د/محمد أحمد صالح
يمثل أحمد الطيبي نموذجًا سياسيًا مركبًا يجمع بين الهوية الوطنية الفلسطينية والعمل داخل النظام السياسي الإسرائيلي، وهو ما يضعه في موقع فريد بين الفاعلين السياسيين في الداخل الفلسطيني ضمن المنظومة السياسية الإسرائيلية، وهم مايطلق عليهم “فلسطينيو 48” أو “فلسطيني الداخل في إسرائيل”. تتمحور إشكالية الطيبي الاستراتيجية حول معادلة معقدة يبلورها تساؤل جوهري: كيف يمكن تحقيق مكاسب وطنية فلسطينية من داخل بنية دولة إسرائيل التي يرفض هو نفسه تعريفها الأيديولوجي بأنها “دولة يهودية”؟
خلفية الطيبي ومساره السياسي
أحمد الطبيبي خريج الجامعة العبرية، ومستشار سابق لياسر عرفات (1993م-1999م)، ومؤسس “الحركة العربية للتغيير” (התנועה הערבית לשינוי – תע״ל – هتنوعا هعارفيت لشينوي – تاعال) (1996م)، عضو كنيست منذ 1999م بشكل شبه متواصل. تميّز مساره السياسي بانتقاله من الفضاء الفلسطيني الخارجي (منظمة التحرير الفلسطينية) إلى الفضاء الإسرائيلي الداخلي (الكنيست)، ما منحه قدرة مزدوجة نادرة، وجعله يجمع بين البعد الفلسطيني الوطني والبعد الإسرائيلي المعاش.
الطيبي والأيديولوجيا
يمكن توصيف أيديولوجية الطيبي بـ”قومية فلسطينية براجماتية تعمل بأدوات مدنية داخل دولة ذات طابع إثني”. ترتكز أيديولوجية الطيبي على رفض “يهودية الدولة” كتعريف حصري، فيدعم حل الدولتين، والجمع بين الهوية الوطنية والحقوق المدنية، واستخدام البرلمان كأداة نضال وليس كغاية في حد ذاتها.
حزب “الحركة العربية للتغيير”
يرأس الطيبي حزب “الحركة العربية للتغيير”، وهو ليس حزبًا جماهيريًا واسعًا، بل منصة سياسية شخصية–مؤسساتية مرنة تعتمد على التحالفات. يقوم الحزب على عدد من المبادئ الأساسية، منها المساواة المدنية، وإنهاء التمييز البنيوي في الدولة والمجتمع، وحماية الهوية الفلسطينية، وتحسين الواقع الاجتماعي للفلسطينيين داخل إسرائيل.
استراتيجية الطيبي وأدواته في العمل
يعتمد الطيبي على ثلاث دوائر محورية وأدوات أساسية:
-البرلمان (الكنيست): منصة خطابية وتأثير كبير.
-الرمزية السياسية: مثل قيامه برفع آذان الصلاة داخل الكنيست، وقراءة أسماء شهداء غزة، بهدف نقل الصراع إلى داخل المؤسسة الإسرائيلية.
-التحالفات: خصوصًا ضمن القائمة المشتركة.
الطيبي وإسرائيل
موقف الطيبي من إسرائيل، بوصفها دولة ومجتمعا، ليس رفضًا مطلقًا ولا قبولًا مطلقا، وإنما يمكن أن نطلق عليه “مشاركة تكتيكية داخل نظام مرفوض أيديولوجيًا”، من هنا يعارض الطيبي تعريف إسرائيل كـ”دولة يهودية”، ويطرح “دولة لكل مواطنيها”، لكنه يستخدم أدوات الدولة نفسها.
الطيبي والقضية الفلسطينية
يسعى الطيبي إلى الربط بين “الواقعية السياسية” و”الشرعية الوطنية الفلسطينية”، فيتحدد موقفه من شعبه الفلسطيني وفق موقعهم وحساسية قضيتهم وخصوصية موقعهم:
-الضفة: يدعم الدولة الفلسطينية.
-غزة: يتبنى خطابا إنسانيا ويرفض الحصار.
-الشتات: يؤيد حق العودة مبدئيًا.
علاقاته السياسية
-الأحزاب الإسرائيلية: لا يشارك الطيبي في الحكومات الإسرائيلية الائتلافية، ولكنه قد يدعم يعضها من الخارج إذا اقتربت أو عززت بشكل أو بآخر توجهاته السياسية والأيديولوجية، ويتمتع بعلاقة أفضل مع أحزاب اليسار.
-الأحزاب الفلسطينية في الداخل: يدخل الطيبى وحزبه في منافسة سياسية على أصوات الناخبين الفلسطينيين في الداخل، وأحيانا يدخل معها في تحالف ليضمن عدم تفتيت أصوات الناخبين الفلسطينيين في الداخل، لتحقيق أكبر عدد من المقاعد في الكنيسيت لتعزيز مكانتها وحضورها السياسيين. ولكنه يختلف مع حزب “التجمع الوطني الديمقراطي” (ברית לאומית דמוקרטית – בל״ד – بريت لئوميت ديمكراتيت – بلد) المعروف بتوجهاته القومية الراديكالية، وحزب “القائمة العربية الموحدة” (רשימה ערבית מאוחדת – רע״ם رشيما عرفيت مئوحيديت – راعام) المعروف بتوجهاته البراجماتية الحكومية.
الهوية السياسية
الطيبي لا يختار هوية واحدة بل يستخدم هوية مركبة وظيفيًا، فهو الهوية الفلسطينية؛ لأنها تمثل شرعيته الوطنية، والهوية العربية؛ لأنها تمثل بعده الثقافي بمختلف مكوناته، والهوية الإسرائيلية؛ لأنها تمثل الأداة القانونية. الهوية هنا إذن أداة سياسية وليست مجرد تعريف ذاتي.
تحليلSWOT وفرص الطيبي وتحدياته
SWOT أداة تحليل استراتيجية تُستخدم هنا لفهم وضع الطيبي داخليا وخارجيا، عبر رصد وتحليل نقاط القوة ونقاط الضعف من الداخل، والفرص والتهديدات من الخارج.
-داخليا: من نقاط القوةStrengths التي يتمتع بها الطيبي وتساعده على النجاح: خبرته الممتدة والقوية، وسمعته الجيدة، وقيادته المؤثرة، والكاريزما الخطابية التي يتمتع بها، ومواقفه الوطنية الفلسطينية. أما عن نقاط الضعف Weaknesses التي تُضعف أداءه فهي أن وراءه حزب صغير تأثيره محدود فعليًا، ونقص الموارد، وضعف التنظيم، والاعتماد على التحالفات مع أطراف أخرى.
-خارجيا: هناك فرص Opportunitiesأو عوامل خارجية يمكن استغلالها وتوظيفها لصالحه، منها التغيرات السياسية في الداخل الإسرائيلي حين يصبح الفلسطينيون في الداخل “عامل حاسم”، والدعم الدولي، والفراغ في المنافسة، مع الاستفادة من أزمات النظام السياسي الإسرائيلي. أما عن التهديدات Threats فهي مخاطر خارجية تؤثر سلبًا، مثل المنافسون الأقوياء، والقوانين الجديدة، والأزمات الاقتصادية أو السياسية، وهنا يبرز صعود اليمين الإسرائيلي، وتحريضه السياسي ضد فلسطيني الداخل، وانخفاض التصويت الفلسطيني في الداخل.
السيناريوهات الاستشرافية
-السيناريو الأول – الاستمرار (الأرجح): البقاء ضمن التحالفات القائمة على مستوى فلسطيني الداخل، وتأثيره المتوسط، ودور الخطابي القوي.
-السيناريو الثاني – التحول إلى لاعب حاسم: في حال تعادل الكتل والائتلافات الحزبية السياسية الإسرائيلية يصبح حزب الطيبي داعمًا حاسمًا لتشكيل الحكومات أو المعارضة.
-السيناريو الثالث – التراجع: تفكك التحالفات السياسية وانخفاض المشاركة الفلسطينية في التصويت الانتخابي.
-السيناريو الرابع – التحول نحو براجماتية أعمق: تقارب جزئي مع نموذج منصور عباس مقابل مكاسب مدنية داخلية ملموسة.
ختاما
أحمد الطيبي ليس مشروع سلطة، بل “مشروع تمثيل سياسي داخل واقع محدود”، نجاح الطيبي لا يُقاس بالوصول للحكم، بل بالحفاظ على الصوت الفلسطيني داخل الكنيست، وتحسين شروط الحياة لفلسطيني الداخل، ومنع تهميش هويتهم. هكذا يمثل الطيبي نموذج “البراجماتي المقاوم”، ليس ثوريًا خارج النظام، ولا اندماجيًا داخله، بل لاعب يعمل في المنطقة الرمادية بينهما

