مع أواخر شهر أبريل 2026م، يواجه الواقع الإثيوبي منظومة معقدة من التحديات المتداخلة التي يصعب فصل بعضها عن بعض، والتي أصبحت ركيزةً أساسية في القراءات والتحليلات في مختلف المواقع والصحف الإعلامية؛ إذ ترصد التقارير صراعًا داخليًا متعدد الأوجه يتصدره ملف أزمة الإقصاء الديني الممنهج ضد مسلمي مدينة أكسوم -من أشهر المدن الإثيوبية تاريخيًا-، بالتزامن مع أزمات اقتصادية وأمنية أخرى تهدد الأوضاع الاجتماعية والأمنية. ولم تكن الأزمات الخارجية بمعزل عن هذا التردي الداخلي؛ حيث تسلط المواقع والصحف الإعلامية الضوء على تنوع أزمات العمالة والمهاجرين الإثيوبيين في الخارج بين استهداف أمني واغتيالات، وبالرغم من تفاقم هذه المعاناة، فإنه يتضح موقف أديس أبابا السلبي، وسط اتهامات متزايدة بالقصور الدبلوماسي وتفضيل المصالح السياسية على حساب دماء وحقوق مواطنيها، وفي سياق هذا التداخل، تتجاوز القراءة الإعلامية الإثيوبية لتشير إلى أبعاد الهواجس الإثيوبية تجاه التحركات المصرية الأخيرة، مما يظهر كيف تحولت الضغوط الداخلية والخارجية إلى طوق جيوسياسي يحيط بأديس أبابا في هذه المرحلة الحرجة.
اولًا: على المستوى الداخلي
أ- اجتماعيًا
أزمة الإقصاء الديني الممنهج ضد مسلمي أكسوم الإثيوبية
تتحول مدينة أكسوم الإثيوبية في العصر الحالي من رمز تاريخي للتعايش الديني (باعتبارها مهداً للمسيحية وملجأ الهجرة الإسلامية الأولى عام 615 م) إلى بؤرة للإقصاء والتضييق ضد سكانها المسلمين، وذلك عبر حرمانهم من أبسط حقوقهم الدينية والمواطنية، من بناء المساجد والمقابر، وحظر الحجاب في المدارس الذي تسبب مؤخراً في حرمان عشرات الطالبات من التعليم والامتحانات.
وفي هذا الصدد كشفت صحف المعارضة مثل ذا ريبورتر وأديس استاندر في أواخر إبريل عن تناقض حاد بين ماضي مدينة أكسوم العريق كرمز تاريخي للعدل والملجأ الآمن في الإسلام، وبين واقعها الحالي من مظاهر إقصاء وتضييق ممنهج للمسلمين في أحوال معيشتهم الطبيعية. والجدير بالذكر أن هذا لم يكن جديدًا بل تعرض المسلمون إلى اضطهاد وظلم خلال مراحل كثيرة من تاريخ إثيوبيا في العصر الوسيط والحديث أيضًا، وهى نتاج لعدد من السياسات المتعاقبة لحكام إثيوبيا، وكما أشارت الصحيفة لأبرز مراحل الاضطهاد والظلم في العصر الحديث خلال عهد الحاكمين يوحنا الرابع وهيلا سيلاسي (وتحديداً بين أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين)، اللذين تبنيا سياسة الدين الواحد، وفرضا الضرائب الإجبارية على المسلمين لصالح الكنائس، مع طردهم إلى مستوطنات خارج المدينة، ورفض بناء المساجد بحجة أن أكسوم أرض مقدسة ومحرمة. كذلك أشارت الصحف في سياق مقالاتها إلى تفاقم أزمة اضطهاد المسلمين خلال الاحتلال الإيطالي وحكم نظام الديرج (الذي يمثل واحدًا من أصعب الفترات وأكثرها دموية في تاريخ إثيوبيا المعاصر تحديدًا ما بين عامي 1974-1991م)، وقد حاول بناء مسجد بدعم عسكري، لكن جبهة تحرير شعب تيجراي – التي كانت آنذاك تخوض كفاحها المسلح ضد نظام الديرج – أقنعت المسلمين بهدمه حينها تجنباً للفتنة الطائفية وأنه ليس من الصواب الاتفاق مع نظام الديرج الفاشي على بناء مسجد ووعَدتهم بالحرية بعد التحرير، وهو ما لم يتحقق لاحقاً. كذلك شهدت السنوات الأخيرة منذ عام 2024م وحتى العام الحالي 2026م محاولات عدة لحرمانهم من طقوس العبادة، وحظر الحجاب في عدد من المدارس، بل منع الطالبات من دخول الامتحانات، وإجبارهن على التسجيل خارج أسوار المدارس، مع رصد حالات اعتداء وتضييق أمني. كذلك أشارت الصحيفة إلى الرقابة والاعتداءات التي تعرضت بيوت لتعليم القرآن لمداهمات وتخريب (مثل حادثة الأستاذة شمسية)، وسط حالة من التضييق الاجتماعي والقانوني.
وتفند الصحيفة الحجج التي يتذرع بها الرافضون لمنح المسلمين حقوقهم في أكسوم، أبرزها: قدسية المدينة؛ وذلك لأن الدستور الإثيوبي لا يعترف بـمدن مقدسة فوق القانون؛ فكما أن مدينة “هرر” الإسلامية التاريخية لا تمنع بناء الكنائس، لا يحق لأكسوم منع المساجد. وتقدم الصحيفة مقترحاً عملياً يوازن بين الحفاظ على الإرث المسيحي وضمان حقوق المواطنة للمسلمين، من خلال آلية حل المدينة إلى منطقتين: منطقة دينية وتراثية، وهى المحيطة بالدير وكنيسة مريم صهيون، وتحترم فيها الحرمة والخصوصية الكاملة للمسيحيين الأرثوذكس. ومنطقة أخرى مدنية (السكنية والتجارية)، والتي تخضع بالكامل للدستور الإثيوبي العلماني، وبما يضمن للمواطنين المسلمين حق بناء مساجدهم، ومقابرهم، وممارسة شعائرهم بحرية ودون تمييز.
شلل تام في القطاع الصحي في إقليم تيجراي
في ظل أزمة نقص الوقود الخانقة التي تُنذر بعواقب وخيمة على الأوضاع الإنسانية في إقليم تيجراي؛ حيث تسببت في شلل تام لمنظومة الإسعاف، وانهيار كامل للنظام الطبي في جميع أنحاء الإقليم ووفقاً لما نشرته الصحيفة بتاريخ (29 إبريل) نقلًا عن مكتب الصحة الإقليمي- أن الانقطاع المستمر للوقود منذ أشهر -والذي تفاقم بحدة منذ منتصف يناير الماضي- بات يُهدد حياة آلاف المرضى والأمهات اللواتي يحتجن لرعاية عاجلة، مع عجز سيارات الإسعاف عن الحركة. ويجد المواطنون أنفسهم مجبرين على تحمل تكاليف باهظة لتأمين وسائل نقل خاصة، أو الحرمان القسري من الخدمات الطبية المنقذة للحياة، مما دفع السلطات الإقليمية لتجديد نداءاتها العاجلة للحكومة الفيدرالية للتدخل الفوري وإنقاذ القطاع الصحي من كارثة وشيكة.
أزمة الانتخابات الإثيوبية: بين هشاشة الصناديق وتهميش دور الشباب
تناولت صحيفة ذا ريبورتر بتاريخ (23 إبريل) في قراءة تحليلية توضح الأزمة الحالية التي تشهدها الانتخابات الإثيوبية السابعة من خلال قرار المجلس الوطني للانتخابات بإغلاق 22 مركز اقتراع بـ 5 أقاليم رئيسة تقع في مناطق أوروميا، وأمهرة، وهراري، وسيداما، والصومال، نتيجة مخالفات وانتهاكات قانونية شابت عملية تسجيل الناخبين، وهو ما يعكس مبكراً هشاشة البنية التحتية للديمقراطية هناك وأزمة الثقة في النزاهة المؤسسية، وتأخذ هذه الأزمة الانتخابية بعداً أكثر خطورة في ملف آخر يرتبط بالاستبعاد السياسي والديموغرافي للشباب (الذين يمثلون أكثر من 70% من السكان)؛ إذ حذّر منتدى في أديس أبابا من: “أن ضعف تمثيلهم التشريعي وغيابهم سيحول العملية الانتخابية إلى آلية إقصاء، مما يهدد بتحويلهم إلى قنبلة موقوتة عبر العنف والعصيان المدني”.
– أمنيًا
أزمة الحكم في تيجراي تهدد السلام الهش
تناولت صحيفة ذا ريبورتر بتاريخ (25 إبريل ) قرار اللجنة المركزية لجبهة تحرير شعب تيجراي برفض تمديد ولاية الجنرال “تاديسي ويريدي” لرئاسة الإدارة المؤقتة، وعزمها على إحياء المجلس الإقليمي القديم لعام 2020م، مما رأته يُهدد بخلق فراغ جديد في السلطة، ويُقوّض اتفاقية بريتوريا للسلام لعام 2022م؛ حيث تُعبر هذه الخطوة عن رغبة الجبهة في استعادة مؤسسات ما قبل الحرب وتأكيد الحكم الذاتي، إلا أنها تُمثل في الوقت ذاته قطيعة سياسية تُعمّق انعدام الثقة مع الحكومة الفيدرالية، وتُنذر بتجدد الصراع الدامي، مما يستدعي تحركاً عاجلاً لاستباق هذه العواقب الخطيرة على استقرار إثيوبيا.
ثانيًا: على المستوى الخارجي
أزمات المهاجرين الإثيوبيين في الخارج
-مطالبات حقوقية ودبلوماسية عاجلة لوقف أحكام الإعدام بحق المهاجرين
تواجه الحكومة الإثيوبية ضغوطاً متزايدة لإنهاء جمودها الدبلوماسي والتدخل الفوري لإنقاذ حياة عدد من من السجناء الإثيوبيين في السعودية، والذين يواجهون أحكاماً بالإعدام تفتقر -حسب محللين حقوقيين لصحيفة أديس ستاندرد (29 إبريل)- إلى أدنى معايير العدالة والإجراءات القانونية العادلة التي تكفل الحق في الحياة. وقد أطلقت منظمات حقوقية نداءات حثيثة لوزارة الخارجية الإثيوبية وبعثتها الدبلوماسية في المملكة، بضرورة التحرك العاجل وتقديم الدعم القنصلي والقانوني اللازم لهؤلاء السجناء قبل فوات الأوان. ويأتي هذا التحرك بعد مذكرة رسمية رفعها مكتب شؤون الشباب في إقليم تيجراي إلى الخارجية الإثيوبية، مطالباً بجهد دبلوماسي فوري لوقف ما وصفه بـعمليات القتل الجماعي، حيث انتقد مسؤولون محليون بشدة الموقف الرسمي، واصفين الصمت الحكومي تجاه مصير هؤلاء المواطنين بأنه “عار وطني” يتطلب كسر العزلة واتخاذ تدابير حاسمة لحماية رعاياها.
-غضب إثيوبي لاغتيالات المهاجرين في جنوب إفريقيا
أفادت تقارير صحيفة “أديس ستاندرد” في أواخر شهر إبريل بوقوع هجوم مسلح ودامٍ في مدينة جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا، وقد أسفر عن مقتل أربعة إثيوبيين واثنين من النيجيريين بالتزامن مع احتفالات بيوم الحرية، وسط مخاوف متزايدة بين المهاجرين من أن يكون خطاب كراهية الأجانب وراء الحادث، في الوقت الذي شنت فيه الشرطة حملة اعتقالات شملت عشرة إثيوبيين لعدم امتلاكهم إقامات سارية. ورغم تأكيدات السفارة الإثيوبية في بريتوريا بأن هذه الاغتيالات تأتي ضمن سلسلة هجمات مستمرة ومتزايدة استهدفت الأجانب وتضر بصورة جنوب إفريقيا وعلاقاتها بالقارة، إلا أن المسؤولين حذروا من التكهن بالدوافع الحقيقية قبل انتهاء التحقيقات الرسمية، لاسيما مع وجود فرضيات بين مجتمعات اللاجئين تربط الهجمات بالجريمة المنظمة أو التنافس التجاري؛ وهو ما فجّر موجة استياء وانتقادات واسعة من أعضاء الجالية تجاه الحكومة الإثيوبية لغياب ردها الأمني والدبلوماسي المناسب، رغم إعلان السفارة عن إجرائها محادثات مع السلطات لطلب إجراءات أمنية صارمة وحثها المواطنين على توخي الحذر.
التمويل الأوروبي لبعثة الصومال: دعم مؤقت وأزمة استدامة مستمرة
تناولت ذا ريبورتر بتاريخ (25 إبريل) في مقال تحليلي موافقة اللجنة السياسية والأمنية للاتحاد الأوروبي على تقديم دعم إضافي بقيمة 75 مليون يورو عبر مرفق السلام الأوروبي لبعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، الممتدة حتى نهاية عام 2026م، ليرتفع إجمالي مساهمات الاتحاد — كأكبر مانح مباشر — إلى قرابة 2.8 مليار يورو منذ عام 2007 م. ورأت الصحيفة أنه بالرغم من أن هذا التمويل يغطي بدلات القوات والمعدات غير الفتاكة، فإن البعثة لا تزال تواجه فجوة تمويلية حادة وتراكمًا في المتأخرات للدول المساهمة بقوات (أوغندا، وكينيا، وإثيوبيا، وجيبوتي). وتتفاقم هذه الأزمة المالية الهشة جراء عودة ظهور حركة الشباب المسلحة، مما يجعل الإغاثة الأوروبية قصيرة الأجل وغير كافية لضمان استقرار التشغيل على المدى الطويل في ظل الاعتماد على تمويل دولي متقطع وغير مستدام.
هواجس إثيوبية لتطويقها وسط التنافس على الممر البحري
تفسر أديس أبابا التحركات المصرية الأخيرة في منطقة القرن الإفريقي، بأنها مساعٍ ممنهجة تهدف إلى معتقداتها بمحاصرة جهودها الرامية لتأمين منفذ بحري دائم لإنهاء عزلتها الجغرافية. وفي هذا الصدد نشرت ذا ريبورتر بتاريخ (25 إبريل) مقالًا حول المشهد الحالي الذي وصفته بأنه يعكس تداخلًا معقدًا بين الأزمات الأمنية المحلية والتوازنات السياسية الدولية. وتدفع المخاوف الجيوسياسية في ممر البحر الأحمر الإدارة الأمريكية إلى إعادة حساباتها الدبلوماسية؛ حيث تتجه واشنطن لتجاوز ملف انتهاكات حقوق الإنسان في إريتريا ورفع العقوبات عنها بهدف كسب حليف استراتيجي جديد يساهم في كبح النفوذ الإيراني وتأمين الملاحة البحرية ضد التهديدات الحوثية. وهذا التقارب الأمريكي-الإريتري، الذي ذكرت الصحيفة بشأنه أنه: “مدفوع بوساطة مصرية، يأتي في وقت تشهد فيه المنطقة اصطفافاً جديداً بين مصر وإريتريا والصومال أيضًا، ويسعى بشكل مباشر إلى تطويق الطموحات البحرية الإثيوبية، مما يضع القرن الأفريقي بأكمله فوق صفيح ساخن من التحالفات المتغيرة والاحتمالات المفتوحة على الصراع”.

اترك تعليقاً
