيرات المحتملة للبيئة الرقمية على مصداقية وسائل الإعلام التقليدية. وتفرض هذه التحديات على المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية تطوير آليات أكثر كفاءة للتحقق من المعلومات وتعزيز المعايير المهنية بما يضمن تحقيق التوازن بين سرعة النشر ودقة المحتوى.
وختامًا يمكن القول إن دراسة التكامل بين الإعلام التقليدي، ومنصات التواصل الاجتماعي في إدارة الأزمات الأمنية الإسرائيلية تكشف عن طبيعة التحولات التي يشهدها الإعلام في العصر الرقمي، وتبرز أهمية البعد الإعلامي بوصفه أحد مكونات القوة والتأثير في الصراعات والأزمات المعاصرة. كما تؤكد أن فهم التفاعلات بين الإعلام، والأمن، والتكنولوجيا أصبح ضرورة أساسية لتحليل آليات إدارة الأزمات، وصناعة السرديات الإعلامية في إسرائيل، وفي البيئات الإعلامية الحديثة عمومًا.
المراجع:
– כספי, דן ולימור, יחיאל (2018). המתווכים: אמצעי התקשורת בישראל. תל אביב: האוניברסיטה הפתוחה.
-פרי, יורם (2011). מלחמות מסך: תקשורת וביטחון בישראל. תל אביב: מכון מופ”ת.
-וולפספלד, גדי (2017). תקשורת ופוליטיקה בישראל. ירושלים: הוצאת מאגנס.
-טננבוים־ויינבלט, קרין (2021). “מדיה דיגיטלית והמרחב הציבורי בישראל”. קשר, גיליון 56, עמ’ 45–61.
-המכון הישראלי לדמוקרטיה (2024). צריכת חדשות ורשתות חברתיות בישראל. ירושלים: המכון הישראלי לדמוקרטיה.
-המכון למחקרי ביטחון לאומי (INSS) (2024). הרשתות החברתיות כשדה קרב: השפעת המדיה הדיגיטלית על הביטחון הלאומי. תל אביב: INSS.
-המכון למחקרי ביטחון לאומי (INSS) (2024). המערכה על התודעה במלחמת חרבות ברזל. תל אביב: INSS.
-ליבליך, עמיה (2020). תקשורת, חברה ופוליטיקה בישראל בעידן הדיגיטלי. תל אביב: רסלינג.
– צנזורה צבאית בישראל (2023). דוח פעילות הצנזורה הצבאית. משרד הביטחון, ירושלים.
– שוורץ־אלטשולר, תהילה וספוז’ניקובה, אירינה (2024). צריכת תקשורת, אמון ואוריינות דיגיטלית בישראל. ירושלים: המכון הישראלי לדמוקרטיה
המכון למחקרי ביטחון לאומי (INSS)
המכון הישראלי לדמוקרטיה
אוניברסיטת תל אביב
האוניברסיטה העברית בירושלים
ספריית הכנסת – מאגר מחקרים
– Ben-Meir, Y. (2016). National Security and Democracy in Israel. Columbia University Press.
-Caspi, D., & Limor, Y. (2019). The In/Outsiders: Mass Media in Israel. Hampton Press.
-Chadwick, A. (2017). The Hybrid Media System: Politics and Power. Oxford University Press.
-Kligler-Vilenchik, N., & Tenenboim-Weinblatt, K. (2020). Digital Media and the Israeli Public Sphere. Journal of Communication.
-Manor, I. (2021). Public Diplomacy and Social Media in Israel. Place Branding and Public Diplomacy.
-Newman, N., Fletcher, R., Robertson, C., Eddy, K., & Nielsen, R. K. (2024). Reuters -Institute Digital News Report 2024. Reuters Institute for the Study of Journalism.
-Nossek, H., & Berkowitz, D. (2006). Telling the Story of the Arab-Israeli Conflict: News Coverage and Conflict Narratives. Journalism Studies.
-Peri, Y. (2017). The Israeli Military and the Media. Israel Studies Review.
– Shwartz-Altshuler, T., & Sapozhnikova, I. (2024). Media and Social Media Consumption, Trust, and Literacy. Israel Democracy Institute.
– Wardle, C., & Derakhshan, H. (2017). Information Disorder: Toward an Interdisciplinary Framework for Research and Policy Making. Council of Europe.
-Wolfsfeld, G. (2018). The Politics-Media-Politics Principle: The Impact of Politics on Media and Media on Politics. Routledge.
-Wolfsfeld, G. (2024). Media, Conflict and Public Opinion in the Digital Era. Routledge.
-Institute for National Security Studies (INSS). (2023–2024). Strategic Assessment Reports on Information Warfare, Media and National Security.

اترك تعليقاً
