د/محمد أحمد صالح
تدخل إسرائيل مرحلة سياسية حاسمة تتجاوز سؤال بقاء بنيامين نتنياهو أو رحيله، لتطرح سؤالًا أعمق حول طبيعة الدولة وسياساتها الإقليمية بعد سنوات الحرب. وتحتاج المنطقة العربية إلى التعامل مع الحكومة الإسرائيلية المقبلة وفق سياساتها الفعلية، لا أسماء شخصياتها أو خطابها الانتخابي. ويتمثل المطلوب عربيًا في وقف مسارات التهجير والضم والاستيطان، وإيجاد ترتيبات سياسية مستقرة لغزة، والحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية، ومنع تحويل الضفة والقدس إلى ساحات تصعيد دائم. كما تتطلب المصالح العربية منع تحول المواجهة مع إيران إلى حرب إقليمية مفتوحة، ودعم استقرار لبنان والدول العربية، وربط أي اندماج إسرائيلي إقليمي بالتنمية والاستقرار والتسوية السياسية. وتبقى السعودية ومصر والأردن ودول الخليج أطرافًا رئيسية في أي نظام إقليمي جديد. لذلك ينبغي عربيًا الاستعداد للتعامل مع مختلف الحكومات الإسرائيلية، عبر مصفوفة مصالح واضحة، توازن بين فرص التعاون ومخاطر التصعيد، وتنتقل من انتظار نتائج الانتخابات إلى إدارة العلاقة مع إسرائيل وفق المصالح العربية والفلسطينية.
السؤال العربي يجب أن ينتقل من “من سيحكم إسرائيل؟” إلى “ماذا سيفعل من يحكمها؟”
تدخل إسرائيل مرحلة سياسية مختلفة في ظل انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر 2026م، وهي أول انتخابات عامة منذ أحداث 7 أكتوبر 2023م وما تبعه من عدوان وحروب وتوترات امتدت إلى غزة ولبنان وإيران واليمن ومسارات أمنية واقتصادية ودبلوماسية إقليمية واسعة. لكن الخطأ الاستراتيجي المحتمل عربيًا هو اختزال هذه الانتخابات في سؤال واحد: هل سيبقى بنيامين نتنياهو أم يرحل؟ فهذا السؤال، على أهميته، لا يكفي لفهم إسرائيل المقبلة.
الأكثر أهمية هو معرفة أي إسرائيل ستخرج من الانتخابات: إسرائيل أكثر انغلاقًا وأمننة وعسكرة؟ أم إسرائيل تسعى إلى إعادة بناء علاقاتها الإقليمية والدولية؟ إسرائيل تبحث عن ترتيبات سياسية في غزة؟ أم إسرائيل تواصل إدارة القطاع بالقوة؟ إسرائيل تقبل مسارًا فلسطينيًا سياسيًا ولو تدريجيًا؟ أم تواصل تكريس واقع الضم والاستيطان؟ إسرائيل ترى السعودية ومصر والأردن والإمارات وقطر شركاء محتملين؟ أم ترى المنطقة أساسًا ساحة نفوذ وصراع واحتواء؟ ومن هنا فإن المطلوب عربيًا ليس دعم شخصية إسرائيلية أو حزب بعينه، ولا الدخول في معركة انتخابية إسرائيلية، وإنما بناء مصفوفة عربية واضحة للسياسات والاشتراطات والمصالح، ثم اختبار كل شخصية وحزب إسرائيلي عليها.
فالمعيار الحقيقي بالنسبة للدول العربية لا ينبغي أن يكون الاسم، ولا الخطاب، ولا مقدار “اعتدال” الشخصية في الإعلام، بل السلوك المتوقع في الملفات التي تمس الأمن القومي العربي مباشرة: غزة، والضفة الغربية، والقدس، والدولة الفلسطينية، والاستيطان والضم، ولبنان، وسوريا، وإيران، وأمن الخليج، والبحر الأحمر، والتطبيع، والطاقة، والمياه، والاقتصاد، والوجود العسكري الإسرائيلي في الإقليم.
إسرائيل أمام مفترق سياسي لا يعني بالضرورة مفترقًا استراتيجيًا
تكشف الانتخابات الحالية عن حالة تنافس حقيقي داخل إسرائيل، لكن الاختلاف بين المتنافسين لا يعني بالضرورة أن جميع الفروق تتعلق بجوهر الصراع الإسرائيلي العربي. هناك قاسم مشترك واسع بين معظم التيارات الصهيونية الرئيسية يتمثل في أولوية أمن إسرائيل، ورفض استمرار تهديد عسكري من غزة أو لبنان، والتعامل مع إيران باعتبارها تحديًا استراتيجيًا، والحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي، مع اختلافات كبيرة في الوسائل والأدوات والتوقيتات والتسويات الممكنة.
وهذا يعني أن العالم العربي ينبغي ألا يقع في خطأ المقارنة السطحية بين “يمين” و”وسط” و”يسار”، وكأن الانتقال من حكومة إلى أخرى سيؤدي تلقائيًا إلى تحول جذري في السياسة الإسرائيلية. فقد تكون هناك حكومة أقل تصعيدًا في غزة لكنها أكثر تشددًا في لبنان. وقد تكون هناك حكومة أكثر انفتاحًا على السعودية لكنها لا تقدم تنازلات فلسطينية كافية. وقد تكون هناك حكومة مستعدة لإعادة بناء العلاقة مع واشنطن وأوروبا، لكنها ترفض الدولة الفلسطينية. وقد تكون هناك حكومة تسعى إلى دمج إسرائيل اقتصاديًا في المنطقة، لكنها تتمسك بالسيطرة الأمنية على الضفة الغربية. لذلك، فإن القراءة العربية الأكثر فائدة هي قراءة ملف بملف، لا شخصية بشخصية فقط.
بنيامين نتنياهو.. استمرار نموذج “الأمن أولًا” وإدارة الإقليم من خلال القوة
يمثل بنيامين نتنياهو حالة سياسية خاصة؛ فهو ليس مجرد رئيس حكومة في انتخابات عادية، وإنما شخصية ارتبط اسمها طوال سنوات بمفهوم إسرائيل القوية أمنيًا، وبسياسة تقوم على الردع، والتفوق العسكري، وتقليص المخاطر، ومنع قيام قوة إقليمية منافسة. وتظهر التصريحات الرسمية الإسرائيلية الأخيرة أن نتنياهو ما زال يتمسك بخط عسكري واضح في غزة ولبنان، مع التأكيد على استمرار العمليات ضد حماس، وعلى بقاء الجيش الإسرائيلي في منطقة أمنية بجنوب لبنان، ومنع حزب الله من إعادة بناء قدراته.
لكن التطور الأهم هو أن نتنياهو يحاول في الوقت نفسه الحفاظ على فكرة أن إسرائيل تستطيع أن تجمع بين القوة العسكرية وبين بناء علاقات إقليمية جديدة.
ومن هنا تأتي أهمية السعودية. فالتطبيع مع الرياض، إذا تحقق، لن يكون مجرد اتفاق ثنائي بين إسرائيل والسعودية، وإنما سيكون بالنسبة لإسرائيل تحولًا جيوسياسيًا كبيرًا؛ لأنه يعيد تشكيل العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج وممرات التجارة والطاقة. وقد ظهرت تقارير إسرائيلية عن محاولات نتنياهو دفع مسار التطبيع مع السعودية، وربط بعض الاتصالات بالتهديد الحوثي وبالتعاون الاستخباري والأمني. لكن الجانب السعودي ما زال يربط مسار التطبيع بتطورات القضية الفلسطينية، بحسب تحليلات إسرائيلية وأمريكية منشورة في 2026م.
وعليه فإن السؤال العربي بشأن نتنياهو لا ينبغي أن يكون: “هل نتنياهو مناسب للعرب أم لا؟”. السؤال الأدق هو: هل يستطيع نتنياهو، إذا بقي في الحكم، الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة التسوية الإقليمية؟ وهذا اختبار مختلف تمامًا. فإذا بقيت غزة والضفة ولبنان وإيران في دائرة المواجهة المستمرة، فإن التطبيع الإقليمي سيبقى محكومًا بسقف أمني مرتفع. أما إذا سعى إلى اتفاقات إقليمية واسعة دون معالجة سياسية للقضية الفلسطينية، فإن المنطقة ستواجه معادلة مختلفة: علاقات عربية إسرائيلية أوسع، ولكن مع استمرار الصراع الفلسطيني. وهنا تظهر ضرورة الفصل بين التطبيع كمسار ثنائي وإعادة تشكيل الشرق الأوسط كمنظومة أمنية وسياسية.
معسكر المعارضة.. تغيير القيادة لا يعني بالضرورة تغيير العقيدة الأمنية
تضم المعارضة الحالية شخصيات مختلفة جدًا: جادي آيزنكوت، ونفتالي بينيت، ويائير لابيد، وأفيجدور ليبرمان، ويائير جولان، مع تفاوت كبير في مواقفهم. وقد عقد قادة أربعة أحزاب معارضة رئيسية اجتماعًا للتنسيق الانتخابي في 26 سبتمبر، لكن الاتفاق بينهم على مواجهة نتنياهو لم يحسم بصورة نهائية شكل الحكومة التي يمكن أن تتشكل بعد الانتخابات.
وهذا التفصيل مهم عربيًا. فالتحالف الانتخابي شيء، والبرنامج الاستراتيجي للحكومة شيء آخر. قد يتفق المعارضون على إنهاء عهد نتنياهو، ثم يختلفون بشأن غزة، والسلطة الفلسطينية، والدولة الفلسطينية، والضفة الغربية، ولبنان، وإيران، والأحزاب الفلسطينية في الداخل، وتجنيد الحريديم، والعلاقة مع الولايات المتحدة، والتطبيع مع السعودية. وهذه الملفات هي التي ستحدد طبيعة إسرائيل المقبلة.
جادي آيزنكوت.. الأمن المؤسسي بدل الأمن الشخصي
يمثل جادي آيزنكوت أحد أهم التحولات في المعارضة الإسرائيلية الحالية؛ إذ يأتي من خلفية عسكرية وأمنية، ويحاول تقديم نفسه بوصفه جزءًا من إعادة بناء الدولة والمؤسسات بعد إخفاقات 7 أكتوبر. أهمية آيزنكوت للعرب لا تأتي من كونه “حمامة سلام”، فهذا الوصف سيكون مضللًا، بل تأتي من احتمال قيامه بإعادة ترتيب العلاقة بين القوة العسكرية والعمل السياسي.
فهو، وفق مواقفه المعلنة، ينتقد إدارة نتنياهو للحرب في غزة، ويرى ضرورة وجود بديل سياسي لحماس، مع إبقاء الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية في صدارة حساباته. وفي الوقت نفسه وضع آيزنكوت شروطًا بشأن التعاون مع الأحزاب الفلسطينية في الداخل، وهو ما يكشف أن التحول في إسرائيل لن يكون بالضرورة تحولًا نحو قبول سياسي فلسطيني شامل.
وهنا تظهر نقطة استراتيجية مهمة: قد تكون إسرائيل المقبلة أكثر مؤسسية وأقل اعتمادًا على شخص نتنياهو، لكنها تظل إسرائيلية في تعريفها للأمن والحدود والتهديدات. ولذلك يجب على الدول العربية أن تراقب في حالة صعود آيزنكوت ليس فقط ما يقوله عن نتنياهو، بل: ماذا سيفعل بالضفة؟ وماذا سيفعل بغزة؟ وما رؤيته للسلطة الفلسطينية؟ وما شروطه للتطبيع مع السعودية؟ وما موقفه من الاستيطان؟ وما حجم القوة التي يريد إبقاءها داخل الأراضي العربية؟ هذه الأسئلة أكثر أهمية من شخصيته العسكرية السابقة.
نفتالي بينيت.. إسرائيل الاقتصادية والتكنولوجية بوصفها قوة إقليمية
نفتالي بينيت يمثل تيارًا مختلفًا نسبيًا، فهو يجمع بين خلفية يمينية وأمنية واقتصادية، لكنه يحاول تقديم نفسه بوصفه قادرًا على إعادة بناء إسرائيل من الداخل واستعادة قدرتها على العمل الطبيعي بعد سنوات من الاستقطاب والحرب.
من المنظور العربي، ينبغي التعامل مع بينيت باعتباره شخصية يمكن أن تجمع بين التكنولوجيا، والاقتصاد، والأمن، والعلاقات الدولية. وهذا قد يجعل حكومته المحتملة أكثر اهتمامًا بإعادة دمج إسرائيل في الاقتصاد الإقليمي والعالمي. لكن هذا لا يعني تلقائيًا أن بينيت سيكون أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات فلسطينية.
وهنا يجب ألا تتحول الرغبة العربية في استعادة الاستقرار الإقليمي إلى افتراض أن كل شخصية معارضة لنتنياهو ستتبنى حل الدولتين. فالسياسة الإسرائيلية قد تتغير في الأسلوب بينما تبقى بعض أهدافها الأساسية ثابتة.
يائير لابيد.. الرهان على الدبلوماسية والاندماج الإقليمي
يختلف يائير لابيد في نقطة مهمة تتمثل في إعطاء العلاقات الخارجية أهمية أكبر باعتبارها جزءًا من الأمن القومي. وقد طرح لابيد فكرة إعادة دمج إسرائيل في الشرق الأوسط، مع اعتبار مصر والإمارات شريكين مركزيين، وإحياء أطر ومشروعات إقليمية، إضافة إلى إعطاء التطبيع مع السعودية أهمية استراتيجية. وهنا توجد نقطة اتصال واضحة مع المصالح العربية.
فإسرائيل التي تبحث عن الاندماج في الشرق الأوسط ستكون مضطرة للتعامل مع مصر، والأردن، والخليج، والسعودية، والقضية الفلسطينية، وأمن البحر الأحمر، وممرات التجارة، والطاقة، والمياه، والتكنولوجيا، والأمن الإقليمي.
لكن التحدي هو أن الاندماج الاقتصادي لا يمكن أن يحل وحده محل التسوية السياسية. فقد يكون من الممكن إنشاء ممرات تجارية وتعاون تكنولوجي وشبكات طاقة، لكن استمرار الصراع مع الفلسطينيين سيظل قادرًا على تفجير تلك الترتيبات. وبالتالي، فإن أي انفتاح إسرائيلي على المنطقة ينبغي أن يُختبر وفق سؤال: هل تريد إسرائيل الاندماج في الشرق الأوسط أم مجرد استخدام الشرق الأوسط لتقوية موقعها؟ الفارق بين الاثنين استراتيجي.
يائير جولان.. أهمية التحول الديمقراطي الداخلي وعلاقته بفلسطينيي الداخل
يمثل يائير جولان أحد أبرز الأصوات داخل المعسكر الديمقراطي واليسار الصهيوني الجديد. وقد أعلن مؤخرًا أن مشاركة حزب فلسطيني في الداخل في الحكومة المقبلة يمكن أن تكون، من وجهة نظره، أمرًا طبيعيًا وديمقراطيًا، وهو موقف يختلف عن مواقف آيزنكوت الأكثر تحفظًا تجاه الأحزاب الفلسطينية في الداخل. هذه المسألة لها أهمية تتجاوز السياسة الداخلية الإسرائيلية. فالمواطنون الفلسطينيون في إسرائيل يشكلون جزءًا مؤثرًا من المعادلة الانتخابية، وقد أصبحت قضية مشاركتهم السياسية جزءًا من معركة تشكيل الحكومة.
من هنا فإن الدول العربية يجب أن تراقب ليس فقط الأحزاب الفلسطينية في الداخل، وإنما طريقة تعامل الأحزاب الصهيونية معها. فالمشكلة ليست فقط عدد المقاعد التي تحصل عليها الأحزاب الفلسطينية في الداخل، وإنما: هل تُعامل كمواطنين ذوي حقوق سياسية كاملة؟ وهل يسمح لها بالتأثير في تشكيل الحكومة؟ وهل يُنظر إليها باعتبارها جزءًا من النظام الديمقراطي أم باعتبارها تهديدًا أمنيًا؟ وهل تُستبعد انتخابيًا؟ وهل تتعرض للملاحقة السياسية؟. إن الإجابة عن هذه الأسئلة ستكون مؤشرًا على الاتجاه الذي تسلكه إسرائيل داخليًا، وعلى طبيعة العلاقة المستقبلية بين إسرائيل ومواطنيها الفلسطينيين.
الأحزاب الفلسطينية في الداخل.. نقطة الاختبار الأكثر حساسية
أصبحت الأحزاب الفلسطينية في إسرائيل عنصرًا مركزيًا في المعادلة السياسية. وتكتسب القضية أهمية إضافية بعد قرار لجنة الانتخابات المركزية استبعاد القائمة العربية الموحدة والقائمة المشتركة، مع انتقال المعركة إلى القضاء.
ومن منظور عربي، يجب التعامل مع هذه المسألة بحذر شديد. فالأحزاب الفلسطينية في الداخل ليست كتلة سياسية واحدة. هناك اختلاف بين القائمة الموحدة، والقائمة المشتركة، والجبهة، والتجمع، والحركة الإسلامية الجنوبية، والتيارات القومية الفلسطينية، والتيارات المدنية الفلسطينية. وهذا الاختلاف ليس تفصيلاً. إنه يعكس سؤالًا جوهريًا: هل يريد المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل أن يكونوا قوة احتجاجية، أم قوة تفاوضية، أم قوة مشاركة في الحكم؟ وهذا سؤال إسرائيلي داخلي، ولا ينبغي للدول العربية أن تحاول الإجابة عنه نيابة عنهم. لكن من منظور إقليمي، فإن ارتفاع وزن الأحزاب الفلسطينية في الداخل يعني أن القضية الفلسطينية لم تعد منفصلة تمامًا عن السياسة البرلمانية الإسرائيلية.
لقد أظهرت تجربة حكومة 2021م أن حزبًا فلسطينيا في الداخل يمكن أن يصبح عنصرًا في تشكيل الحكومة. ولذلك فإن العرب في المنطقة يجب أن يقرأوا الأحزاب الفلسطينية الإسرائيلية باعتبارها عاملًا سياسيًا داخليًا إسرائيليًا وليس مجرد امتداد آلي للموقف العربي الخارجي.
اليمين الديني والقومي.. التحدي الأكبر للضفة والقدس
إذا كان نتنياهو يمثل يمينًا قوميًّا أمنيًا، فإن تيارات مثل الصهيونية الدينية بقيادة بتسلئيل سموتريتش تمثل اتجاهًا مختلفًا وأكثر وضوحًا في قضية الأرض. وقد دعا سموتريتش في 27 سبتمبر 2026م إلى توسيع العمليات في الضفة الغربية، وإلى تفكيك السلطة الفلسطينية، كما تحدث عن ضم مناطق في غزة وجنوب لبنان. هذه التصريحات ليست مجرد تفصيل انتخابي؛ لأنها تكشف أن هناك تيارًا إسرائيليًا يرى الحرب وسيلة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية.
ومن هنا فإن العالم العربي يحتاج إلى بناء معيار واضح: أي شخصية إسرائيلية تدعو إلى تغيير الحدود أو الضم أو التهجير أو تفكيك السلطة الفلسطينية يجب أن تُقرأ وفق أثر هذه السياسة على النظام الإقليمي، لا وفق موقعها في المنافسة الانتخابية الإسرائيلية. وهذا مهم لأن الضفة الغربية ليست ملفًا فلسطينيًا فقط. إنها ترتبط مباشرة بالأردن، والقدس، والأمن القومي المصري، والخليج، وشرعية أي مسار تطبيع، ومستقبل الدولة الفلسطينية، ومستقبل النظام الإقليمي كله.
غزة.. الاختبار الذي سيحدد قيمة أي تغيير سياسي إسرائيلي
غزة هي الملف الأكثر أهمية، فالاختلاف بين الشخصيات الإسرائيلية لا ينبغي أن يُقاس بعدد العمليات العسكرية فقط، بل بالسؤال: من سيحكم غزة بعد الحرب؟ هناك أربعة نماذج محتملة:
الأول.. السيطرة العسكرية الإسرائيلية: استمرار وجود الجيش الإسرائيلي والتحكم الأمني المباشر. هذا النموذج قد يقلل قدرة حماس العسكرية في المدى القصير، لكنه يحمل تكاليف إنسانية وسياسية واقتصادية هائلة، ويجعل إسرائيل مسؤولة بصورة أكبر عن نتائج الحكم اليومي.
الثاني.. إدارة فلسطينية: سواء عبر السلطة الفلسطينية أو صيغة فلسطينية موسعة أو تكنوقراط. هذا النموذج يحتاج إلى قبول إسرائيلي وعربي ودولي، كما يحتاج إلى ترتيبات أمنية دقيقة.
الثالث.. إدارة عربية أو دولية: سيناريو أكثر تعقيدًا؛ لأن أي دولة عربية ستحتاج إلى معرفة من يطلب منها ذلك؟ ومن يموّل؟ ومن يحمي؟ وما مدة المهمة؟ ومن يملك القرار السياسي؟ وما العلاقة مع إسرائيل؟
الرابع.. صيغة هجينة: سلطة فلسطينية محدودة، وإشراف عربي ودولي، وضمانات أمنية إسرائيلية. وقد يكون هذا السيناريو الأكثر تعقيدًا في التنفيذ، لكنه يطرح إمكانية الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة ما بعد الحرب.
من هنا فإن المطلوب عربيًا هو عدم الاكتفاء بالسؤال: “هل إسرائيل ستوقف الحرب؟” بل: ما النظام السياسي والأمني والاقتصادي الذي تريد إسرائيل إقامته في غزة بعد الحرب؟
الضفة الغربية.. الاختبار الحقيقي لأي حكومة إسرائيلية
إذا كانت غزة تختبر قدرة إسرائيل على إنهاء الحرب، فإن الضفة تختبر قدرتها على تصور المستقبل. فأي حكومة إسرائيلية جديدة ستواجه ثلاثة مسارات: استمرار الوضع الحالي، وتوسيع السيطرة الإسرائيلية والاستيطان، وفتح مسار سياسي فلسطيني.
والخطر العربي الأكبر هو أن تنتهي حرب غزة بينما تبدأ مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الضفة. وهذا يمكن أن يؤدي إلى انفجار أمني في الأردن والضفة والقدس، ويجعل أي مسار تطبيع إقليمي أكثر صعوبة. لذلك يجب أن تكون الضفة الغربية جزءًا أساسيًا من أي تقييم عربي للحكومة الإسرائيلية المقبلة، لا ملفًا ثانويًا.
لبنان.. هل تتحول “المنطقة الأمنية” إلى وضع دائم؟
التطورات الإسرائيلية الأخيرة تشير إلى أن الحكومة الحالية تريد الإبقاء على وجود أمني داخل جنوب لبنان ومنع حزب الله من إعادة بناء قدراته. لكن هذا يطرح سؤالًا استراتيجيًا: هل المنطقة الأمنية إجراء مؤقت أم تتحول إلى واقع دائم؟ إذا أصبحت دائمة، فإنها ستخلق احتكاكًا مستمرًا بين إسرائيل ولبنان، وستضعف قدرة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها، وقد تعيد إنتاج دورة الحرب. من هنا فإن الدول العربية، ولا سيما مصر ودول الخليج والأردن، معنية بمراقبة أي ترتيبات إسرائيلية في لبنان من منظور: هل تقوي الدولة اللبنانية أم تضعفها؟ لأن ضعف الدولة اللبنانية لا يعني بالضرورة إضعاف حزب الله فقط؛ بل يمكن أن يعني أيضًا زيادة الفوضى، وتوسع النفوذ الخارجي، واستمرار عدم الاستقرار.
إيران.. من عدو إسرائيلي إلى محور لإعادة تشكيل المنطقة
إيران ستظل عاملًا ثابتًا في أي حكومة إسرائيلية مقبلة. لكن السؤال ليس فقط: هل ستواجه إسرائيل إيران؟ بل: كيف ستواجهها؟. هناك فرق بين الردع، والضربات الوقائية، والحرب المفتوحة، والضغط الاقتصادي، والتحالفات الإقليمية، وترتيبات أمنية مع الخليج، ومنظومات دفاع جوي وصاروخي مشتركة.
وهنا يصبح العالم العربي أمام خيار حساس. فبعض الدول العربية قد ترى في تقييد القوة الإيرانية مصلحة أمنية، لكنها لا تريد في الوقت نفسه أن تتحول إسرائيل إلى القوة العسكرية المهيمنة على النظام الإقليمي. وبالتالي فإن المصلحة العربية لا تختصر في “إيران ضد إسرائيل”، ولا في “إسرائيل ضد إيران”. المصلحة الأكثر تعقيدًا هي: منع أي قوة إقليمية من امتلاك قدرة على فرض قواعدها منفردة على بقية المنطقة.
السعودية.. الاختبار الأكبر للسياسة الإسرائيلية الجديدة
السعودية تمثل المفتاح الاستراتيجي الأكبر. فأي اتفاق سعودي إسرائيلي سيكون أكبر بكثير من مجرد تطبيع. إنه يمكن أن يؤثر في الأمن الإقليمي، وإيران، والولايات المتحدة، والخليج، والأردن، ومصر، والتجارة، والطاقة، والتكنولوجيا، والممرات البحرية، والنظام النووي الإقليمي.
ولهذا ينبغي ألا تنظر الدول العربية إلى التطبيع السعودي الإسرائيلي كقرار ثنائي فقط، بل يجب أن يُقرأ ضمن السؤال الأكبر: أي نظام إقليمي سينتج عنه؟ والفارق كبير بين تطبيع يؤدي إلى تعاون اقتصادي وأمني متوازن، وتطبيع يؤدي إلى إنشاء محور أمني إقليمي جديد تهيمن عليه إسرائيل والولايات المتحدة. وهنا تصبح القضية الفلسطينية أحد مفاتيح الشرعية السياسية لأي صيغة جديدة.
مصر.. من دولة حدودية إلى مركز توازن إقليمي
مصر تمتلك موقعًا مختلفًا عن بقية الدول العربية، فهي ترتبط بإسرائيل بمعاهدة سلام، وبغزة جغرافيًا وأمنيًا، وبالبحر المتوسط، وليبيا والسودان والبحر الأحمر. ومن ثم فإن أي حكومة إسرائيلية مقبلة ستحتاج إلى التعامل مع مصر. لكن المطلوب عربيًا هو ألا تتحول مصر إلى مجرد “وسيط أمني” في الأزمات الإسرائيلية الفلسطينية. الدور المصري الأوسع يتعلق بمستقبل غزة، والأمن الحدودي، وإعادة الإعمار، والملاحة في قناة السويس، وأمن البحر الأحمر، والعلاقة الإسرائيلية الخليجية، والترتيبات الإقليمية الجديدة. ولذلك فإن أي قراءة إسرائيلية لمصر باعتبارها مجرد وسيط في غزة ستكون قراءة غير مكتملة.
الأردن.. الدولة الأكثر حساسية تجاه أي تغيير في الضفة
أي حكومة إسرائيلية تتجه إلى الضم أو التوسع الاستيطاني ستجد نفسها أمام تأثيرات مباشرة على الأردن. لذلك فإن الأردن سيكون من أكثر الدول العربية حساسية تجاه نتائج الانتخابات الإسرائيلية. والقضية ليست فقط أمن الحدود، إنما تتعلق أيضًا بالقدس، واللاجئين، والضفة، والهوية الفلسطينية، والاستقرار الداخلي الأردني. من ثم فإن مستقبل الضفة الغربية يجب أن يكون جزءًا من أي حوار إقليمي حول مستقبل العلاقات العربية الإسرائيلية.
الخليج.. من حماية إسرائيل إلى بناء توازن إقليمي
تدخل دول الخليج المرحلة الجديدة وهي أكثر اهتمامًا بتنويع علاقاتها الدولية والأمنية. وتظهر التطورات الإقليمية أن دولًا مثل السعودية والإمارات وقطر وتركيا ومصر تتحرك بدرجات مختلفة نحو بناء ترتيبات أمنية واقتصادية أكثر استقلالًا. وهذا يعني أن إسرائيل لم تعد تستطيع افتراض أن أمن الخليج وإسرائيل سيكونان بالضرورة ملفًا واحدًا. فدول الخليج قد تتعاون مع إسرائيل في التكنولوجيا والدفاع الجوي والمعلومات، لكنها في الوقت نفسه قد تنفتح على تركيا والصين وروسيا وباكستان وغيرها. وهذا يخلق بيئة جديدة قوامها التعاون مع إسرائيل يصبح أداة ضمن استراتيجية متعددة الاتجاهات، وليس بالضرورة محورًا حصريًا.
ما الذي ينبغي أن تراقبه الدول العربية في الشخصيات الإسرائيلية؟
بدلًا من وضع الشخصيات في قائمة “أفضل” و”أسوأ”، يمكن بناء مصفوفة عملية من عشرة أسئلة:
1-غزة: هل يريد إنهاء الحرب أم استمرار السيطرة العسكرية؟
2-السلطة الفلسطينية: هل يريد تقويتها أم إضعافها أم تفكيكها؟
3-الدولة الفلسطينية: هل يقبل بها من حيث المبدأ، أم يرفضها، أم يؤجلها إلى أجل غير محدد؟
4-الاستيطان والضم: هل يدعم توسيعهما؟
5-القدس: هل يقبل ترتيبات سياسية خاصة بالقدس الشرقية؟
6-لبنان: هل الوجود العسكري الإسرائيلي مؤقت أم دائم؟
7-السعودية: هل التطبيع منفصل عن القضية الفلسطينية أم مرتبط بها؟
8-إيران: هل يريد الردع أم الحرب المفتوحة؟
9-المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل: هل يراهم جزءًا من النظام السياسي أم خطرًا أمنيًا؟
10-العلاقات الدولية: هل يريد إعادة بناء العلاقة مع أوروبا والولايات المتحدة على أساس دبلوماسي أم أمني فقط؟
هذه المصفوفة أكثر فائدة للعرب من سؤال: “من هو أفضل رئيس وزراء لإسرائيل؟”.
سينايوهات محتملة
السيناريو الأول.. بقاء نتنياهو: في حالة استمرار نتنياهو، يمكن تصور استمرار عدد من السمات، منها أولوية الأمن، واستمرار النفوذ اليميني، واستمرار الاعتماد على القوة العسكرية، ومحاولة تحقيق إنجاز إقليمي عبر السعودية، واستمرار الصراع حول غزة، وضغوط على الضفة، وعلاقة شديدة الأهمية مع الولايات المتحدة، وتوظيف إيران باعتبارها عاملًا مركزيًا في السياسة الأمنية. لكن بقاء نتنياهو لن يعني بالضرورة استمرار الوضع الحالي حرفيًا. فهو قد يضطر بعد الانتخابات إلى بناء ائتلاف جديد، وربما إلى التعامل مع أطراف أكثر وسطية أو أقل تشددًا. وعندها سيكون السؤال: هل يستطيع تغيير تركيبته السياسية دون تغيير جوهر سياسته؟
السيناريو الثاني.. حكومة وسطية بقيادة آيزنكوت أو بينيت أو لابيد: هذا السيناريو قد يؤدي إلى تخفيف الاستقطاب الداخلي، وإعادة ترتيب العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، ومحاولة إعادة بناء صورة إسرائيل الدولية، وإعادة تنشيط المسار السعودي، والبحث عن صيغة مختلفة لإدارة غزة، ومحاولة احتواء التصعيد في لبنان، والتركيز على الاقتصاد والتكنولوجيا. لكن لا ينبغي تفسير ذلك باعتباره تحولًا تلقائيًا نحو حل القضية الفلسطينية. قد تكون حكومة وسطية أكثر براجماتية في الوسائل، لكنها تبقى شديدة التمسك بالمصالح الأمنية الإسرائيلية.
السيناريو الثالث.. حكومة تعتمد على الأحزاب الفلسطينية في الداخل: هذا السيناريو سيكون الأكثر إثارة للجدل داخل إسرائيل، فالأحزاب الفلسطينية في الداخل قد تصبح في حالة تقارب المقاعد بين المعسكرات عاملًا حاسمًا في تشكيل الحكومة. لكن ذلك لا يعني أن الأحزاب الفلسطينية ستتفق على دعم حكومة واحدة. وقد يكون هناك فرق بين دعم خارجي، وامتناع عن التصويت، واتفاق ائتلافي، ومشاركة مباشرة في الحكومة. وهذه الفروق ستصبح شديدة الأهمية. كما أن الأحزاب الصهيونية نفسها تختلف في استعدادها للتعاون معها.
السيناريو الرابع.. استمرار الانسداد السياسي: قد تكون النتيجة الأكثر تعقيدًا هي عدم قدرة أي معسكر على الوصول إلى 61 مقعدًا. عندها يمكن أن تدخل إسرائيل في مفاوضات ائتلافية طويلة، أو حكومة وحدة، أو حكومة أقلية، أو انشقاقات حزبية، أو إعادة الانتخابات. وفي هذه الحالة ينبغي على الدول العربية أن تتجنب بناء سياساتها على نتائج الانتخابات الأولية قبل معرفة الحكومة الفعلية، فالانتخابات الإسرائيلية لا تنتهي دائمًا عند صندوق الاقتراع؛ إنها تبدأ هناك.
المطلوب عربيًا الانتقال من “رد الفعل” إلى “مصفوفة التعامل”
المطلوب عربيًا ليس التدخل في الانتخابات الإسرائيلية، بل بناء سياسة عربية قادرة على التعامل مع أي حكومة. وهذه السياسة يمكن أن تقوم على سبعة مبادئ:
الأول.. التعامل مع إسرائيل وفق السياسات لا الشخصيات: لا ينبغي أن تتحول العواصم العربية إلى رهائن لصورة شخصية إسرائيلية تبدو أكثر اعتدالًا أو أقل تطرفًا. المعيار هو القرار والسلوك.
الثاني.. فصل الملفات دون تفكيكها: يمكن التعاون مع إسرائيل في الأمن أو المياه أو الطاقة، لكن يجب ألا يؤدي ذلك إلى إسقاط القضية الفلسطينية من الحساب.
الثالث.. ربط الانفتاح الإقليمي بالاستقرار: كلما توسعت العلاقات الإسرائيلية العربية، ينبغي أن يكون هناك اهتمام أكبر بمنع انفجار فلسطيني أو لبناني أو إقليمي.
الرابع.. منع تحويل إيران إلى مظلة لإعادة تشكيل المنطقة: مواجهة إيران لا ينبغي أن تتحول إلى تفويض مفتوح لإسرائيل بإعادة رسم النظام الإقليمي.
الخامس.. دعم الدولة لا الفوضى: في غزة ولبنان وسوريا والعراق، المصلحة العربية الأساسية هي وجود مؤسسات دول قادرة على فرض القانون.
السادس.. التعامل مع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل باعتبارهم فاعلًا سياسيًا مستقلًا دون محاولة توجيه خياراتهم الانتخابية أو اختزالهم في الموقف العربي الخارجي.
السابع.. إعداد سيناريوهات مسبقة: يجب ألا تنتظر الدول العربية تشكيل الحكومة الإسرائيلية حتى تبدأ التفكير، بل ينبغي أن تكون لديها مسبقًا أوراق عمل لكل حكومة محتملة.
مطالب الدول العربية من أي حكومة إسرائيلية
يمكن تلخيص الاختبار العربي للحكومة الإسرائيلية المقبلة في مجموعة من المؤشرات الموضوعية:
أولًا: وقف مسار التهجير القسري.
ثانيًا: الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية وعدم تكريس الفصل الدائم بين غزة والضفة.
ثالثًا: عدم تحويل الاستيطان إلى سياسة ضم رسمية.
رابعًا: الحفاظ على الوضع القانوني والتاريخي للقدس والأماكن المقدسة.
خامسًا: إيجاد صيغة سياسية للحكم الفلسطيني في غزة.
سادسًا: دعم ترتيبات إقليمية تمنع الحرب الدائمة في لبنان.
سابعًا: عدم توسيع الحرب مع إيران إلى حرب إقليمية مفتوحة.
ثامنًا: حماية الملاحة في البحر الأحمر والخليج والبحر المتوسط.
تاسعًا: فتح المجال أمام إعادة إعمار غزة دون تحويل الإعمار إلى أداة للسيطرة السياسية.
عاشرًا: بناء علاقات اقتصادية إقليمية لا تقوم على التفوق العسكري وحده.
العامل الدولي.. واشنطن وأوروبا لم تعودا مجرد خلفية
أي حكومة إسرائيلية ستحتاج إلى الولايات المتحدة. لكن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية أصبحت أكثر تعقيدًا بسبب تعدد الملفات: إيران، وغزة، والسعودية، والخليج، والصين، وروسيا، وأوروبا، والاقتصاد الإسرائيلي، والصناعات الدفاعية. كما أن أوروبا أصبحت أكثر حساسية تجاه استمرار الحرب والاحتلال والاستيطان.
ومن ثم فإن الحكومة الإسرائيلية المقبلة ستواجه معادلة: كيف تحافظ على حرية العمل العسكري دون خسارة الدعم السياسي والاقتصادي والدبلوماسي الغربي؟ وهذا سؤال ستكون له انعكاسات عربية مباشرة.
فإذا أصبحت الضغوط الدولية أكبر، فقد تعود إسرائيل إلى المنطقة العربية بحثًا عن شرعية سياسية واقتصادية. أما إذا تراجعت الضغوط، فقد تزداد مساحة العمل العسكري.
الصين وروسيا والقوى الصاعدة
لا ينبغي أن تنظر الدول العربية إلى مستقبل إسرائيل باعتباره شأنًا أمريكيًا إسرائيليًا فقط، فالشرق الأوسط يتحول إلى مساحة تنافس دولي. وتحاول الصين وروسيا وتركيا والهند ودول أخرى توسيع أدوارها.
ومن هنا فإن الدول العربية تستطيع استخدام تعدد الشركاء لتوسيع هامش المناورة، لكن ذلك يتطلب ألا يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة محاور متصارعة. المصلحة العربية هي تعدد الشراكات مع الحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي.
التحول الأهم.. إسرائيل لم تعد تواجه بيئة عربية كما كانت قبل 7 أكتوبر
بعد سنوات من التركيز على التطبيع الثنائي، جاءت الحرب لتكشف أن القضية الفلسطينية ما زالت قادرة على التأثير في النظام الإقليمي كله. وتشير المعطيات السعودية المنشورة في 2026م إلى تراجع أولوية التطبيع الإسرائيلي السعودي مقارنة بما كان عليه المسار قبل حرب غزة، مع استمرار ارتباط الملف الفلسطيني بالحسابات السعودية. وهذا يعني أن إسرائيل المقبلة ستجد أمامها بيئة عربية أكثر تعقيدًا: السعودية تريد أمنًا وتكنولوجيا واستثمارًا، لكنها تريد أيضًا موقعًا فلسطينيًا واضحًا، ومصر تريد استقرار غزة وأمن الحدود، والأردن يريد منع تفجر الضفة والقدس، والإمارات تريد الاستقرار والاقتصاد، وقطر تريد دورًا سياسيًا ووساطة. وبالتالي فإن إسرائيل لا تواجه “موقفًا عربيًا واحدًا”، وإنما شبكة مصالح عربية مترابطة.
المفارقة الإسرائيلية الكبرى
المفارقة التي يجب على العرب فهمها هي أن إسرائيل قد تصبح أقوى عسكريًا وأكثر انفتاحًا اقتصاديًا في الوقت نفسه، لكنها قد تكون أقل قدرة على تحويل هذه القوة إلى استقرار سياسي. القوة العسكرية تستطيع تدمير بنية عسكرية، وقتل قيادات، وفرض مناطق أمنية، واعتراض صواريخ، وتعطيل قدرات نووية، لكنها لا تستطيع وحدها إنشاء شرعية سياسية، وإنتاج حكومة فلسطينية مستقرة، وإقناع السعودية بالتطبيع، وإنهاء الصراع الفلسطيني، ومنع التطرف، وبناء نظام إقليمي مستقر. وهنا تحديدًا يكمن الاختبار الحقيقي لأي قيادة إسرائيلية جديدة.
السيناريو الأخطر عربيًا
السيناريو الأخطر ليس بالضرورة بقاء نتنياهو. قد يكون السيناريو الأخطر هو أن تتغير الحكومة الإسرائيلية بينما تبقى المعادلة الأساسية للصراع كما هي: حكومة جديدة، وحرب مستمرة، واستيطان مستمر، وغياب أفق فلسطيني، ووجود عسكري في لبنان، وصراع مع إيران، وسباق تطبيع إقليمي. في هذه الحالة سيبدو التغيير السياسي الإسرائيلي كبيرًا، لكنه لن ينتج تغييرًا استراتيجيًا حقيقيًا. ولهذا يجب ألا تنخدع الدول العربية بمفهوم “إسرائيل ما بعد نتنياهو” إذا لم تتغير السياسات التي أنتجت الأزمات.
السيناريو الأكثر أهمية استراتيجيًا
التحول الأكثر تأثيرًا على المنطقة سيكون قيام حكومة إسرائيلية تدرك أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي، وتربط أمن إسرائيل بإعادة بناء البيئة الإقليمية. وهذا يعني أمن إسرائيل مقابل أمن المنطقة، والتطبيع مقابل مسار سياسي فلسطيني، والتعاون الاقتصادي مقابل الاستقرار، وإدارة غزة بالشراكة مع الفلسطينيين والعرب والمجتمع الدولي، ولبنان قوي مقابل حدود أكثر استقرارًا، ومواجهة إيران ضمن إطار إقليمي لا يؤدي إلى حرب شاملة. هذه ليست “شروطًا عربية مفروضة” بقدر ما هي عناصر اختبار لمعرفة ما إذا كان التغيير الإسرائيلي سياسيًا فقط أم استراتيجيًا أيضًا.
ماذا عن الفلسطينيين داخل إسرائيل؟
يجب أن تحظى هذه المسألة بمكانة خاصة، فالمواطنون الفلسطينيون في إسرائيل ليسوا مجرد كتلة انتخابية، إنهم عنصر من عناصر مستقبل النظام السياسي الإسرائيلي. وإذا أصبحت مشاركتهم السياسية أكبر، فقد يتغير شكل الحكومات الإسرائيلية. أما إذا جرى استبعادهم سياسيًا، فإن ذلك سيكون مؤشرًا على اتجاه مختلف في النظام السياسي الإسرائيلي. من هنا ينبغي للعالم العربي أن يراقب هذه القضية من منظور حقوقي وسياسي، دون محاولة إدارة السياسة الداخلية لهؤلاء المواطنين.
الخاتمة
تدخل إسرائيل مرحلة لا يمكن اختزالها في معركة بين نتنياهو وخصومه. إنها تدخل اختبارًا أعمق حول سؤال: أي دولة تريد إسرائيل أن تكون بعد سنوات الحرب؟ وهل تكون دولة أمنية دائمة التعبئة؟ وهل تكون قوة إقليمية عسكرية تبحث عن شبكة تحالفات؟ وهل تكون دولة تكنولوجية مندمجة في اقتصاد الشرق الأوسط؟ وهل تكون دولة توسعية تعيد رسم الحدود؟ أم دولة تبحث عن تسوية سياسية تتيح لها الاستفادة من موقعها الاقتصادي والعسكري دون استمرار الحرب؟
الإجابة لن يقدمها صندوق الاقتراع وحده، سيقدمها تشكيل الحكومة، وائتلافها، وبيانها السياسي، وسياساتها في غزة والضفة ولبنان، وموقفها من السعودية، وعلاقتها بواشنطن وأوروبا، وطريقة تعاملها مع المواطنين العرب داخل إسرائيل. ولهذا فإن المطلوب عربيًا ليس البحث عن شخصية إسرائيلية “مفضلة”، وإنما بناء قدرة على التعامل مع كل الاحتمالات.
ينبغي أن تكون هناك ورقة عربية جاهزة لكل حكومة محتملة، تتضمن ملفات التفاوض، والملفات غير القابلة للمساومة، وفرص التعاون، ومخاطر التصعيد، وأدوات الضغط، وأدوات الحوافز، والعلاقات مع واشنطن، والعلاقات مع أوروبا، والعلاقات مع السعودية ومصر والأردن، ومستقبل غزة، ومستقبل الضفة، ومستقبل لبنان، وأمن الخليج والبحر الأحمر، والتطبيع، والطاقة والمياه والتكنولوجيا. وبذلك ينتقل التعامل العربي مع إسرائيل من انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية إلى إدارة العلاقة مع إسرائيل أيًا كان الفائز. وهذه هي النقلة الأهم.
فالقضية ليست أن يعرف العرب “من سيحكم إسرائيل”، وإنما أن يعرفوا ما الذي يستطيع الحاكم الإسرائيلي تغييره، وما الذي لا يستطيع تغييره، وما الذي يمكن للعرب التأثير فيه، وما الذي ينبغي الاستعداد له مسبقًا. والمرحلة المقبلة قد تكون حاسمة؛ لأن إسرائيل، بعد ثلاث سنوات من الحرب الممتدة، تقف أمام مفترق بين استمرار نموذج “الدولة المحاربة” وبين محاولة الانتقال إلى نموذج “الدولة الإقليمية المندمجة”.
أما العالم العربي، فمصلحته الاستراتيجية لا تكمن في نجاح نموذج أو فشل نموذج، وإنما في أن تكون أي عملية اندماج إقليمي مرتبطة بالاستقرار، واحترام حقوق الفلسطينيين، ومنع التهجير والضم، وتعزيز سيادة الدول العربية، ومنع تحول الشرق الأوسط إلى نظام تهيمن عليه قوة واحدة.
وفي هذا السياق، فإن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ينبغي النظر إليها باعتبارها بداية عملية سياسية جديدة وليست نهايتها. فحتى إذا تغير رئيس الحكومة، فإن الملفات التي أنتجت الأزمة ستبقى غزة، والضفة، ولبنان، وإيران، والسعودية، والعلاقة مع الولايات المتحدة، ومستقبل النظام الإقليمي.
ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي لأي قيادة إسرائيلية مقبلة سيكون في قدرتها على الإجابة عن سؤال واحد: هل تريد إسرائيل أن تكون قوة مهيمنة على الشرق الأوسط، أم قوة مندمجة فيه؟ أما الاختبار العربي، فهو سؤال مقابل: كيف يمكن للدول العربية أن تتعامل مع إسرائيل من موقع المصالح والتوازن، بحيث لا تتحول القوة الإسرائيلية إلى هيمنة، ولا تتحول الخلافات الإقليمية إلى حروب دائمة، ولا يُدفع ثمن الاستقرار العربي على حساب الحقوق الفلسطينية؟ هذا هو جوهر المرحلة المقبلة، وهو أوسع بكثير من اسم رئيس الحكومة الإسرائيلية القادم.

