د/محمد أحمد صالح
تكشف الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، وما تلاها من ارتدادات إقليمية ودولية، عن تحوّل عميق في طبيعة الصراع داخل الشرق الأوسط. فالمواجهة لم تعد مجرد تبادل نيران أو اختبار لقدرات عسكرية، بل أصبحت ساحة لإعادة تعريف موازين القوة، وحدود الردع، وشكل النظام الإقليمي الجديد القادم.
القراءة التقليدية للحرب تميل إلى التركيز على حجم الضربات، والخسائر العسكرية، والقدرة على التدمير. إلا أن القراءة الاستراتيجية الأعمق تُظهر أن النجاح التكتيكي لا يعني بالضرورة تحقيق انتصار سياسي. وهنا تحديداً تكمن المفارقة التي تحاول هذه الورقة تفكيكها: لقد استطاعت إسرائيل والولايات المتحدة إظهار تفوق عسكري واضح، لكنهما في المقابل دفعتا المنطقة إلى معادلات جديدة منحت إيران وحلفاءها فرصاً إضافية للمناورة والتأثير.
فالأهداف المعلنة أو الضمنية للحرب كانت تتمثل في إضعاف إيران استراتيجياً، وترميم صورة الردع الإسرائيلي، ودفع دول الخليج نحو اصطفاف أوضح مع تل أبيب، وتوجيه رسالة ردع إلى الصين وروسيا، وإعادة تثبيت الهيمنة الأمريكية في المنطقة.
لكن النتائج التي ظهرت لاحقاً بدت أكثر تعقيداً من الحسابات الأولية، بل إن بعض التطورات حملت انعكاسات عكسية تماماً على التصور الإسرائيلي – الأمريكي.
وهم القوة المطلقة
اعتمدت المقاربة الإسرائيلية – الأمريكية على فرضية مركزية مفادها أن التفوق العسكري قادر على إعادة تشكيل البيئة السياسية في الشرق الأوسط. هذه الفرضية ليست جديدة؛ فقد رافقت التدخلات الأمريكية في العراق وأفغانستان، وقبلها ظهرت في حروب عديدة اعتقدت فيها القوى الكبرى أن السيطرة النارية قادرة على إنتاج واقع سياسي مستقر.
غير أن التجربة الحديثة أثبتت أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها فرض نظام إقليمي دائم إذا كانت البيئة السياسية والاجتماعية والأمنية تعمل وفق منطق مختلف.
وفي حالة الحرب مع إيران، بدا واضحاً أن إسرائيل تعاملت مع المشهد الإقليمي باعتباره بنية مركزية يمكن ضربها من الأعلى لإسقاطها بالكامل، بينما الواقع أن خصومها يعملون ضمن شبكات مرنة، لا مركزية، قادرة على التكيف السريع.
وهنا يظهر أحد أهم التحولات في الحروب الحديثة، لم يعد السؤال: “من يملك السلاح الأقوى؟”، بل: “من يملك القدرة الأعلى على التكيف والاستمرار؟”.
الصين ورفض الاصطفاف الكامل
كانت واشنطن تراهن على أن الضغط العسكري على إيران سيفرض على الصين إعادة حساباتها، أو على الأقل سيدفع بكين إلى ممارسة ضغط سياسي على طهران. لكن الصين تعاملت مع الأزمة بعقلية مختلفة تماماً. فبكين لم تدخل في المواجهة السياسية المباشرة، ولم تمنح واشنطن ما كانت تبحث عنه من اصطفاف واضح. اكتفت بالدبلوماسية الهادئة، وحافظت على توازنها التقليدي القائم على حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية دون الانجرار إلى مشروع أمريكي مفتوح.
هذا السلوك الصيني يحمل دلالات استراتيجية عميقة، منها الصين لا تريد شرق أوسط تديره واشنطن منفردة، وبكين تعتبر إيران جزءاً مهماً من معادلات الطاقة والطريق التجاري الدولي، والصين تتجنب التحول إلى أداة ضمن الاستراتيجية الأمريكية، والعالم يتجه تدريجياً نحو تعددية قطبية تقلل من قدرة واشنطن على فرض الاصطفافات التقليدية.
ولذلك فإن الحرب لم تعزل إيران دولياً بالشكل المتوقع، بل أظهرت حدود النفوذ الأمريكي حتى على القوى الكبرى المنافسة.
روسيا واستعادة الحضور الدولي
إحدى الرسائل غير المباشرة التي أفرزتها الأزمة كانت تتعلق بروسيا. ففي الوقت الذي سعت فيه الولايات المتحدة إلى تقديم موسكو كقوة معزولة، أظهرت التحركات الروسية – الصينية أن هناك فضاءً دولياً جديداً يتشكل خارج الهيمنة الغربية التقليدية.
لم تكن موسكو بحاجة إلى استعراض عسكري مباشر داخل الأزمة كي تثبت حضورها؛ فمجرد استمرار التنسيق الروسي – الصيني أعطى انطباعاً بأن النظام الدولي لم يعد أحادياً.
وهذا يعني أن أي حرب إقليمية مستقبلية لن تُدار وفق الرؤية الأمريكية وحدها، بل ضمن بيئة دولية أكثر تعقيداً تتداخل فيها المصالح الاقتصادية، وخطوط الطاقة، والتحالفات المرنة، والتنافس الجيوسياسي طويل الأمد.
مضيق هرمز سلاح أعادت الحرب تفعيله
ربما كانت النتيجة الأهم للحرب هي إعادة تذكير العالم بالقيمة الاستراتيجية الهائلة لمضيق هرمز. فإيران، حتى دون استخدام مباشر للقوة البحرية، نجحت في إعادة وضع المضيق في قلب المعادلة العالمية.
ويُعد مضيق هرمز أحد أخطر نقاط الاختناق الجيوسياسي في العالم، حيث تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط والغاز الدولية. لذلك فإن مجرد التهديد بإغلاقه أو تعطيله يخلق سلسلة ارتدادات تشمل ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الأسواق المالية، وزيادة التضخم العالمي، وتهديد سلاسل الإمداد، وضغوطاً سياسية داخل الدول الغربية.
من هنا تظهر المفارقة الأساسية: لقد حاولت إسرائيل إضعاف إيران عسكرياً، لكنها أسهمت في رفع القيمة الجيوسياسية للأوراق التي تملكها طهران. فالقوة الإيرانية لا تقوم فقط على الصواريخ أو النفوذ الإقليمي، بل أيضاً على الجغرافيا. وفي عالم يعتمد على الطاقة والتجارة البحرية، تصبح الجغرافيا أحياناً أقوى من القوة النارية نفسها.
الحرب غير المتكافئة وإرباك التفوق التكنولوجي
أحد أبرز مشاهد ما بعد الحرب كان تصاعد دور الأدوات منخفضة التكلفة في مواجهة الأنظمة العسكرية المتقدمة. فالمسيّرات الرخيصة، وأنظمة الاتصال البسيطة، والحلول التقنية غير التقليدية، أثبتت قدرتها على إرباك أكثر المنظومات تطوراً.
وهذا يعكس تحوّلاً مهماً في طبيعة الحروب الحديثة. إسرائيل بنت جزءاً كبيراً من صورتها الردعية على التفوق التكنولوجي، والذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، وأنظمة الدفاع الجوي، والقدرة الاستخباراتية المتقدمة.
لكن خصومها لا يسعون إلى منافستها ضمن المعايير نفسها، بل يعملون على تقويض جدوى هذا التفوق عبر وسائل أقل تكلفة وأكثر مرونة. وهنا تظهر فلسفة الحرب غير المتكافئة: عندما يعجز الطرف الأضعف عن مجاراة القوة الكبرى، فإنه يغيّر قواعد اللعبة بالكامل.
وهذا ما يفسر تنامي دور المسيّرات منخفضة التكلفة، وحرب الاستنزاف، والهجمات اللامركزية، وشبكات الوكلاء، والتكنولوجيا التجارية المعدلة عسكرياً. وهي أدوات تجعل التفوق العسكري التقليدي أقل حسماً مما كان عليه في العقود السابقة.
إيران شبكة إقليمية لا دولة مركزية
أحد الأخطاء الكبرى في القراءة الإسرائيلية – الأمريكية يتمثل في التعامل مع إيران بوصفها مركزاً واحداً يمكن تعطيله عبر الضربات المباشرة. لكن النفوذ الإيراني في المنطقة لا يعمل وفق نموذج الدولة المركزية الصلبة، بل وفق نموذج الشبكات الموزعة.
فطهران بنت خلال العقود الماضية منظومة نفوذ ممتدة تشمل لبنان، والعراق، واليمن، وسوريا، والبحر الأحمر. وهذه الشبكات لا تعتمد دائماً على قيادة مركزية مباشرة، بل تمتلك قدراً كبيراً من المرونة والاستقلالية التكتيكية.
لذلك فإن استهداف جزء من هذه المنظومة لا يؤدي تلقائياً إلى انهيارها بالكامل. بل إن الحروب أحياناً تدفع هذه الشبكات إلى زيادة التكيف، وتطوير أدوات جديدة، وتعزيز اللامركزية، وتقليل الاعتماد على البنية التقليدية.
ومن هنا فإن الحرب، بدلاً من إنهاء النفوذ الإيراني، ربما دفعت هذا النفوذ إلى التحول نحو أنماط أكثر مرونة وصعوبة في الاستهداف.
الخليج بين التطبيع والواقعية الجغرافية
أظهرت الأزمة أيضاً حدود الرهان الإسرائيلي على تحويل بعض العلاقات الخليجية إلى تحالفات مواجهة علنية ضد إيران. فدول الخليج، رغم انفتاح بعضها على التعاون مع إسرائيل، تدرك حقيقة جغرافية لا يمكن تجاوزها. إيران ستبقى جاراً دائماً في المنطقة، بينما الولايات المتحدة قد تغيّر أولوياتها، والإدارات الأمريكية تتبدل، والتحالفات الدولية تتغير مع الزمن.
لذلك فإن العواصم الخليجية تميل غالباً إلى إدارة توازن معقد يقوم على الانفتاح الأمني المحدود، وتجنب الاستفزاز المباشر، والحفاظ على قنوات اتصال إقليمية، وعدم الانجرار إلى مواجهة شاملة تخدم مصالح دول إقليمية أخرى في الأساس.
من هنا فإن أي محاولة إسرائيلية لإظهار التطبيع الخليجي باعتباره اصطفافاً كاملاً ضد إيران قد تؤدي إلى نتائج عكسية؛ لأنها تضع تلك الدول أمام حساسيات داخلية وإقليمية معقدة.
الحرب الإعلامية وأزمة الصورة الإسرائيلية
لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بعدد الأهداف التي تم تدميرها، بل أيضاً بالصورة التي تخرج بها الدول أمام الرأي العام العالمي. وفي هذا السياق واجهت إسرائيل تحديات متزايدة تتعلق بصورتها السياسية والأخلاقية، خاصة مع تصاعد حضور اليمين المتطرف داخل المشهد الإسرائيلي.
فكلما حاولت تل أبيب تقديم نفسها ديمقراطية غربية متقدمة، وشريكاً حضارياً للغرب، ودولة تدافع عن نفسها ضمن القانون الدولي ظهرت ممارسات وتصريحات تعيد طرح أسئلة حول طبيعة المشروع السياسي الإسرائيلي، وحدود القوة العسكرية، والعلاقة مع الفلسطينيين، واستخدام القوة ضد المدنيين.
وهذا البعد الإعلامي لم يعد هامشياً؛ لأن الحروب الحديثة تُخاض أيضاً داخل شبكات الإعلام، ومنصات التواصل، والرأي العام العالمي، والجامعات والنخب الفكرية. أي أن المعركة على الشرعية أصبحت جزءاً أساسياً من الصراع.
إسرائيل والانتصار في الحرب
هناك تعريفات متعددة لمعنى “الانتصار” تتحدد وفق عدة معايير. إذا كان المعيار هو القدرة على تنفيذ ضربات دقيقة، وإلحاق خسائر بالبنية العسكرية، وإظهار تفوق استخباراتي وتقني فإن إسرائيل حققت نجاحات واضحة. لكن إذا كان المعيار هو إعادة تشكيل المنطقة، وإنهاء النفوذ الإيراني، وفرض نظام ردع دائم، وإنتاج بيئة سياسية مستقرة فإن النتائج تبدو أقل وضوحاً بكثير. بل إن بعض التطورات اللاحقة تشير إلى أن الحرب كشفت حدود القوة أكثر مما كرّست هيبتها.
وهنا تظهر الفكرة الجوهرية التي تقوم عليها هذه الورقة: إسرائيل والولايات المتحدة ربحتا الأعمال العسكرية: التدمير والقصف والقتل، لكنهما لم تربحا المعادلة السياسية والاستراتيجية.
ختاما
تكشف هذه الحرب عن تحول تاريخي في طبيعة الصراعات الإقليمية والدولية. فالعالم يدخل تدريجياً مرحلة جديدة تقوم على تراجع الهيمنة الأحادية، وصعود الشبكات اللامركزية، وتنامي دور الاقتصاد والطاقة، وضعف قدرة الجيوش التقليدية على الحسم السياسي، اتساع دور التكنولوجيا منخفضة التكلفة، وتصاعد أهمية الحرب الإعلامية والرمزية.
وفي هذا السياق لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لإنتاج نظام إقليمي جديد. بل أصبح النجاح الاستراتيجي مرتبطاً بقدرة الدول على إدارة التحالفات، والتحكم بالممرات الاقتصادية، والحفاظ على الشرعية، والتكيف مع الحروب غير التقليدية، وفهم طبيعة البيئة الدولية الجديدة.
ومن هنا يمكن فهم المفارقة التي تعالجها هذه الورقة: لقد دخلت إسرائيل الحرب وهي تعتقد أنها تعيد رسم الشرق الأوسط بالقوة، لكنها اكتشفت أن المنطقة أصبحت أكثر تعقيداً من أن تُدار بمنطق التفوق العسكري وحده. ولهذا فإن أخطر ما كشفته الحرب ليس حجم الدمار، بل حدود القدرة على تحويل هذا الدمار إلى مشروع سياسي مستقر ودائم.

