د. خلود عبد الحفيظ
باحث أول بوحدة الدراسات الإيرانية
مقدمة
يجد المتابع للصحافة الإيرانية بمختلف اتجاهاتها السياسية الأصولية منها والإصلاحية حضورا كثيفا ومتكررا لشركة أرامكو السعودية في الخطاب الإيراني، وخاصة الهجوم المتواصل عليها في وسائل الإعلام الأصولية. ولا يبدو هذا الاهتمام مجرد انعكاس لأهمية الشركة في سوق النفط العالمية وإنما يحمل دلالات سياسية واقتصادية وجيوسياسية تتجاوز طبيعتها كشركة للطاقة. ومن هنا يبرز سؤال جوهري لماذا تحظى أرامكو تحديدًا بهذا القدر من الاهتمام في الإعلام الإيراني؟ وما الذي تمثله الشركة في الوعي السياسي والاستراتيجي الإيراني؟
إن تتبع حضور أرامكو في الصحافة الإيرانية يكشف أن الشركة تحولت من مجرد مؤسسة اقتصادية إلى رمز تتقاطع عنده اعتبارات الصراع الإيراني–السعودي والمواجهة مع الولايات المتحدة وأمن الطاقة والأزمة الاقتصادية الإيرانية الداخلية، وهو ما يجعل تحليل هذا الخطاب مدخلًا مهمًا لفهم جانب من طبيعة التنافس الإيراني–السعودي وحدود القوة الاقتصادية لكلا البلدين.
أولًا: أرامكو رمز للسعودية:
لفهم الحضور المتكرر لأرامكو في الإعلام الإيراني ينبغي أولًا تجاوز القراءة الاقتصادية الضيقة للشركة فأرامكو بالنسبة إلى إيران ليست مجرد شركة مملوكة للدولة السعودية وإنما تمثل أحد أهم أدوات القوة الوطنية السعودية فالثروة النفطية هي أحد الأسس التي قامت عليها القدرة المالية السعودية، ومن ثم فإن الشركة التي تدير الجزء الأكبر من هذه الثروة تمثل في العقلية السياسية الإيرانية امتدادًا مباشرًا للقوة السعودية. وعندما تشير الصحافة الأصولية إلى أرامكو فإنها لا تتحدث في الغالب عن ميزانية شركة أو إنتاجها النفطي بمعناه التقني، وإنما عن قدرة الرياض على تمويل سياساتها الخارجية، ومشروعاتها التنموية، وقدراتها الدفاعية، وشبكة علاقاتها الدولية. وبالتالي فإن ضرب أرامكو أو التشكيك في قدرتها يمثل محاولة لضرب أحد مصادر القوة التي تستند إليها الدولة السعودية.
ثانيًا: أرامكو بين صورة إيران عن نفسها وصعود القوة الاقتصادية السعودية
ثمة بعد أعمق في هذه المسألة يرتبط بصورة إيران عن ذاتها وعن السعودية، فالخطاب الإيراني الأصولي يصدر دائما صورة أن إيران دولة ذات جذور حضارية عميقة ولديها قدرات صناعية قديمة، في مقابل السعودية التي ينظر إليها باعتبارها دولة حديثة نسبيًا من منظور تاريخ نشأة الدولة. لكن المفارقة التي يصعب تجاهلها هي أن السعودية استطاعت خلال العقود الأخيرة أن تبني أرامكو لتصبح واحدة من أكبر شركات الطاقة في العالم وفي المقابل، تعرضت صناعة النفط الإيرانية لسلسلة من القيود البنيوية والجيوسياسية وصعوبة جذب الاستثمار الأجنبي، ومشاكل في البنية التحتية، بالإضافة للعقبات البيروقراطية والإدارية.
وهنا تتحول أرامكو إلى مشكلة رمزية بالنسبة إلى الخطاب الإيراني، وهنا يظهر سؤال بالغ الحساسية في الصحافة الإصلاحية إذا كانت إيران تمتلك تاريخًا أطول في صناعة النفط وخبرات بشرية وتقنية واسعة، فلماذا استطاعت السعودية أن تنتج شركة نفطية عالمية بهذا الحجم، بينما ظلت شركات النفط الإيرانية تعاني من القيود البنيوية والعقوبات؟ فنجد مقالا نشر في صحيفة شرق الإصلاحية للکاتب علي شمس أردكاني في أغسطس 2026م تحت عنوان “چگونه عربستان در بازارهای جهانی نفت از ایران پیشی گرفت”، أي “كيف سبقت السعودية إيران في أسواق النفط العالمية” وهو المقال الذي واجه انتقادات واسعة في الصحف الأصولية مثل كيهان وتسنيم ونشروا مقالات للرد على هذا المقال واتهموا كاتب المقال بأنه تعمد إغفال حقائق وأن المقارنة غير منصفة.
ثالثًا: أرامكو الهدف المثالي في استراتيجية الردع الإيرانية:
إذا كانت أرامكو تمثل أحد أهم مصادر القوة السعودية فإن استهدافها يصبح منطقيًا من منظور استراتيجية الردع الإيرانية القائمة على استهداف مراكز القوة الاقتصادية الحساسة بدلًا من الدخول في مواجهة عسكرية تقليدية مباشرة. وقد ظهر هذا بوضوح في هجمات سبتمبر 2019 على منشآت بقيق وخريص، فقد أدى الهجوم إلى تعطيل جزء كبير من إنتاج النفط السعودي مؤقتًا وكشف هشاشة بعض المنشآت الحيوية أمام الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ.
وقد وصف معهد واشنطن في تقرير له نشر في سبتمبر 2019 عقب الهجوم مباشرة بأن الهجوم كان قادرًا على إخراج ما يصل إلى 5.7 ملايين برميل يوميًا من السوق العالمية وسلط الضوء على حجم الإنفاق السعودي على الأسلحة الأمريكية وبين قدرة الهجوم على اختراق الدفاعات والوصول إلى منشآت النفط الحيوية
وهنا اكتسبت أرامكو وظيفة جديدة في الخطاب الأصولي الإيراني الدليل على أن القوة العسكرية السعودية رغم تكلفتها المرتفعة لا تعني بالضرورة القدرة على حماية البنية الاقتصادية الأكثر حساسية.
ولهذا تعاملت قطاعات من الصحافة الأصولية مع هجوم 2019 باعتباره نموذجًا لقدرة محور المقاومة على الوصول إلى قلب الاقتصاد السعودي وكأن الصحافة الأصولية تريد القول بأننا نستطيع الوصول إلى المصدر الذي يمول القوة السعودية، ولهذا فإن أرامكو تمثل هدفًا ذا قيمة استراتيجية تفوق بكثير القيمة العسكرية المباشرة للمنشأة المستهدفة.
فإن استهداف أرامكو يحمل ثلاثة أبعاد:
1- اقتصادي: ضرب مصدر رئيسي من مصادر الدخل السعودي.
2- سياسي: إحراج القيادة السعودية وإظهار أن المنشآت الأكثر أهمية للدولة ليست محصنة بالكامل.
3- جيوسياسي: التشكيك في فعالية المظلة الأمنية الأمريكية التي تعتمد عليها السعودية.
رابعًا: أرامكو كمرآة للأزمة الاقتصادية الإيرانية:
إذا كان الخطاب الأصولي يستخدم أرامكو لتأكيد هشاشة السعودية فإن الصحافة الإصلاحية تستخدمها أحيانًا في الاتجاه المعاكس تمامًا لتسليط الضوء على هشاشة النموذج الاقتصادي الإيراني وهنا تصبح أرامكو أكثر إزعاجًا لأنها لم تعد عدوًا خارجيًا فقط وإنما أصبحت معيارًا للمقارنة الداخلية.
فالمواطن الإيراني الذي يواجه التضخم وانخفاض قيمة العملة وضعف الاستثمار والعقوبات وصعوبات الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق العالمية يستطيع أن يرى في أرامكو نموذجًا لشركة نفطية تحقق مليارات الدولارات وتستثمر في مشروعات ضخمة وتحافظ على قدرة تشغيلية عالية.
ففي تقرير بعنوان “آرامكو ونيكو دو شرکت دو سرنوشت” أي “أرامكو ونيكو شركتان ومصيران”، تمت مقارنة أرامكو السعودية بشركة النفط الإيرانية نيكو NICO، وأشار التقرير إلى أن أرامكو أصبحت من أكبر شركات النفط والغاز في العالم، وأنها أبرمت مؤخرًا 17 عقدًا مع شركات أمريكية بقيمة تجاوزت 30 مليار دولار، فضلًا عن اتفاق سابق بقيمة 11 مليار دولار مع شركة توتال الفرنسية، وهنا لا تعود القضية مجرد مقارنة بين شركتين، بل تتحول إلى مقارنة بين بيئتين اقتصاديتين ونموذجين لإدارة الثروة النفطية
تزداد حساسية هذه المقارنة عندما ننظر إلى أداء أرامكو خلال عام 2026 ففي النصف الأول من العام أعلنت أرامكو تحقيق 67.2 مليار دولار من صافي الدخل ،كما أعلنت الشركة أن خط أنابيب شرق–غرب وصل إلى طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يوميًا وهو ما وفر للسعودية قدرة مهمة على إعادة توجيه جزء من صادراتها بعيدًا عن مضيق هرمز، وهذه الأرقام مهمة في المقارنة الإيرانية لأنها تعني أن النقاش لم يعد حول شركة تحقق أرباحًا كبيرة في ظروف طبيعية فمع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران واضطراب الملاحة في مضيق هرمز كان من الطبيعي أن تكون أرامكو من أكبر المتضررين ولكن الشركة استطاعت الحفاظ على قدرتها المالية والتشغيلية في واحدة من أصعب المشكلات الجيوسياسية التي شهدها سوق الطاقة خلال السنوات الأخيرة.
وهذا لا يعني أن السعودية أو أرامكو خرجتا من الحرب دون خسائر فالاضطرابات البحرية خفضت حجم التصدير وفرضت تكاليف ومخاطر إضافية كما تعرضت طرق البحر الأحمر نفسها لضغوط أمنية، لكن النتيجة الاستراتيجية المهمة هي أن البنية التحتية البديلة والتخزين والمرونة التشغيلية منعت إغلاق هرمز من التحول إلى شلل كامل في أرامكو
خامسًا: أرامكو بين السرديتين الأصولية والإصلاحية:
يمكن في النهاية رصد مفارقة واضحة في الطريقة التي يتعامل بها التياران السياسيان الرئيسيان في إيران مع أرامكو، التيار الأصولي يركز على أرامكو كمصدر القوة المالية السعودية وأداة لتمويل النفوذ الإقليمي وجزء من منظومة القوة السعودية–الأمريكية. أما التيار الإصلاحي فيتعامل معها بصورة مختلفة ودائمًا ما يطرح أسئلة مثل لماذا نجحت أرامكو في جذب الاستثمار والتكنولوجيا؟ لماذا استطاعت بناء شبكة عالمية؟ لماذا تتمتع بهذه المرونة التشغيلية؟ والأهم ولماذا لا تستطيع شركات النفط الإيرانية تحقيق نتائج مماثلة رغم امتلاك إيران موارد نفطية ضخمة وخبرة تاريخية طويلة؟
وبذلك تتحول أرامكو إلى مرآة سياسية واقتصادية تعكس مشكلتين مختلفتين في إيران مشكلة القوة الإقليمية من جهة، ومشكلة الأداء الاقتصادي الداخلي من جهة أخرى.
خاتمة:
تكشف قراءة الخطاب الإيراني حول أرامكو عن مفارقة أساسية كلما ازدادت أهمية أرامكو في الاقتصاد والسياسة السعودية، ازدادت أهميتها في الخطاب الإيراني بوصفها هدفًا للانتقاد والتهديد والاستهداف وهذا يعني أن الهجوم الإعلامي الإيراني على أرامكو لا ينبغي قراءته فقط باعتباره محاولة للتقليل من أهمية الشركة بل هو اعترافًا ضمنيًا بأهميتها فإذا كانت أرامكو مجرد شركة نفط عادية لما أصبحت بهذا الحضور في الخطاب الإيراني.
إنما تمثل في الحسابات الإيرانية الجزء الأكثر وضوحًا من القوة السعودية الاقتصادية ولذلك فإن ضربها يحمل قيمة سياسية تتجاوز قيمة الضرر المادي. وفي المقابل فإن نجاحها خلال أزمة هرمز أضاف بعدًا جديدًا إلى هذه المعادلة، إذ أظهر أن السعودية لم تبنِ قوتها النفطية على حجم الاحتياطات والإنتاج فقط وإنما استثمرت أيضًا في البنية التحتية والمرونة اللوجستية والقدرة على إدارة الأزمات.

اترك تعليقاً
