عبدالله فارس القزاز .. باحث بوحدة الدراسات الإفريقية
شهد الأسبوع الثاني من يوليو 2026 سلسلة من التطورات الأمنية والسياسية التي عكست استمرار التحولات في البيئة الاستراتيجية بالقارة الأفريقية، في ظل تزايد الترابط بين الأزمات الداخلية والتنافس الإقليمي والدولي على مناطق النفوذ ذات الأهمية الجيوسياسية. وقد تركزت هذه التطورات في عدد من الملفات الرئيسية، أبرزها استمرار العمليات العسكرية في السودان، وتصاعد التوترات بين الحكومة الإثيوبية وإقليم تيغراي بما يهدد مسار اتفاق بريتوريا، إلى جانب تحركات تستهدف دعم مسار توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، واستمرار تنامي الشراكات الأمنية في القرن الأفريقي، بما يعكس تصاعد الاهتمام الإقليمي والدولي بأمن البحر الأحمر وممراته البحرية الحيوية.وفي هذا السياق، يستعرض هذا التقرير أبرز التطورات التي شهدتها القارة الأفريقية ومحيط البحر الأحمر خلال الأسبوع الثاني من يوليو 2026، مع تحليل دلالاتها الاستراتيجية، وبيان انعكاساتها على الأمن القومي المصري، واستشراف المسارات المحتملة لهذه التطورات في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية المحيطة بها.

في 10 يوليو 2026، أكد رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة السودانية الفريق أول عبد الفتاح البرهان استمرار القوات المسلحة في عملياتها العسكرية ضد مليشيا الدعم السريع، مشددًا على أن الجيش ماضٍ في “معركة الكرامة” حتى القضاء على التمرد واستعادة كامل سيطرة الدولة. كما أكد أن أي تسوية سياسية لن تتم إلا بما يحقق أمن واستقرار السودان ويحظى بقبول السودانيين، مشيدًا بالدعم الشعبي للقوات المسلحة، خاصة في منطقة الريف الشمالي بأمدرمان.
عسكريًا:تعكس تصريحات عبد الفتاح البرهان تمسك القيادة العسكرية السودانية بخيار الحسم العسكري باعتباره المسار الرئيسي لإنهاء الصراع، بما يشير إلى استمرار تراجع فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة خلال المرحلة الحالية. كما تؤكد التصريحات أن المؤسسة العسكرية لا تزال تنظر إلى استعادة السيطرة الكاملة على الأراضي السودانية باعتبارها شرطًا أساسيًا لإعادة بناء الدولة، وهو ما يعكس استمرار الرهان على تحقيق مكاسب ميدانية قبل الانخراط في أي ترتيبات سياسية.كما تحمل التصريحات رسائل موجهة إلى الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في جهود التسوية، مفادها أن القيادة السودانية لن تقبل بأي مسار سياسي يتجاوز موازين القوى التي تفرضها التطورات العسكرية على الأرض. ويشير ذلك إلى استمرار اعتماد الخرطوم على العمليات العسكرية كوسيلة لتعزيز موقعها التفاوضي، بما يجعل مستقبل العملية السياسية مرتبطًا بدرجة كبيرة بنتائج الميدان، أكثر من ارتباطه بالتحركات الدبلوماسية أو المبادرات الدولية.
مصريًا:يمثل استمرار خطاب البرهان بشأن الحسم العسكري مؤشرًا على أن الصراع في السودان تجاوز كونه مواجهة للسيطرة على مناطق النفوذ، ليصبح مرتبطًا بمستقبل الدولة السودانية وطبيعة مؤسساتها خلال مرحلة ما بعد الحرب. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لمصر، باعتبار السودان يمثل أحد أهم دوائر عمقها الاستراتيجي جنوبًا، حيث ستنعكس مخرجات الصراع بصورة مباشرة على البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بالأمن القومي المصري.كما أن استمرار اعتماد الجيش السوداني على خيار الحسم الكامل يضع القاهرة أمام معادلة ترتبط بالحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، وفي الوقت نفسه متابعة تداعيات إطالة أمد العمليات العسكرية على فرص التوصل إلى تسوية تضمن وحدة السودان، وتمنع ظهور مراكز قوة موازية قد تؤدي إلى استمرار حالة الانقسام وعدم الاستقرار داخل الدولة. وفي نفس الاطار ، تعكس تصريحات البرهان استمرار ارتباط مستقبل السودان بالتنافس الإقليمي والدولي، إذ إن إطالة أمد الحرب تتيح مساحة أكبر لتنامي أدوار الأطراف الخارجية الساعية إلى التأثير في ترتيبات ما بعد الصراع أو دعم أطرافه المختلفة، وهو ما يضيف تحديات جديدة أمام البيئة الإقليمية المحيطة بمصر. كما أن استمرار الصراع قد يؤثر على قدرة السودان على الاضطلاع بدوره في الملفات الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها أمن البحر الأحمر وقضايا حوض النيل، بما يجعل استعادة مؤسسات الدولة السودانية لقدرتها على إدارة هذه الملفات عاملًا مهمًا في الحفاظ على التوازنات الإقليمية المرتبطة بالمصالح المصرية.
استشرافًا استمرار تمسك القيادة السودانية بخيار الحسم العسكري خلال المرحلة المقبلة، مع بقاء احتمالات الانخراط في تسوية سياسية شاملة مرهونة بتحقيق تقدم ميداني يعزز موقف الجيش السوداني. وفي المقابل، من المرجح أن تواصل مليشيا الدعم السريع تبني استراتيجية الاستنزاف وإطالة أمد المواجهة، بما يحافظ على حالة الجمود العسكري في عدد من مسارح العمليات.وفي هذا السياق، ستظل فرص التوصل إلى تسوية سياسية مرتبطة بدرجة كبيرة بموازين القوى على الأرض، في ظل استمرار تداخل الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية والإقليمية، بما يجعل تطورات المشهد السوداني أحد أبرز المتغيرات المؤثرة في البيئة الأمنية المحيطة بمصر .

في 11 يوليو 2026، اتهمت سلطات إقليم تيغراي شمال إثيوبيا الحكومة الفيدرالية برئاسة آبي أحمد بالتحضير لشن عمليات عسكرية جديدة ضد الإقليم، معتبرة أن اتفاقية بريتوريا للسلام الموقعة عام 2022 قد دخلت مرحلة الانهيار فعليًا نتيجة ما وصفته بـ خلافات متراكمة وتعثر تنفيذ بنود الاتفاق. وأشارت سلطات تيغراي إلى وجود مؤشرات على تصاعد التوتر، من بينها ما وصفته بتحركات عسكرية وهجمات بطائرات مسيرة واستعدادات ميدانية، مؤكدة حقها في تعزيز قدراتها الدفاعية. وفي المقابل، أكدت الحكومة الإثيوبية تمسكها باتفاق بريتوريا باعتباره الإطار الحاكم لعملية السلام، بينما دعا الاتحاد الأفريقي جميع الأطراف إلى الالتزام بالاتفاق وتجنب العودة إلى المواجهات المسلحة.
جيوسياسيًا: يعكس تصاعد الخلاف بين سلطات تيغراي والحكومة الفيدرالية استمرار هشاشة الترتيبات السياسية والأمنية التي أوقفت الحرب السابقة، بما يشير إلى أن اتفاق بريتوريا نجح في احتواء المواجهات العسكرية واسعة النطاق، دون أن يتمكن من معالجة الأسباب الهيكلية للأزمة، وفي مقدمتها ترتيبات الحكم المحلي، ووضع المناطق المتنازع عليها، وملف عودة النازحين، وإعادة دمج التشكيلات العسكرية. وعليه ، فإن تصاعد الحديث عن انهيار الاتفاق يعكس انتقال الخلافات السياسية مجددًا إلى المسار الأمني، بما يهدد بإعادة فتح أحد أكثر الملفات تعقيدًا داخل الدولة الإثيوبية.كما يحمل توقيت هذا التصعيد دلالة مهمة، إذ يتزامن مع استمرار تحركات أديس أبابا لتعزيز حضورها الإقليمي عبر ملفات استراتيجية، وتوسيع دورها في منطقة القرن الأفريقي. ويشير ذلك إلى وجود فجوة مستمرة بين الطموحات الإقليمية للحكومة الإثيوبية والتحديات الداخلية التي لا تزال تفرض نفسها على المشهد السياسي والأمني، وهو ما قد يؤثر على قدرة الدولة على إدارة أولوياتها الخارجية بالتوازي مع احتواء أزماتها الداخلية. كما أن احتمالات عودة المواجهات في تيغراي قد تفتح المجال أمام تنامي أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين، بما يزيد من تعقيد البيئة الأمنية في القرن الأفريقي.
مصريًا: يمثل تصاعد التوتر في إقليم تيغراي تطورًا يتجاوز كونه أزمة داخلية، نظرًا لارتباطه بعدد من الملفات الاستراتيجية التي تعمل الحكومة الإثيوبية على توظيفها لتعزيز دورها الإقليمي، وفي مقدمتها سد النهضة ومساعي الحصول على منفذ بحري. ويعكس استمرار الأزمة الداخلية وجود تحديات بنيوية تواجه الدولة الإثيوبية، وهو ما قد يدفع القيادة السياسية إلى منح القضايا الخارجية أولوية أكبر باعتبارها أدوات لتعزيز التماسك الداخلي واحتواء الضغوط السياسية والأمنية، نظرا لاعتماد الحكومة الإثيوبية علي الانجازات الرمزية .كما يرتبط تطور الأوضاع في تيغراي بصورة مباشرة بحسابات الأمن القومي المصري، خاصة في ظل ارتباطه بملف سد النهضة، حيث إن استمرار حالة عدم الاستقرار داخل إثيوبيا قد ينعكس على طبيعة إدارة هذا الملف، سواء عبر تعزيز الخطاب المرتبط بالسيادة والموارد، أو من خلال استمرار النهج القائم على اتخاذ خطوات أحادية في القضايا الاستراتيجية. ويعد هذا المسار أحد مصادر القلق بالنسبة لمصر، لما قد يفرضه من واقع جديدة قبل الوصول إلى تفاهمات قانونية وسياسية بين الأطراف المعنية. ومن جانب آخر ، فإن تداخل أزمة تيغراي مع ملف المنفذ البحري يعكس ترابطًا متزايدًا بين التحديات الداخلية والطموحات الإقليمية لإثيوبيا، حيث تسعى أديس أبابا إلى تعزيز مكانتها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي رغم استمرار الضغوط الأمنية والسياسية داخل البلاد. وفي حال استمرار هذه الضغوط، قد تتجه الحكومة الإثيوبية إلى تبني مواقف أكثر تشددًا في ملفاتها الخارجية، باعتبارها وسيلة لتعزيز شرعيتها السياسية وإعادة توجيه الاهتمام الداخلي. وبالنسبة لمصر، فإن تزامن استمرار الأزمة الداخلية في إثيوبيا مع استمرار التحركات المرتبطة بسد النهضة والمنفذ البحري يفرض متابعة لهذه الملفات باعتبارها تعكس توجهًا استراتيجيًا واحدًا يرتبط بإعادة صياغة الدور الإقليمي لإثيوبيا. وعليه تظل متابعة تطورات تيغراي جزءًا من متابعة البيئة الاستراتيجية المحيطة بالأمن القومي المصري، بما يستدعي استمرار التحرك الدبلوماسي والإقليمي بالتوازي مع الحفاظ على عناصر القوة اللازمة لحماية المصالح الوطنية.
بالتالي : مستقبل أزمة تيغراي سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الحكومة الإثيوبية وسلطات الإقليم على احتواء الخلافات المتعلقة بتنفيذ اتفاق بريتوريا، حيث أن استمرار التصعيد السياسي والأمني قد يدفع نحو تجدد المواجهات العسكرية، سواء بصورة محدودة أو على نطاق أوسع، خاصة في ظل تبادل الاتهامات بشأن التحركات العسكرية والاستعدادات الميدانية. ووفقا لذلك، فإن تعثر جهود التهدئة قد يدفع إثيوبيا إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الداخلي، بما ينعكس على قدرتها على إدارة ملفاتها الإقليمية والاستراتيجية، في حين سيظل أي تصعيد في تيغراي عاملًا مؤثرًا في توازنات الأمن الإقليمي داخل القرن الأفريقي، مع استمرار انعكاساته على الدول المعنية باستقرار المنطقة، وفي مقدمتها مصر والسودان .

في 12 يوليو 2026، اتفقت قيادات عسكرية من شرق وغرب ليبيا على تنظيم تدريبات ومناورات عسكرية مشتركة جنوب البلاد، وذلك خلال اجتماع جمع الفريق خالد حفتر رئيس الأركان العامة للجيش الليبي، والفريق صلاح النمروش رئيس أركان قوات حكومة الوحدة الوطنية، بمشاركة عدد من القيادات العسكرية من الجانبين. ويعد هذا اللقاء من أبرز الاتصالات العسكرية المباشرة بين المؤسستين العسكريتين منذ سنوات الانقسام، حيث اتفق الطرفان على تنفيذ تمرين تعبوي موحد، وتعزيز آليات التنسيق بين القيادات العسكرية، إلى جانب عقد اجتماعات دورية بهدف تطوير الأداء المؤسسي ودعم مسار توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.
عسكريًا: يمثل الاتفاق تطورًا مهمًا في مسار معالجة أحد أبرز أسباب الأزمة الليبية، والمتمثل في استمرار الانقسام داخل المؤسسة العسكرية، إذ ينتقل التواصل بين الشرق والغرب من مرحلة التنسيق السياسي إلى مستوى التعاون العسكري المباشر. ويعكس ذلك وجود توجه متزايد نحو بناء مسار مؤسسي يستهدف استعادة وحدة المؤسسة العسكرية، بما قد يسهم في تعزيز قدرة الدولة الليبية على بسط سلطتها وتقليص آثار الانقسام الذي طبع المشهد الأمني خلال السنوات الماضية.كما يعكس هذا التطور تحولًا في آليات إدارة ملف المؤسسة العسكرية، حيث بات توحيد الجيش يمثل أحد المحاور الرئيسية في الجهود الرامية إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة. ويشير انخراط القيادات العسكرية من الجانبين في ترتيبات مشتركة إلى تنامي الإدراك بأن استمرار الانقسام العسكري يظل أحد أبرز معوقات الاستقرار، وأن تجاوز هذه الحالة يمثل مدخلًا أساسيًا لأي تسوية سياسية أو مؤسسية مستدامة.وفي إطار إقليمي، فإن نجاح هذا المسار قد يعيد تشكيل توازنات النفوذ داخل ليبيا، إذ أن وجود مؤسسة عسكرية أكثر تماسكًا قد يقلل من اعتماد الأطراف الليبية على الدعم الخارجي، ويحد من قدرة القوى الإقليمية والدولية على توظيف الانقسامات الداخلية لخدمة مصالحها. أما في حال تعثر هذا المسار، فمن المرجح أن تستمر حالة الانقسام بما يبقي ليبيا ساحة مفتوحة للتنافس الخارجي.
مصريًا: يعد هذا التطور ذو أهمية مباشرة للأمن القومي المصري، نظرًا لارتباط استقرار ليبيا بصورة وثيقة بأمن الحدود الغربية وقدرة الدولة الليبية على بسط سيادتها على كامل أراضيها. وعليه، فإن أي تقدم في مسار توحيد المؤسسة العسكرية من شأنه تعزيز قدرة الدولة على مواجهة التهديدات العابرة للحدود، والحد من نشاط الجماعات المسلحة ، بما يسهم في تعزيز الاستقرار على الحدود المشتركة.كما ينسجم التقارب العسكري بين الشرق والغرب مع الرؤية المصرية الداعمة للحفاظ على وحدة الدولة الليبية ومؤسساتها الوطنية، باعتبار أن وجود مؤسسة عسكرية موحدة يمثل أحد المرتكزات الأساسية لاستعادة الاستقرار ومنع إعادة إنتاج الانقسام المؤسسي. ويمنح هذا المسار القاهرة مساحة أكبر لدعم جهود إعادة بناء مؤسسات الدولة ودعم مبادرة موسعد بولس لتوحيد الدولة الليبية ، بما يعزز فرص الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها الهيكلية. وفي سياق متصل ، فإن نجاح جهود توحيد المؤسسة العسكرية قد ينعكس على طبيعة التوازنات الإقليمية المرتبطة بالوجود العسكري الأجنبي داخل ليبيا، حيث إن وجود جيش ليبي موحد قد يقلص من قدرة الأطراف الخارجية على توظيف الانقسامات الداخلية لترسيخ نفوذها. كما قد يسهم هذا المسار في توفير بيئة أكثر استقرارًا لحماية البنية الاقتصادية الليبية، بما يشمل قطاع الطاقة والموانئ والمرافق الحيوية، وهو ما ينعكس بصورة غير مباشرة على استقرار منطقة شرق المتوسط، ويعزز من فرص التعاون الاقتصادي والأمني بين مصر وليبيا .
استشرافًا: قد يفتح التقارب العسكري بين الشرق والغرب مسارًا جديدًا لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية الليبية، إلا أن نجاح هذا المسار سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف على تحويل التفاهمات الحالية إلى ترتيبات مؤسسية دائمة، ومعالجة الملفات الخلافية المرتبطة بهيكل القيادة، وتوزيع الصلاحيات، ومستقبل التشكيلات المسلحة.وفي حال استمرار هذا المسار، فقد تشهد ليبيا انتقالًا تدريجيًا من إدارة الانقسام إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر تماسكًا، بما ينعكس إيجابًا على الاستقرار الداخلي والبيئة الأمنية في شمال أفريقيا. أما إذا تعثرت هذه الجهود، فمن المرجح أن تستمر حالة الجمود المؤسسي، مع بقاء الانقسام العسكري أحد أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل التسوية الليبية.

في 13 يوليو 2026، استقبل مستشار الأمن القومي لجمهورية الصومال الفيدرالية السفير أويس حاجي يوسف، سفير تركيا لدى الصومال ألبير أكتاش، حيث تناول اللقاء سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، خاصة في مجالات التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب. وأكد الجانبان أهمية مواصلة التنسيق لدعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في الصومال، وتعزيز قدرات الدولة الصومالية في مواجهة التحديات الأمنية، بما يعكس استمرار تطور العلاقات التركية–الصومالية خلال السنوات الأخيرة.
إقليميًا: يعكس استمرار التنسيق الأمني بين الصومال وتركيا تطور العلاقات الثنائية من مستوى التعاون السياسي والاقتصادي إلى شراكة أمنية ذات طابع استراتيجي، في ظل اعتماد الحكومة الصومالية على الدعم الخارجي لتعزيز قدراتها في مواجهة التنظيمات المسلحة، وفي مقدمتها حركة الشباب. ويؤكد ذلك استمرار تركيا في ترسيخ حضورها كأحد أبرز الفاعلين الأمنيين في القرن الأفريقي، مستفيدة من الموقع الجغرافي للصومال المطل على خليج عدن وقربه من أحد أهم الممرات البحرية الدولية.كما يعكس هذا التطور تصاعد أهمية الصومال ضمن معادلات الأمن الإقليمي، حيث لم يعد الملف الصومالي يقتصر على مواجهة التهديدات الداخلية، وإنما أصبح جزءًا من التنافس الأوسع على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في ظل تزايد اهتمام القوى الإقليمية والدولية بتعزيز حضورها في الدول المطلة على الممرات البحرية الحيوية، بما يمنح هذا البلد أهمية متزايدة في حسابات التوازنات الإقليمية.ويأتي هذا التحرك في سياق إعادة تشكيل خريطة الشراكات الأمنية في القرن الأفريقي، مع تنامي أدوار عدد من القوى الإقليمية والدولية الساعية إلى توسيع نفوذها في المنطقة. ومن ثم، باتت الصومال تمثل إحدى الساحات الرئيسية للتنافس على بناء النفوذ الأمني والسياسي، خاصة مع ارتباط استقرارها بأمن الملاحة في خليج عدن والبحر الأحمر.
مصريًا: يحمل تعزيز التعاون الأمني بين تركيا والصومال انعكاسات مباشرة على البيئة الاستراتيجية المحيطة بالأمن القومي المصري، خاصة أن الصومال يشرف على أحد أهم الممرات البحرية المؤدية إلى مضيق باب المندب، والذي يمثل ركيزة أساسية لأمن البحر الأحمر وحركة الملاحة المرتبطة بقناة السويس. ومن ثم، فإن أي تطور في طبيعة الشراكات الأمنية داخل الصومال ينعكس على توازنات القوى في منطقة تمثل إحدى دوائر الاهتمام الرئيسية لمصر. كما أن تنامي الحضور التركي في المجال الأمني يأتي في إطار توسع أدوار القوى الإقليمية داخل القرن الأفريقي، وهو ما يفرض على القاهرة متابعة التحولات في الضفة الأفريقية الموازية لباب المندب، خاصة مع تداخل هذا المسار مع ملفات أخرى ترتبط بأمن البحر الأحمر، ووحدة الأراضي الصومالية، والتنافس على الموانئ والمواقع الاستراتيجية المطلة على خطوط الملاحة الدولية.
ومن جانب آخر، فإن استمرار الدعم التركي للحكومة الفيدرالية في مواجهة التنظيمات المسلحة قد يسهم في تعزيز قدرة مؤسسات الدولة الصومالية على بسط سيطرتها، وهو ما يتوافق مع المصلحة المصرية في دعم استقرار الدول المطلة على البحر الأحمر، ومنع تحولها إلى مناطق فراغ أمني يمكن أن تستغلها الجماعات المسلحة أو الأطراف الخارجية. وفي المقابل، فإن توسع الشراكات الأمنية داخل المنطقة يعزز أهمية استمرار التحرك المصري للحفاظ على توازنات النفوذ الإقليمي، بما يحول دون انفراد أي طرف بصياغة ترتيبات أمنية مؤثرة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
كما يرتبط هذا التطور بالتحركات المتصلة بملف أرض الصومال والتحركات الاسرائيلية في القرن الأفريقي بشكل عام وأمن خليج عدن، حيث أن تزايد الاهتمام الإقليمي والدولي بالضفة الأفريقية للبحر الأحمر يعزز من أهمية الحفاظ على وحدة الدولة الصومالية واستقرارها، باعتبار ذلك أحد العوامل المؤثرة في أمن الملاحة الإقليمي، وهو ما يتقاطع بصورة مباشرة مع المصالح المصرية المرتبطة بأمن قناة السويس وحركة التجارة الدولية.
استشرافًا: الشراكة التركية–الصومالية مرشحة لمزيد من التطور، في المجالين الأمني والعسكري، في ظل استمرار التحديات التي تواجه الحكومة الصومالية، وسعيها إلى تعزيز قدراتها المؤسسية والأمنية لمواجهة التهديدات الداخلية. وعليه أن يستمر القرن الأفريقي في استقطاب اهتمام القوى الإقليمية والدولية، مع تصاعد التنافس على النفوذ في الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن. وبالتالى ستظل مصر معنية بمتابعة هذه التحولات، مع مواصلة دعم استقرار الصومال ووحدة أراضيه، وتعزيز تحركاتها الإقليمية بما يحافظ على توازنات الأمن في البحر الأحمر ويصون مصالحها الاستراتيجية.

