دكتور/ أحمد البدوي سالم
أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الأزهر زميل كلية الدفاع الوطني، الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
أثار منشور على موقع إسرائيل تتكلم بالعربية فضول رواد مواقع التواصل بعدما قامت إسرائيل بتهنئة الدروز بعيد “النبي سبلان”! وكان نص التهنئة كالتالي: “يحل اليوم في العاشر من شهر أيلول عيد النبي سبلان عليه السلام، نتقدّم بهذه المناسبة بأسمى آيات التهاني والتبريكات إلى إخوتنا أبناء الطائفة الدرزية الكريمة. نسأل الله أن يعيده عليكم بالأمن والإيمان، وبالخير والبركة والسلام، وأن يجعل أيامكم عامرة بالمحبّة والوئام. كل عام وأنتم بخير، وزيارة مقبولة.”
ومعلوم أن فكر الدروز ومعتقداهم تختلف جملة وتفصيلًا عن الإسلام، ولكن ما آثار انتباهي ودعاني للكتابة، أن المعلقين على المنشور اختلفوا هل سبلان هذا نبي حقًّا؟ فكان الجواب من أحد الحسابات: أنه استدل بنبوته بدليل قوله تعالى: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ) (سورة النساء: 164) وهذا ما استوجب التوضيح، والإجابة عن الأسئلة: من هو سبلان؟ وما حقيقته؟ وهل هو من نسل يعقوب -عليه السلام-؟ أم إنه ليس نبيًا؟
والجواب لقد انتابت سيرة “سبلان” عدم الوضوح والتضارب حول نسبته، بسبب السرية التي يتسم بها دين الدروز بشكل عام، وأن تعاليمهم الدينية ومعتقداتهم ليست مكتوبة وإنما تنقل شفويا، ومن ثم يميلون إلى الاتجاه الباطني الذي يحمل طابع السرية والكتمان، ويتسع هذا الغموض ليشمل بعض الشخصيات في الطائفة الدرزية في فلسطين، من أبرزها ما يسمونه “النبي سبلان” الذي يُحتفل بعيد زيارته رسميا في العاشر من شهر سبتمبر من كل عام.
ويوجد قولان حول شخصية سبلان:
الأول: يرى أنصاره أن “سبلان” هو “زبولون” بن يعقوب، وهو أحد أبناء نبي الله يعقوب (إسرائيل) الاثنا عشر الذين ورد ذكرهم في كل من العهد القديم والقرآن الكريم.
وبحسب الموروث الكتابي انحدرت قبيلة كبيرة العدد من نسل زبولون، وعقب دخول بني إسرائيل إلى فلسطين، نجح سبط زبولون في استيطان الأراضي الواقعة في الطرف الجنوبي من الجليل. وظل هذا السبط على تلك الأرض حتى وقعت أحداث السبي الأشوري في القرن الثامن قبل الميلاد، وهي الأحداث التي شهدت تهجير عشرة أسباط -ومنهم سبط زبولون- خارج الأراضي الفلسطينية.
وهذا الرأي أرى أنه ضعيف بل مختلق لإيجاد التقارب بين اليهود والدروز، بالإضافة إلى أن الطائفة الدرزية لم يكن لها وجود في ذلك التاريخ ولا في عهد الشتات ولا في عد المسيح وإنما وجودهم مرتبط بحكم الفاطميين، فكيف ينسب سبلان إلى فترة سحقيه من الزمان اللهم إلا التدليس الذي دأبوا عليه لإيجاد تقارب بينهم وبين اليهود، وذلك بغرض التوفيق بين الخلفية التاريخية اليهودية من جهة، والحالة الديموغرافية السائدة في منطقة شمال فلسطين من جهة أخرى، ولا غرابة حينئذ عندما نجد أن من رجح هذه النسبة المكذوبة بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي وزعموا أن جماعات الدروز تنحدر من نسل سبط زبولون المفقود، الأمر الذي أوجد في شخصية سبلان رمزًا مشتركًا تجتمع فيه الأصول العرقية اليهودية والدرزية معًا.
القول الثاني: يرى أن سبلان كان واحدًا من قادة الدعوة الدرزية التي انتشرت في النصف الأول من القرن الخامس الهجري. وأرجعوا تفسير اسمه سبلان إلى معنيين:
الأول: أن الاسم “سبلان” مشتق من بعض المواقف التي عُرفت عن هذا الرجل واشتهر بها بين الناس، وأن الاسم الأصلي له كان “سابا”، وأنه كان معروفًا بقوته وشدته في الحق في بداية حياته، ثم لان بعد ذلك وتحول رأيه من الصلابة الى الليونة فقيل فيه “سابا لان”، وهو الوصف الذي سرعان ما تحول إلى اسم “سبلان” وثبت بعدها بعدما انتشر على ألسنة الناس.
الثاني: ويعتمد على بيان المعنى اللغوي للاسم، حيث فسرت كلمة “سبلان” بكونها تشير إلى الشيخ الطويل النحيف ذي اللحية الطويلة.
وقد ربط أحد شيوخ الدروز في مقالة له بعنوان: “مقام النبي سبلان” بين شخصية سبلان الغامضة والداعي المعروف أبي الخير سلامة بن عبد الوهاب السامري، والذي كان أحد أركان الدعوة التوحيدية/ الدرزية أيام الحاكم بأمر الله، ويُعدّ أحد “الحدود الخمسة”، ويُرمز له باللون الأبيض في علم الدروز، كما يُطلق عليه “الباب الأعظم” في كتب الدروز المقدسة.
وبحسب هذا التفسير، قيل إن سلامة قد خرج من مصر إلى مدينة الخليل لكي يبشر بدين الدروز عقب غياب الحاكم بأمر الله، ولكن لمّا رفض أهل الخليل دعوته والاستجابة له، اضطرّ سلامة أن يترك تلك المنطقة وتوجه إلى منطقة الجليل، وعاش فيها تحت اسم سبلان، قبل أن يغادر المنطقة ويتوجه إلى السويداء في جنوب سوريا، حيث عاش الفترة الأخيرة من حياته، ودُفن بها.
ونسب الدروز لسبلان عددًا من المعجزات نشرتها مواقعهم لخلع القداسة على الرجل في حياته وبعد مماته، فمن المعجزات التي يزعم الدروز سبتها إليه: قصة عنزات سبلان حيث إنه كان عند سبلان قطيع من الماعز يعتاش منه، وكان القطيع يتوجه تلقائيًا إلى المرعى ويعود في المساء لوحده دون أن يتمكن أو يجرأ من أذيته حيوان أو إنسان. وكان القطيع المذكور منسجمًا مع بعضه ولا تبتعد العنزات عن القطيع بل تبقى مع بعضها البعض، مما استدل به الدروز على معجزاته.
منها: قصة نمو الشجر: حيث تنمو أشجار عديدة ومتنوعة على سفوح جبل سبلان، وخاصة أشجار السّنديان. ويحكى أنّ سبلان كان يترك كهفه الموجود على رأس الجبل وينزل ليستظل ويتعبد في ظِلال شجرات عالية. وفي أحد الأيام نشب حريق كبير أدى الى حرق جميع الأشجار في الجبل، ولكن عندما وصلت النار إلى الشجرات التي كان سبلان يستظل بظلها، انطفأت النار وسَلِمت الأشجار، وترى هذه الأشجار حتى اليوم خضراء شاهقة ومنها تتدلى بعض قِطع الأقمشة التي يستعمل الزوار بعضًا منها للتبرُّك بها .
ويقدس الدروز العين المجاورة لضريحه، والزعم بأن الدعاء عندها مستجاب، فكانت شخصية سبلان عند الدروز الملجأ والحاكم والقاضي وتحولت المغارة مكان سكنه محجّةً يحج إليها الدروز للتبرك، واشتهر بأن الطواف حول مغارته يشفي قطعان الماعز، ويقع المقام على قمة جبل سبلان جنوب قرية حرفيش في الجليل الأعلى، ويرتفع عن سطح البحر 900 م، ويشرف على قرية حرفيش ويمكن منه مشاهدة معظم مناطق الجليل الأعلى، ويحتوي المبنى على المغارة التي كان يتعبد فيها سبلان والمبنى الذي شُيِّد فوقها، على مراحل لاحقا، وأول قبّة أقيمت فوق المغارة كانت بسبب حلم حلمه الشّيخ سليمان الحريري، حيث طلب منه سبلان في المنام أن يقيم قبة على المغارة قبل ما يقارب 140 عام.
وأخذ الدروز يتوافدون إلى مقامه للتبرُّك، وفي أواخر القرن التاسع عشر، عندما تمّ ترميم مقام سيدنا شعيب عليه السلام، من قِبل الشيخ مهنا طريف، وعُيّنت زيارة خاصة لذلك المقام الشريف، أدخل هذا الحدث إلى الدروز ضرورة تقديس مقامات وأضرحة شخصياتهم، فقامت الرئاسة الروحية للدروز، وفي مقدمتها الشيخ أمين طريف، بالإعلان عن زيارة نبيهم سبلان، كزيارة رسمية وكعيد معترف به عند الدروز.
أي إنه حتى أواخر القرن التاسع عشر لم يكن لسبلان أي ذكر، ولا عيد، ولا زيارة، ونظرًا لما يتغياه المحتل الإسرائيلي من زرع الشقاق وأنه الأمين على الأقليات وما كان بينهم وبين الدروز من اتصال، فقد أوجدوا تقاربًا معهم ومنها الشخصية الغامضة سبلان فخلعوا القداسة عليها والحج إلى ضريحه، ومشاركتهم احتفالهم.
ومن الأمثال التي درجت على ألسنة سكان منطقة الجليل: “هل عنزاتك مثل عنزات سبلان”، أي هل تترك قطيع ماعزك دون راعٍ ولا تخاف عليه وكأنه قطيع سبلان الذي لا راعي له، فقد كانوا يزوِّرون قطعانهم في المقام، وكل رأس ماعز يقف أمام المغارة فهو لسبلان، إذ قالوا: “هذا مربوط لسبلان”. وكانوا يحفظون أماناتهم في المقام، ويعتقد الدروز أنّ هذا المكان مقدسا، ويذكرون وقوع بعض الكرامات فيه، فأصبح المكان محجّا ومقصدًا للدروز للتبرك ولإيفاء النذور والصلاة والتضرع إليه، وكل تلك الأفعال محرمة في دين الإسلام، فضلا عن الاعتقاد بنبوة سبلان أحد مؤسسي الطائفة الدرزية في الجليل، فالاعتقاد بنبوته محرم شرعًا؛ لأنه لا نبي بعد نبي الإسلام خاتم الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (الأحزاب: 40).
وروى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بسِتٍّ: أُعطيتُ جوامعَ الكلِمِ ونُصِرْتُ بالرُّعبِ وأُحِلَّتْ لي الغنائمُ وجُعِلت لي الأرضُ طَهورًا ومسجدًا وأُرسِلْتُ إلى الخَلقِ كافَّةً وخُتِم بي النَّبيُّونَ”.
وعن سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- لعلي -رضي الله عنه-:” أنتَ مِنِّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسى، إلَّا أنَّه لا نَبيَّ بَعدي”. متفق عليه .
والحاصل: فإن سبلان الذي يحتفل به الدروز ويحجون إلى قبره ليس نبيًّا، وأن الزعم بنسبته إلى نبي الله يعقوب وأنه أحد أبنائه قول باطل، وأن نسبة الدروز إليه باطل أيضًا؛ لأن الدروز لم يوجدوا إلا في فترة الحكم الفاطمي، مما يرجح أنه أحد أتباع الحاكم لأمر الله والذي فر إلى الشام، وأقام بالجليل، ومن ثم لا يجوز تسميته بالنبي؛ لأنه لا نبي بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو خاتم الأنبياء بنص القرآن الكريم، وأن ما يعتقده الدروز في هذا الرجل ونسبة المعجزات إليه، والتبرك به، والحج إلى قبره، يناقض عقيدة الإسلام.

