د/محمد أحمد صالح
تدخل إسرائيل عام 2026م وهي محكومة بتناقض استراتيجي عميق، فمن جهة، تسعى المؤسسة العسكرية إلى إعادة بناء قدراتها بعد حرب طويلة وممتدة على أكثر من جبهة، ومن جهة أخرى، يواجه الاقتصاد الإسرائيلي حدوداً مالية وسياسية لم يعد قادراً على تجاوزها بسهولة. لم تعد المسألة مجرد خلاف بيروقراطي بين وزارة الدفاع ووزارة المالية حول بنود الإنفاق، بل تحولت إلى اختبار شامل لقدرة الدولة الإسرائيلية على مواصلة نموذجها التقليدي القائم على التفوق العسكري، والإنفاق الأمني المفتوح، والدعم الخارجي، وتصدير الأزمات الداخلية عبر الحروب.
تكشف أزمة ميزانية 2026م أن إسرائيل لم تعد تتحرك في بيئة استراتيجية مريحة كما كان الحال في مراحل سابقة. فقد فرض العدوان على غزة، والتصعيد مع لبنان، والمواجهة مع إيران، واستنزاف قوات الاحتياط، وتآكل الجبهة الداخلية، واقعاً جديداً على الدولة الإسرائيلية. هذا الواقع لا يقتصر على ارتفاع تكلفة الحرب، بل يمتد إلى تراجع القدرة على إدارة الحرب نفسها دون أثمان اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة.
تكتسب هذه الأزمة أهمية خاصة؛ لأنها تكشف جانباً من هشاشة النموذج الأمني الإسرائيلي الذي طالما قُدّم باعتباره نموذجاً متماسكاً وقادراً على الحسم السريع. فإسرائيل التي اعتمدت تاريخياً على نقل المعركة إلى أرض العدو والخصم، والحسم الخاطف، والتفوق الجوي والاستخباري، تجد نفسها اليوم أمام معادلة مختلفة: حروب طويلة، وجبهات متعددة، واستنزاف داخلي، وضغط اقتصادي، وتراجع في القدرة على فرض الردع بصورة مستقرة.
أزمة الميزانية إذاً ليست شأناً إسرائيلياً داخلياً فقط، بل هي مؤشر على تحولات أعمق في ميزان القوة الإقليمي، وعلى انتقال إسرائيل من مرحلة فائض القوة إلى مرحلة إدارة الكلفة. وهذه النقطة تحديداً ينبغي أن تكون موضع اهتمام صانع القرار العربي، لا من باب المبالغة في ضعف إسرائيل، بل من باب قراءة حدود قوتها، وفهم كيف يمكن للأزمات الداخلية الإسرائيلية أن تنعكس على سلوكها الخارجي، سواء عبر التصعيد العسكري أو عبر محاولة استعادة الردع بعمليات مفاجئة.
خلفية الأزمة – من اقتصاد التفوق إلى اقتصاد الاستنزاف
بنت إسرائيل، منذ تأسيسها، عقيدتها الأمنية على قاعدة مركزية مفادها أن الأمن يسبق الاقتصاد، وأن الإنفاق العسكري ليس بنداً قابلاً للمساومة، بل شرط وجودي لبقاء الدولة. وقد ساعدها على ذلك الدعم الأميركي والغربي، والتفوق التكنولوجي، والقدرة على تعبئة المجتمع، ووجود اقتصاد قادر نسبياً على تمويل آلة عسكرية متقدمة.
غير أن عدوانها المستمر والممتد على غزة منذ السابع من أكتوبر 2023م كشفت حدود هذا النموذج. فإسرائيل لم تخض حرباً قصيرة، ولم تحقق حسماً سريعاً، ولم تستطع إعادة تشكيل البيئة الأمنية وفق شروطها. بدلاً من ذلك، دخلت في حالة استنزاف مركب: استنزاف عسكري في غزة ولبنان، واستنزاف مالي في الميزانية، واستنزاف اجتماعي في الاحتياط والجبهة الداخلية، واستنزاف سياسي داخل الائتلاف الحاكم.
وتشير الأرقام إلى أن الفجوة بين مطالب وزارة الدفاع وتقديرات وزارة المالية لعام 2026م تبلغ نحو 50 مليار شيكل، حيث تطلب وزارة الدفاع 144 مليار شيكل، في حين لا يتجاوز الإطار الذي تطرحه وزارة المالية 100 مليار شيكل. كما تظهر فجوة فورية قدرها 31 مليار شيكل بين الميزانية المعتمدة والنفقات المتوقعة حتى نهاية 2025م، وهو ما دفع المحاسب العام في وزارة المالية إلى تجميد معظم المدفوعات والعقود الجديدة للمؤسسة العسكرية.
هذه الأرقام لا تعكس فقط خلافاً حسابياً، بل تشير إلى انتقال إسرائيل من اقتصاد الحرب المحدودة إلى اقتصاد الحرب المفتوحة. ففي الحروب السابقة، كانت إسرائيل قادرة على امتصاص الصدمة، ثم العودة إلى مسار النمو. أما اليوم، فإن تعدد الجبهات، وطول أمد الحرب، وتآكل الاحتياط، وتراجع الثقة الدولية، كلها عوامل تجعل تكلفة الحرب بنيوية وليست طارئة.
وهنا تظهر المفارقة، إسرائيل تحتاج إلى مزيد من الإنفاق العسكري كي تستعيد الردع، لكنها كلما زادت الإنفاق العسكري عمّقت أزمتها الاقتصادية والاجتماعية، وكلما حاولت تقليص الإنفاق كشفت هشاشة جاهزيتها العسكرية. هذه هي معضلة اقتصاد الاستنزاف.
أزمة الجيش الإسرائيلي: جاهزية ناقصة وقلق من حرب متعددة الجبهات
تطرح المؤسسة العسكرية الإسرائيلية الأزمة باعتبارها مسألة تتعلق بالجاهزية والعمليات في الميدان. فالجيش يتحدث عن انخفاض شديد في مخزون الذخائر، وتآكل وحدات الاحتياط، وحاجة عاجلة إلى إعادة بناء المخزونات العسكرية، خصوصاً الذخائر الدقيقة، وقطع غيار الدبابات، والمسيّرات التكتيكية، ومنظومات الدفاع والتحصين.
هذه المطالب تعكس إدراكاً داخل المؤسسة العسكرية بأن إسرائيل تدخل عام 2026م وهي أقل استعداداً مما ترغب، في لحظة ترى فيها أن المواجهة مع حزب الله أو إيران أو جبهات أخرى قائمة ومرشحة للتوسع. ولذلك تصف بعض التقديرات الإسرائيلية عام 2026م بأنه عام اختبار حقيقي لجاهزية الجيش في حرب متعددة الجبهات.
لكن القراءة النقدية لا ينبغي أن تقبل الرواية العسكرية الإسرائيلية كما هي. فالمؤسسة العسكرية، مثل أي مؤسسة أمنية كبرى، تستخدم خطاب التهديد الوجودي لتوسيع ميزانيتها وحماية نفوذها. كما أن تضخيم الخطر الخارجي قد يكون وسيلة للهروب من المحاسبة الداخلية على إخفاقات الحرب، خصوصاً إخفاقات السابع من أكتوبر، وإخفاقات الحسم في غزة، وفشل إعادة بناء الردع بالسرعة التي وعد بها القادة الإسرائيليون.
ومع ذلك، لا يجوز التقليل من خطورة هذه المعطيات. فالأزمة المالية لا تعني أن إسرائيل عاجزة عسكرياً، بل تعني أن قدرتها على إدارة حرب طويلة أصبحت أكثر كلفة وأكثر تعقيداً. وهذا قد يدفعها إلى أحد اتجاهين متناقضين، اتجاه الحذر النسبي بسبب الخوف من حرب طويلة لا تستطيع تمويلها بسهولة، واتجاه التصعيد الوقائي لاستعادة الردع قبل أن تتفاقم فجوات الجاهزية.
من هنا، فإن القراءة التحليلية يجب أن تتعامل مع الأزمة لا باعتبارها دليلاً على شلل إسرائيلي، بل باعتبارها مؤشراً على احتمال سلوك أكثر عصبية وعدوانية. فالدول التي تشعر بتراجع قدرتها على الردع قد تلجأ أحياناً إلى ضربات استباقية لإعادة تثبيت صورتها، لا سيما إذا كانت القيادة السياسية مأزومة داخلياً.
وزارة المالية ومنطق إعادة الضبط: اقتصاد أم سياسة؟
في المقابل، تقود وزارة المالية الإسرائيلية، برئاسة بتسلئيل سموتريتش، خطاباً يقوم على ضرورة ضبط الإنفاق الأمني ومنع المؤسسة العسكرية من التصرف بمنطق “الشيك المفتوح”. وتقول المالية إن وزارة الدفاع تجاوزت سقف ميزانية 2025م، وأبرمت تعاقدات واسعة قبل الحصول على مصادقات كاملة، بما يهدد العجز والنمو والخدمات المدنية.
على المستوى الظاهري، يبدو خطاب المالية عقلانياً، فلا يمكن لأي دولة أن تواصل الإنفاق العسكري بلا حدود، خصوصاً في ظل ارتفاع الدين والعجز وتراجع النمو. لكن عند تفكيك الموقف سياسياً، يظهر أن المسألة لا تتعلق فقط بالانضباط المالي، بل أيضاً بصراع أولويات داخل اليمين الإسرائيلي الحاكم.
فسموتريتش لا يمثل مجرد وزير مالية متخصص، بل يمثل مشروعاً أيديولوجياً استيطانياً واضحاً. ومن ثم فإن الصراع على الميزانية لا ينفصل عن سؤال: أي إسرائيل يريد اليمين المتطرف تمويلها؟، إسرائيل الجيش المركزي التقليدي؟، أم إسرائيل المستوطنات والضم الزاحف في الضفة الغربية؟، أم إسرائيل التحالف بين الحريديم والصهيونية الدينية واليمين القومي؟.
من منظور نقدي تحليلي، هذه نقطة جوهرية. فالصراع بين وزارتي الدفاع والمالية ليس صراعاً بين “الأمن” و”الاقتصاد” فقط، بل بين نمطين من الأمن الإسرائيلي: أمن عسكري تقليدي تقوده المؤسسة العسكرية، وأمن استيطاني أيديولوجي تقوده قوى اليمين الديني والقومي.
وفي الحالتين، يبقى الفلسطيني والعربي هو الطرف الذي يدفع الثمن. فإذا انتصرت المؤسسة العسكرية، سيذهب التمويل إلى إعادة بناء آلة الحرب. وإذا انتصر اليمين الاستيطاني، ستذهب الموارد إلى تعميق السيطرة على الضفة الغربية وتوسيع الاستيطان وحماية المستوطنين. لذلك، فإن الخلاف الإسرائيلي الداخلي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خلافاً بين طرف معتدل وطرف متطرف، بل بين صيغتين مختلفتين من المشروع الصهيوني.
الاستيطان مقابل الجيش: جوهر الأزمة السياسية
تكشف أزمة الميزانية أن إسرائيل تعيش صراعاً داخلياً على تعريف الأولوية الاستراتيجية. فالجيش يريد ميزانية ضخمة لإعادة بناء قدراته بعد حرب طويلة، بينما يريد اليمين الديني القومي ضمان استمرار تمويل مشروعه الاستيطاني والسياسي، خصوصاً في الضفة الغربية.
هذا الصراع يعكس تحولاً عميقاً في بنية الدولة الإسرائيلية. ففي السابق، كانت المؤسسة العسكرية هي المركز الصلب للإجماع الإسرائيلي. أما اليوم، فقد أصبحت هذه المؤسسة نفسها طرفاً في صراع مع قوى سياسية أيديولوجية ترى أن الجيش، رغم مركزيته، يجب أن يخضع لأولويات المشروع الاستيطاني والحسابات الائتلافية.
هذا التحول خطير ومهم في آن واحد، خطير لأنه يعني أن القرار الإسرائيلي بات أكثر خضوعاً لابتزاز قوى دينية وقومية متطرفة، وقد يصبح أكثر اندفاعاً في الضفة الغربية والقدس، ومهم لأنه يكشف تصدعاً في مركز القرار الإسرائيلي، وتراجع قدرة المؤسسة العسكرية على فرض رؤيتها بصورة مطلقة كما كان يحدث في مراحل سابقة.
إن ربط ميزانية الأمن بقانون تجنيد الحريديم، وبالميزانيات الائتلافية، وبمطالب المستوطنين، يعني أن الأمن الإسرائيلي لم يعد يُدار وفق تقدير استراتيجي بحت، بل وفق مساومات حزبية وأيديولوجية. وهذا يضعف القرار وأهدافه الاستراتيجية، لكنه في الوقت ذاته قد يزيد احتمالات المغامرة؛ لأن القادة المأزومين داخلياً قد يستخدمون التصعيد الخارجي لتوحيد الجبهة الداخلية أو تأجيل الانفجار السياسي.
أزمة الائتلاف واحتمالات سقوط الحكومة
تتجاوز أزمة ميزانية 2026م الجانب المالي لتصبح اختباراً مباشراً لبقاء حكومة بنيامين نتنياهو. فعدم تمرير الميزانية حتى نهاية مارس 2026م يعني، وفق القواعد السياسية الإسرائيلية، سقوط الحكومة والذهاب إلى انتخابات مبكرة. هذا الاحتمال بات جزءاً من معادلة الضغط بين أطراف الائتلاف، خصوصاً في ظل الخلاف حول قانون تجنيد الحريديم والميزانيات الائتلافية.
نتنياهو يجد نفسه بين ثلاث قوى ضاغطة:
-الجيش ووزارة الدفاع اللذان يطالبان بزيادة كبيرة في الميزانية تحت عنوان الجاهزية والحرب متعددة الجبهات.
-وزارة المالية والصهيونية الدينية التي تريد ضبط الإنفاق العسكري وتوجيه الموارد نحو أولوياتها السياسية والاستيطانية.
-الأحزاب الحريدية التي تربط دعمها للحكومة بقانون الإعفاء من التجنيد وضمان مصالحها المالية والاجتماعية.
هذه المعادلة تجعل نتنياهو أقل قدرة على المناورة. فهو لا يستطيع تجاهل الجيش حتى لا يُتهم بالتفريط بالأمن، ولا يستطيع كسر سموتريتش حتى لا يفقد الائتلاف، ولا يستطيع إغضاب الحريديم لأنهم يشكلون ركيزة أساسية لبقائه السياسي.
ولا يعني احتمال سقوط الحكومة بالضرورة تحسناً في السلوك الإسرائيلي. فقد أثبتت التجربة أن الانتخابات الإسرائيلية غالباً ما تتحول إلى مزايدة أمنية وقومية، حيث يتنافس القادة على إظهار التشدد تجاه الفلسطينيين والعرب. لذلك، فإن الأزمة الائتلافية قد تزيد احتمالات التصعيد، خصوصاً إذا حاول نتنياهو أو خصومه استخدام الملف الأمني لتحسين مواقعهم الانتخابية.
الدلالة الاستراتيجية: إسرائيل أمام حدود القوة
الأهمية الأعمق لهذه الأزمة أنها تكشف أن القوة الإسرائيلية، رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي، ليست بلا حدود. لقد اعتادت إسرائيل أن تخوض حروباً قصيرة نسبياً، وأن تعتمد على تعبئة سريعة، ودعم أميركي، وتفوق جوي واستخباري، ثم تعود إلى مسار اقتصادي طبيعي. أما اليوم، فهي تواجه بيئة مختلفة: حرب طويلة لا تحقق حسماً واضحاً، ومقاومة قادرة على الاستنزاف، وجبهة شمالية ثقيلة الكلفة، ومواجهة مع إيران تشكل استنزافا متعدد المستويات، وضغط دولي متزايد، وانقسام داخلي سياسي واجتماعي، وتراجع الثقة في القيادة، واستنزاف الاحتياط والاقتصاد.
هذه العناصر مجتمعة تعني أن إسرائيل دخلت مرحلة “إدارة التآكل” لا مرحلة “إدارة التفوق”. صحيح أنها لا تزال قوة عسكرية كبرى، وصحيح أن لديها دعماً أميركياً واسعاً، وصحيح أنها قادرة على توجيه ضربات مؤلمة، لكن قدرتها على تحويل القوة إلى نتائج سياسية مستقرة أصبحت موضع شك.
وهنا تظهر أهمية المقاومة السياسية والدبلوماسية والإعلامية والقانونية عربياً. فإسرائيل لا تُهزم فقط في الميدان العسكري، بل تُستنزف أيضاً حين تفشل في تحقيق أهدافها السياسية، وحين ترتفع كلفة الاحتلال، وحين تتحول صورتها الدولية إلى عبء، وحين يصبح استمرار الحرب تهديداً لاقتصادها وتماسكها الداخلي.
البعد المصري: الأمن القومي المصري أمام إسرائيل المأزومة
لا يمكن النظر إلى أزمة ميزانية الأمن الإسرائيلية بمعزل عن الأمن القومي المصري. فإسرائيل المأزومة مالياً وسياسياً قد لا تكون بالضرورة أقل خطراً، بل ربما تكون أكثر ميلاً إلى تصدير أزماتها. وتحديداً، هناك أربع دوائر يجب أن تتابعها القاهرة بدقة:
-دائرة غزة وسيناء: أي تصعيد إسرائيلي جديد في غزة، أو محاولة لإعادة هندسة القطاع أمنياً وسكانياً، تمس مباشرة الأمن القومي المصري. فمصر معنية بمنع التهجير، ومنع تصفية أو تفكيك القضية الفلسطينية على حساب الجغرافيا المصرية، ومنع تحويل الحدود المصرية الفلسطينية إلى منطقة ضغط دائم. أزمة الميزانية قد تدفع إسرائيل إلى البحث عن حلول أمنية أقل كلفة عسكرياً وأكثر خطورة سياسياً، مثل تكريس مناطق عازلة، أو الاعتماد على ترتيبات محلية مفروضة، أو الضغط باتجاه إخراج جزء من العبء الإنساني نحو مصر. ولذلك يجب أن تبقى القاهرة يقظة أمام أي محاولة إسرائيلية لتحويل عجزها عن الحسم في غزة إلى ضغط على مصر.
-دائرة الحدود الشرقية: تتحدث المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عن مشروع “الجدار الشرقي” على الحدود مع الأردن، وتربطه بمخاوف التهريب والاختراقات في حال توسعت المواجهة مع إيران أو حزب الله. ورغم أن هذا المشروع يتعلق بالأردن مباشرة، فإنه يعكس تصوراً إسرائيلياً أوسع للحدود العربية باعتبارها ساحات تهديد محتملة. بالنسبة لمصر، فإن أي تحول في العقيدة الحدودية الإسرائيلية يستدعي متابعة دقيقة، خصوصاً في ضوء خبرة سيناء، والحدود مع غزة، ومحاولات إسرائيل الدائمة لتوسيع تعريف أمنها على حساب جوارها العربي.
-دائرة شرق المتوسط: الأزمة الاقتصادية الإسرائيلية قد تؤثر أيضاً على حسابات الطاقة والاستثمار والأمن البحري في شرق المتوسط. فإسرائيل التي تواجه ضغطاً مالياً قد تسعى إلى تعظيم عوائد الطاقة، أو تعزيز شراكاتها الأمنية، أو استخدام ملفات الغاز والتطبيع الاقتصادي لتعويض جزء من أعباء الحرب. ومن ثم، ينبغي لمصر أن توازن بين مصالحها الاقتصادية في شرق المتوسط وبين إدراكها أن إسرائيل تستخدم الاقتصاد أحياناً كأداة لتطبيع نتائج القوة، وليس فقط كمساحة تعاون.
-دائرة الردع الإقليمي: إسرائيل التي تخشى تآكل ردعها بصورة كبيرة قد تلجأ إلى عمليات مفاجئة أخرى ضد إيران أو لبنان أو سوريا أو غزة. وهذا قد يفتح موجات تصعيد إقليمي تؤثر على مصر سياسياً وأمنياً واقتصادياً، سواء عبر البحر الأحمر، أو قناة السويس، أو أسواق الطاقة، أو موجات النزوح والضغط الإنساني. لذلك، فإن المصلحة المصرية ليست في انهيار غير منضبط للبيئة الإقليمية، بل في منع إسرائيل من استخدام التصعيد كأداة للهروب من أزمتها الداخلية.
البعد العربي: من رد الفعل إلى بناء أوراق الضغط
تكشف هذه الأزمة عن فرصة لإعادة التفكير في كيفية التعامل مع إسرائيل. فالسياسة العربية كثيراً ما تعاملت مع إسرائيل باعتبارها كتلة صلبة لا تتأثر إلا بالقوة العسكرية المباشرة. لكن أزمة الميزانية الحالية تظهر أن إسرائيل تتأثر أيضاً بالاستنزاف السياسي والاقتصادي والقانوني والإعلامي.
لذلك، يمكن للدول العربية أن تتبنى استراتيجية ضغط مركبة تقوم على تعظيم كلفة الاحتلال سياسياً ودبلوماسياً عبر المؤسسات الدولية، ودعم المسار القانوني ضد جرائم الحرب، وعدم ترك إسرائيل تفلت من المحاسبة، ومنع تحويل الأزمات الإنسانية إلى أدوات ابتزاز سياسي خصوصاً في غزة، وتقييد مكاسب التطبيع المجاني وربط أي انفتاح إقليمي بسلوك إسرائيلي واضح تجاه الفلسطينيين، ودعم الصمود الفلسطيني اقتصادياً ومؤسسياً بما يمنع إسرائيل من فرض حلول أمنية أحادية، وتطوير خطاب عربي موحد يكشف أن أزمة إسرائيل ليست أزمة دفاع عن النفس، بل أزمة مشروع احتلال واستيطان وحرب مفتوحة.
إن الورقة العربية الرابحة ليست فقط في امتلاك القوة العسكرية، بل في إدارة الزمن السياسي. فإسرائيل تخشى الحروب الطويلة؛ لأنها تكشف هشاشة مجتمعها واقتصادها. وكلما فشلت في تحقيق حسم سريع، زادت كلفة الاحتلال، وتعمقت خلافاتها الداخلية.
سيناريوهات 2026م
يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسية لأزمة ميزانية الأمن في إسرائيل:
السيناريو الأول – تسوية داخلية مؤقتة: في هذا السيناريو، يتوصل نتنياهو إلى تسوية بين الدفاع والمالية، تقوم على زيادة جزئية في ميزانية الجيش، مع بعض القيود الشكلية على العقود العسكرية، وضمان استمرار التمويل الائتلافي للمستوطنين والحريديم. هذا هو السيناريو الأكثر احتمالاً إذا أراد نتنياهو تجنب انتخابات مبكرة. لكنه لن يحل الأزمة جذرياً، بل سيؤجلها؛ لأن الفجوة بين احتياجات الجيش وقدرة الاقتصاد ستبقى قائمة.
السيناريو الثاني – أزمة ائتلافية وانتخابات مبكرة: قد تفشل الحكومة في تمرير الميزانية بسبب تضارب مطالب الجيش وسموتريتش والحريديم. في هذه الحالة، قد تذهب إسرائيل إلى انتخابات مبكرة في 2026م، فبات ائتلافه يدعو مؤخرا إلى انتخابات مبكرة. هذا السيناريو قد يزيد المزايدات الأمنية، وقد يدفع نتنياهو أو خصومه إلى تبني خطاب أكثر تشدداً تجاه غزة ولبنان وإيران.
السيناريو الثالث – تصعيد عسكري لاستعادة الردع: قد تلجأ إسرائيل إلى عملية عسكرية محدودة أو واسعة لاستعادة الردع، خصوصاً إذا شعرت بأن خصومها يقرأون أزمة الميزانية كعلامة ضعف. هذا السيناريو خطير عربياً؛ لأنه قد يفتح مواجهة في لبنان أو غزة أو مع إيران، وقد ينعكس على الاستقرار الإقليمي.
السيناريو الرابع – تآكل طويل المدى: في هذا السيناريو، لا تقع حرب كبرى ولا تسقط الحكومة فوراً، لكن إسرائيل تدخل مرحلة استنزاف مستمر: اقتصاد متعب، وجيش يحتاج إلى إعادة بناء، ومجتمع منقسم، وجبهات قابلة للاشتعال. هذا السيناريو قد يكون الأكثر تأثيراً على المدى الطويل؛ لأنه يضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها الاستراتيجية، ويفتح المجال أمام العرب والفلسطينيين لبناء أدوات ضغط أكثر فاعلية.
توصيات استراتيجية
-على المستوى المصري: تعزيز المتابعة الاستخباراتية والسياسية لأزمة القرار داخل إسرائيل، خصوصاً علاقة الجيش بالائتلاف الحاكم، ورفض أي ترتيبات في غزة تنقل العبء الأمني أو الإنساني إلى مصر، والاستمرار في تثبيت خط أحمر ضد التهجير، سواء المباشر أو غير المباشر، وربط أي نقاش حول ترتيبات ما بعد الحرب في غزة بضمانات واضحة لعدم المساس بالأمن القومي المصري، وتعزيز التنسيق مع الأردن بشأن أي تحولات إسرائيلية على الحدود الشرقية أو في الضفة الغربية، والاستعداد لاحتمالات تصعيد إسرائيلي مفاجئ في غزة أو لبنان أو إيران وتأثيره على البحر الأحمر وقناة السويس.
-على المستوى العربي: بناء موقف عربي موحد يربط أي انفتاح مع إسرائيل بوقف الحرب والاستيطان، ودعم السلطة والمؤسسات الفلسطينية دون تحويل ذلك إلى بديل عن الحقوق السياسية، وتفعيل المسارات القانونية الدولية ضد جرائم الحرب، ومنع إسرائيل من استخدام “الأمن” كغطاء دائم لتوسيع الاستيطان والضم، والاستثمار في الإعلام الاستراتيجي لكشف كلفة الاحتلال على إسرائيل والعالم، ودعم صمود الفلسطينيين في غزة والضفة باعتباره جزءاً من معادلة الأمن العربي.
-على المستوى الفلسطيني: استثمار التناقضات الإسرائيلية الداخلية سياسياً وإعلامياً، والتركيز على فضح العلاقة بين ميزانية الحرب وميزانية الاستيطان، وتوحيد الخطاب الفلسطيني حول أن الأزمة الإسرائيلية ناتجة عن الاحتلال لا عن “نقص الأمن”، وتجنب منح إسرائيل ذرائع مجانية لتوحيد جبهتها الداخلية عبر تصعيد غير محسوب، وتحويل الاستنزاف الإسرائيلي إلى مكسب سياسي عبر الدبلوماسية والقانون والإعلام.
ختاما
تكشف الورقة أن أزمة الميزانية الإسرائيلية ليست عابرة، بل تعكس تحولاً في كلفة الأمن الإسرائيلي بعد حرب طويلة ومتعددة الجبهات، وأن الجيش الإسرائيلي لا يزال قوياً، لكنه يواجه أزمة جاهزية واستنزاف لا يمكن تجاهلها، والخلاف بين الدفاع والمالية يعكس صراعاً أعمق داخل المشروع الصهيوني بين المؤسسة العسكرية التقليدية واليمين الاستيطاني الديني، وإسرائيل المأزومة قد تكون أكثر خطورة؛ لأنها قد تلجأ إلى التصعيد لاستعادة الردع أو لتجاوز أزمتها الداخلية، ومصر معنية مباشرة بتداعيات الأزمة خصوصاً في غزة، وسيناء، والبحر الأحمر، وشرق المتوسط، والعرب يمتلكون فرصة لبناء ضغط سياسي وقانوني واقتصادي إذا أُجيدت قراءة حدود القوة الإسرائيلية. لا ينبغي المبالغة في ضعف إسرائيل ولا تجاهل أزمتها؛ القراءة الدقيقة هي أن إسرائيل قوية لكنها مكلفة، قادرة لكنها مستنزفة، متفوقة لكنها أقل قدرة على الحسم.
وتظهر الورقة أن أزمة ميزانية الأمن الإسرائيلية لعام 2026م كشفت أن إسرائيل تقف أمام لحظة مراجعة قسرية لنموذجها الأمني والاقتصادي والسياسي. فالدولة التي اعتادت تمويل تفوقها العسكري بلا نقاش واسع تجد نفسها اليوم أمام أسئلة صعبة: من يدفع ثمن الحرب؟، من يحدد أولويات الأمن؟، هل تُموَّل الجيوش أم المستوطنات؟، وهل تستطيع إسرائيل خوض حرب متعددة الجبهات دون أن تهتز بنيتها الاقتصادية والسياسية؟
لا تكمن أهمية الأزمة في أنها تعني ضعفاً آنياً لإسرائيل، بل في أنها تكشف حدود قوتها. وهذه الحدود يجب أن تُقرأ بوعي استراتيجي. فإسرائيل لا تزال قادرة على العدوان، لكنها باتت تدفع ثمناً أعلى. ولا تزال تملك قوة عسكرية ضخمة، لكنها أقل قدرة على تحويلها إلى استقرار سياسي. ولا تزال تحظى بدعم أميركي، لكنها تواجه تراجعاً في الشرعية الدولية وتزايداً في الكلفة الداخلية.
إن جوهر اللحظة الراهنة هو أن إسرائيل انتقلت من منطق الحسم إلى منطق الاستنزاف. وهذه لحظة ينبغي التعامل معها عربيا بروية ورؤية استراتيجية: حماية الأمن القومي، ومنع التهجير، ودعم الحقوق الفلسطينية، وتعظيم كلفة الاحتلال، وتجنب الانجرار إلى معادلات تصعيد تخدم اليمين الإسرائيلي.
فالدرس الاستراتيجي الأهم هو أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تحسم صراعاً قائماً على الظلم والاحتلال. وكلما طال أمد الحرب، ظهرت التصدعات داخل البنية التي تديرها. وأزمة ميزانية 2026م ليست سوى واحد من هذه التصدعات، لكنها تصدع عميق يكشف أن إسرائيل تواجه ليس فقط سؤال المال، بل سؤال المستقبل.
أحدث المنشورات
- إسرائيل 2026م: أزمة الميزانية ومأزق الدولة بين الأمن والاستيطان
- الأزمة السودانية في عامها الرابع: كيف تراها إثيوبيا؟
- ديناميات الجماعات المسلحة في أفريقيا (2) حركة الشباب والحوثيون في ضوء رهانات النفوذ الإقليمي والدور المصري لحماية أمن القرن الافريقي
- تداعيات استهداف القيادات الميدانية على التصعيد الإسرائيلي–اللبناني قراءة في قواعد الاشتباك والسيناريوهات المستقبلية
- مسيرة الأعلام في القدس 2026م: من استعراض السيادة إلى معركة التهويد
- تحولات الردع الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر وتداعياتها الإقليمية
- إسرائيل من الداخل: تآكل الدولة وأزمة البقاء حتى 2048م
- دوافع إيران للحصول على سلاح نووي ومآلاته المحتملة
الجمعة, 22 مايو
