د/محمد أحمد صالح

أعادت مشاهد هدم إسرائيل لمقر أونروا في القدس، بإشراف وحضور الوزير اليميني المتطرف بن جفير، دور أونروا، وماتمثله من حقوق اللاجئين الفلسطينيين، خاصة في القدس وماتحمله من دلالات تاريخية ودينية في الصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام والنزاع الإسرائيلي الفلسطيني بشكل خاص.

تمثّل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) أحد الأعمدة المؤسسية التي تستند إليها قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة في النظام الدولي. تحوّلت الوكالة، منذ تأسيسها عام 1949م، من جهاز إغاثي إلى إطار سياسي وقانوني يحفظ الاعتراف الدولي باستمرارية وضع اللجوء الفلسطيني.

ترى إسرائيل في أونروا تهديدًا استراتيجيًا مزدوجًا، تهديد ديمجرافي يكرس حق العودة، وتهديد سياسي يثبّت السردية الفلسطينية ويعززها. بعد حرب غزة 2023م، انتقلت إسرائيل من سياسة احتواء أونروا إلى استراتيجية استهدافها تمهيدًا لإلغائها أو استبدالها، ليصبح الصراع حول أونروا في جوهره صراعا على تعريف القضية الفلسطينية ومستقبل تسويتها النهائية، فأي مساس بالوكالة يعيد تعريف القضية الفلسطينية من قضية حقوق إلى قضية إغاثة فقط.

وهكذا تعني أونروا بالنسبة للفلسطينيين اعترافا دوليا مستمرا بحقوق اللاجئين، وذاكرة مؤسسية للنكبة، وورقة تفاوض استراتيجي، وبالنسبة للإسرائيليين، لاتتعدى كونها وكالة إغاثة، ومع ذلك تراها تُبقي الصراع مفتوحًا، لهذا فاستهدافها هو استهداف مباشر لركن أساسي من أركان القضية الفلسطينية، بوصفه “آخر حصن مؤسسي” لحق العودة. من هنا يصبح الصراع حول أونروا مرشحا للاستمرار كأحد ميادين الحرب السياسية المقبلة.

من هنا يوصي الخبراء والمختصون بضرورة دعم أونروا ماليًا وسياسيًا، ورفض أي بدائل تنتقص من صفة اللجوء القانونية، مع إدماج ملف أونروا في أي مفاوضات مستقبلية، وتوثيق الانتهاكات ضد منشآت الوكالة قانونيًا.

أولا: ماأونروا؟

أونروا هي “وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى”، UNRWA  اختصار لـ” (United Nations Relief and Works Agency for Palestine Refugees in the Near East)، وهي الوكالة الوحيدة في منظومة الأمم المتحدة المخصّصة لشعب لاجئ بعينه.

“أونرا” وكالة أممية أُنشئت عام 1949 م بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302، بهدف تقديم الخدمات الإنسانية والتنموية للاجئين الفلسطينيين الذين هجّروا بعد حرب فلسطين عام 1948م، ثم توسع نطاق عملها بعد حرب عام 1967م. تحدد نطاق عملها الجغرافي بالعمل في خمسة أقاليم، ارتبطت بنتائج العمليات العسكرية في الحربين المشار إليهما، وهي قطاع غزة، والضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية)، والأردن، ولبنان، وسوريا. ويقدر عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين تقوم المنظمة بخدمتهم  مايزيد عن 5.9  مليون لاجئ فلسطيني مسجّل لديها. وتعمل في مجالات رئيسة، منها: التعليم، بما في ذلك إدارة مئات المدارس وتشغيل عشرات آلاف المعلمين، والصحة، بما في ذلك العيادات ومراكز الرعاية الأولية، والإغاثة الاجتماعية، بجانب المساعدات الغذائية والنقدية، والبنية التحتية بالمخيمات، فضلاً عن المياه والصرف الصحي، وبرامج الطوارئ، لاسيما فى أوقات الحروب والأزمات. تعتمد أونروا على التبرعات الطوعية من الدول المانحة، وليس من ميزانية الأمم المتحدة الأساسية، مما يجعلها عرضة لأزمات تمويل متكررة.

تكمن الأهمية السياسية لأونروا في أنها تمثل الاعتراف الدولي المستمر بصفة اللاجئ الفلسطيني، كما تُعد أحد الشواهد المؤسسية على قضية اللاجئين وحق العودة، من هنا ينظر إلى أي مساس بها على أنه محاولة لتصفية ملف اللاجئين.

من أبرز الأزمات التي تواجه المنظمة اتهامات إسرائيلية لها بتوظيف عناصر من حماس، وضغوط أمريكية وإسرائيلية لإنهاء عملها، وعجز مالي مزمن، وتعرض منشآتها للقصف في الحروب والعمليات العسكرية الإسرائيلية على غزة.

ثانيا: أهمية أونروا السياسية والرمزية للفلسطينيين

تتجاوز الأهمية السياسية والرمزية لوكالة أونروا بالنسبة للفلسطينيين كونها مؤسسة إغاثية، إذ تمثل ركيزة قانونية ورمزية لبقاء قضية اللاجئين حية في النظام الدولي، لتصبح إطارًا قانونيًا يعترف باستمرارية وضع اللجوء، ومؤسسة تعليمية وثقافية تحافظ على الهوية الوطنية الفلسطينية، وشاهدًا دوليًا دائمًا على مسؤولية المجتمع الدولي عن قضية اللاجئين.

أ- الأهمية السياسية:

1-تكريس الاعتراف الدولي بصفة “اللاجئ الفلسطيني”: وجود أونروا يعني اعترافًا دوليا، عبر منظمة الأمم المتحدة، مستمرًا بأن الفلسطينيين الذين هُجّروا اثناء حربي عام 1948م وعام 1967م لاجئون لهم وضع قانوني خاص لم تتم تسويته بعد، وهذا يعني عدم إسقاط قضيتهم بالتقادم السياسي.

2-حماية ملف حق العودة: أونروا تُبقي سجل اللاجئين وأبنائهم محدثًا، وهو ما يشكّل قاعدة إحصائية وقانونية لأي مفاوضات مستقبلية حول حق العودة أو التعويض، وهذا السبب في استهدافها  سياسيًا من الأطراف الساعية لتصفية هذا الملف، أي إسرائيل وبعض حلفائها.

3-شاهد مؤسسي دولي على فشل التسوية النهائية: استمرار عمل الوكالة بعد أكثر من 75 عامًا يعني أن الصراع لم يُحل، وأن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية استمرار اللجوء.

4-عنصر توازن سياسي: في ظل غياب دولة فلسطينية مستقلة، تُعد أونروا الفاعل الدولي الوحيد الدائم داخل المخيمات، ما يمنحها وزنًا سياسيًا غير مباشر في إدارة الاستقرار الاجتماعي.

5-ورقة ضغط في التفاوض: أي تهديد بوقف تمويل أونروا يُستخدم للضغط على القيادة الفلسطينية لقبول حلول تنتقص من حقوق اللاجئين أحيانا.

ب- الأهمية الرمزية

1-رمز للنكبة الفلسطينية المستمرة: أونروا، في الوعي الجمعي الفلسطيني، ليست مجرد مؤسسة خدمات، بل تجسيد دولي للاعتراف بالمظلومية التاريخية.

2-رمز للاستمرارية الوطنية: مدارس أونروا خرّجت أجيالًا حافظت على الهوية الوطنية الفلسطينية في الشتات.

3-ذاكرة مؤسسية للجوء: تمثل وثائق أونروا وسجلاتها أرشيفًا تاريخيًا رسميًا لنشأة المخيمات ومسارات التهجير.

4-مظلة حماية دولية: وجود شعار الأمم المتحدة فوق المخيمات يمنح اللاجئين شعورًا بوجود شاهد دولي على معاناتهم.

ونظرا لدور أونروا المحوري في الحفاظ على حقوق الفلسطينيين وعدم نسيانها، وأن دولتهم في الطريق تنتظر التسويات السياسية تسعى إسرائيل لتصفية أنروا وإنهاء ودورها؛ لأنها تبقي قضية اللاجئين مفتوحة، وتعيق مشروع التوطين النهائي خارج فلسطين، وتحافظ على رمزية حق العودة، وتمنح الفلسطينيين منصة دولية دائمة.

ثالثا إسرائيل وأونرو – الصراع على تعريف قضية اللاجئين

أ-جوهر الخلاف – لماذا تستدهدفها إسرائيل؟

1-تكريس قضية اللاجئين: إسرائيل ترى أن أونروا تُبقي قضية اللاجئين حيّة سياسيًا؛ لأن وجود أونروا يعني اعترافًا دوليًا مستمرًا بأن قضية اللاجئين لم تُحل، ما يقيّد قدرة إسرائيل على فرض حلول أحادية. كما تُورّث أونورا صفة اللجوء عبر الأجيال، بما يعني بقاء مطلب حق العودة مفتوحًا ومعززا، وهو ماتعتبره إسرائيل تهديدًا ديمجرافيًا وجوديًا يهدد الطابع اليهودي للدولة، أي أن أونروا في الرؤية الإسرائيلية ليست مؤسسة إغاثة فقط، بل حاضنة للذاكرة الوطنية الفلسطينية.

2-شرعنة الهوية الوطنية الفلسطينية: إسرائيل تعتبر أن المناهج التي تدرس في مدارس أونروا تعزز السردية الفلسطينية، والمخيمات تحافظ على ذاكرة النكبة ورمزيتها، وأن الوكالة تكرّس وجود “شعب لاجئ دائم”، وتعيد إنتاج الهوية الفلسطينية الجمعية. وهذا يتعارض مع السردية الإسرائيلية التي تعتبر أن قضية اللاجئين “انتهت عمليًا”.

3-البعد الأمني: تتهم إسرائيل أونروا بتوظيف عناصر من فصائل المقاومة للعمل بها، والسماح باستخدام منشآتها في أوقات الحرب، والفشل في “تحييد” المخيمات سياسيًا، والعجز عن تحييد بيئة المخيمات عن فصائل المقاومة المسلحة، فتستخدم هذه الاتهامات والمزاعم لتبرير قصف مدارس أونروا ومستشفياتها ومقارها في غزة، والمطالبة بإلغاء الوكالة أو استبدالها.

 ب- أدوات إسرائيل لاستهداف أونروا

1-الضغط السياسي والدبلوماسي: تقود إسرائيل حملات دبلوماسية مستمرة داخل الأمم المتحدة وخارجها لإلغاء تفويضها، وتضغط على الدول المانحة لتقليص التمويل، ساعيةً إلى لنقل ملف اللاجئين إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين (UNHCR)، التي تعتمد إعادة التوطين بدل حق العودة.

2-الحرب القانونية والإعلامية: تتهم موظفي أونروا بالانتماء لمنظمات المقاومة الفلسطينية المسلحة، كما تنشر تقارير استخبارية ضد الوكالة، وتصفها إعلاميا بأنها “وكالة تعمل على استدامة الصراع”.

3-تجفيف الموارد: من خلال دعم قرار إدارة ترامب في فترة ولايتها الأولى عام 2018م بوقف التمويل الأمريكي، وتشجيع دول غربية على تعليق الدعم بعد حرب غزة 2023م.

4- الحرب العسكرية: استهداف منشآت الوكالة ومدارسها ومستشفياتها ومقارها خلال العمليات في غزة.

جـ- أونروا في الاستراتيجية الإسرائيلية بعد حرب غزة 2024م

بعد العدوان الإسرائلي على غزة 2023م تبنّت الحكومة الإسرائيلية خطابًا رسميًا بأن “لا مكان للأونروا في اليوم التالي لغزة”، فتعمل على إنهاء الدور المؤسسي للأونروا في القطاع، وتسعى لإدخال آلية دولية أو عربية لإدارة عمليات الإغاثة في غزة، بهدف نزع صفة اللجوء القانونية عن سكان غزة تدريجيًا، وتفكيك المخيمات كمراكز رمزية للهوية الوطنية. وهذا في حقيقة الأمر يرتبط بمشروع أوسع هو تفكيك أحد الأعمدة القانونية والسياسية للقضية الفلسطينية، عبر إغلاق ملف اللاجئين عمليًا دون تسوية تفاوضية.

هكذا تصبح معركة إسرائيل ضد أونروا ليست مسألة إدارية، بل جزء من استراتيجية أشمل لتصفية أحد ركائز القضية الفلسطينية، ونجاحها في تفكيك أونروا يعني نقل الصراع من مستوى الحقوق الدولية إلى مستوى الواقع المفروض بالقوة.

د- تطور السياسة الإسرائيلية تجاه أونروا

المرحلة

السياسة الإسرائيلية

1949–1993

قبول مشروط بدور أونروا كإغاثة مؤقتة

1993–2010

محاولات نقل ملف اللاجئين إلى مفوضية اللاجئين  UNHCR

2010–2023

ضغط مالي ودبلوماسي لتقليص أنشطة الوكالة

 2024-الآن

استراتيجية تفكيك وإلغاء الوكالة أو استبدالها

هـ- التداعيات الاستراتيجية

المجال

النتيجة المحتملة

قضية اللاجئين

محاولة إنهائها سياسيًا دون حل تفاوضي

غزة

تحويل الإغاثة إلى أداة إدارة ما بعد الحرب

الضفة الغربية

تقويض المخيمات كحاضنات رمزية

الأردن ولبنان

ضغوط على الدول المضيفة لتحمّل العبء

التفاوض النهائي

إضعاف ورقة حق العودة

و- المواقف الدولية والإقليمية

رغم الضغوط التي مارستها وتمارسها إسرائيل وحلفاؤها تعتبر الأمم المتحدة أونروا ضرورة إنسانية لا بديل عنها. ترفض الدول العربية، خاصة المضيفة للاجئين الفلسطينيين، إلغاءها؛ لأن هذا يعني نقل عبء اللاجئين إليها رسميًا من ناحية ومن ناحية أخرى يعني تصفية قضية اللاجئين. تميل الولايات المتحدة لدعم الرؤية الإسرائيلية  ولكن بحدود معينة لاتؤثر على صورتها كدولة تركز على البعد الإنساني. أما الدول الأوروبية فتتأرجح بين الالتزام الإنساني والضغوط السياسية، إلا أن جلها عادت لاستئناف التمويل، بعدما تيقنت من عدم صحة المزاعم والإدعاءت الإسرائيلية ضد أونروا بعد إجراء تحقيقات حول هذه المزاعم والإدعاءات. هكذا يصبح الصراع على أونروا هو صراع على تعريف المشكلة الفلسطينية نفسها.

ز- السيناريوهات المستقبلية

السيناريو

المضمون

الاحتمال

إلغاء أونروا

تفكيك كامل للوكالة

ضعيف دوليًا

تقليص الدور

استمرار محدود تحت ضغط التمويل

مرتفع

استبدال جزئي

إدخال آليات بديلة في غزة

متوسط

بقاء الوضع القائم

استمرار الوكالة رغم الاستهداف

قائم حاليًا

رابعا: هدم إسرائيل لمقر أونروا في القدس: الدلالات والتداعيات

مثّل هدم مقر أونروا في القدس إعلانا إسرائيليا بأن ملف اللاجئين لا مكان له في القدس، وأن المدينة خرجت نهائيًا من أي تسوية مستقبلية. وقد حمل هذا الهدم وماصاحبه من ممارسات عدة دلالات وتداعيات، منها:

1-إعلان السيادة الكاملة على القدس: إسرائيل تتعامل مع مقار الأمم المتحدة في القدس الشرقية بوصفها “وجودًا دوليًا غير مرغوب فيه”، فهدم مقر أونروا يعني عمليًا رفض أي وضع دولي خاص للقدس، وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على المدينة، وإنهاء أي رمز لوجود أممي يعترف بالقدس الشرقية أرضا محتلة، وهذا يهدف إلى تحويل القدس من قضية تفاوضية إلى واقع سيادي مفروض.

2-إنهاء الاعتراف الدولي باللاجئين داخل القدس: يخدم مقر أونروا في القدس لاجئي مخيم شعفاط والمناطق المحيطة، وهدمه يعني قطع الرابط المؤسسي بين القدس وقضية اللاجئين، وعزل المخيمات عن أية حماية أممية، ودفع سكان المخيم للتعامل مع بلدية الاحتلال مباشرة، وهذا يهدف إلى إخراج القدس من ملف اللاجئين نهائيًا.

4-رسالة للأمم المتحدة والمجتمع الدولي: الهدم يشكّل تحديًا مباشرًا للشرعية الدولية، واختبارًا لمدى استعداد الأمم المتحدة والمجتمع الدولي للرد، وتكريس منطق مفاده أن إسرائيل تستطيع إنهاء أي وجود أممي لا يخدم رؤيتها، وهذا يهدف إلى تحييد الأمم المتحدة عن مسار الصراع.

4-جزء من استراتيجية تفكيك أونروا: كانت القدس المقر الإقليمي للوكالة، ورمزًا لحضورها السياسي، وإزالته تعني نزع الصفة السياسية للوكالة، وحصرها مستقبلًا في وظائف إغاثية فقط خارج القدس، وهذا يهدف إلى تفكيك البعد السياسي للأونروا تدريجيًا.

5-إعادة هندسة الحضور الفلسطيني في القدس: يتزامن الهدم مع مشاريع تهويد المدينة، وتفكيك الأحياء الفلسطينية، وتغيير البنية الديموجرافية،  وهذا يهدف إلى  إفراغ القدس من أي حضور فلسطيني مؤسسي.

المجال

الدلالة

القدس

تكريس الضم النهائي

اللاجئون

قطع الارتباط المؤسسي

الأمم المتحدة

تقويض الشرعية الدولية

التسوية

فرض الحل الأحادي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version