مروة محمد كيلاني
مقدمة:
يشهد الإعلام الإسرائيلي تحولًا جذريًا في ظل الانتشار المتسارع للمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت مصدرًا رئيسيًا للأخبار والمعلومات لدى قطاعات واسعة من الجمهور، خاصة خلال فترات الأزمات والحروب. فبعد أن كانت الصحافة التقليدية – بمختلف أشكالها المطبوعة والمرئية – تمتلك الدور الأكبر في تشكيل الرأي العام وتوجيه النقاشات السياسية، باتت اليوم تواجه منافسة غير مسبوقة من المنصات الرقمية التي تتميز بسرعة نقل الأخبار، والتفاعل الفوري، وتعدد مصادر المعلومات.
وقد برز هذا التحول بوضوح خلال الأزمات الأخيرة التي شهدتها إسرائيل، حيث أصبحت منصات مثل “إكس” (X)، و”تيليجرام”، و”فيسبوك”، و”يوتيوب” ساحات رئيسية لتداول الأخبار، ونشر الروايات المتنافسة، والتأثير في اتجاهات الجمهور المحلي والدولي. وفي المقابل، اضطرت المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية التقليدية إلى إعادة صياغة استراتيجياتها التحريرية والرقمية للحفاظ على جمهورها ومكانتها في بيئة إعلامية تتسم بالسرعة والتنافسية.
ويناقش هذا المقال مدى تأثير التحول الرقمي على قدرة الصحافة الإسرائيلية التقليدية في تشكيل الرأي العام أثناء الأزمات، من خلال تحليل العلاقة بين الإعلام التقليدي والمنصات الرقمية، واستعراض التحديات التي تواجه المؤسسات الصحفية، ومدى استمرار قدرتها على صناعة الأجندة الإعلامية في عصر أصبحت فيه المنصات الرقمية لاعبًا رئيسيًا في إنتاج الأخبار وتوجيه النقاش العام.
المحور الأول: التحول الرقمي في المشهد الإعلامي الإسرائيلي
أولًا: تطور الإعلام الإسرائيلي من الصحافة المطبوعة إلى الإعلام الرقمي
شهد الإعلام الإسرائيلي خلال العقدين الأخيرين تحولًا بنيويًا عميقًا نتيجة التطور التكنولوجي، وانتشار الإنترنت والهواتف الذكية، وهو ما انعكس على طبيعة إنتاج الأخبار واستهلاكها. فمنذ تأسيس إسرائيل عام 1948، لعبت الصحف المطبوعة دورًا محوريًا في تشكيل المجال العام، حيث تصدرت صحف مثل: هآرتس، ويديعوت أحرونوت ، ومعاريف المشهد الإعلامي، وأسهمت في التأثير على الرأي العام، وصنع الأجندة السياسية، مستفيدة من محدودية مصادر المعلومات آنذاك.
ومع دخول الإنترنت إلى إسرائيل في منتصف التسعينيات، بدأت المؤسسات الصحفية في إنشاء نسخ إلكترونية لمطبوعاتها، إلا أن التحول الحقيقي جاء مع انتشار الهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي بعد عام 2010، حيث أصبح الجمهور يستهلك الأخبار بصورة لحظية، ولم يعد ينتظر صدور الصحف أو نشرات الأخبار التلفزيونية.
وقد أدركت المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية مبكرًا أهمية التحول الرقمي، فاستثمرت في تطوير مواقعها الإلكترونية، وإطلاق التطبيقات الإخبارية، وتعزيز حضورها على منصات مثل: فيسبوك، وإكس (تويتر سابقًا) ويوتيوب، وتيليجرام. كما توسعت في إنتاج المحتوى المرئي القصير، والبث المباشر، بما يتلاءم مع أنماط الاستهلاك الجديدة، الأمر الذي أدى إلى تراجع الحدود الفاصلة بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي.
وخلال الأزمات الأمنية، ولا سيما منذ احداث السابع من أكتوبر 2023، أصبح السباق نحو النشر الفوري عاملاً حاسمًا في المنافسة الإعلامية، حيث اعتمدت المؤسسات الصحفية على المنصات الرقمية باعتبارها القناة الأولى لنشر الأخبار العاجلة، قبل أن تنتقل التفاصيل والتحليلات إلى النسخ المطولة أو البرامج التلفزيونية.
ثانيًا: أسباب تراجع الصحافة التقليدية
لا يمكن تفسير تراجع الصحافة التقليدية في إسرائيل باعتباره نتيجة مباشرة للتقدم التكنولوجي فحسب، بل يرتبط بمجموعة من العوامل الاقتصادية، والاجتماعية، والمهنية.
أول هذه العوامل يتمثل في تغير سلوك الجمهور، إذ تشير الدراسات إلى أن الأجيال الشابة أصبحت تعتمد بصورة أساسية على الهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار، بينما انخفضت معدلات قراءة الصحف الورقية بصورة مستمرة. كما أصبح الجمهور يفضل المحتوى المختصر، والوسائط المتعددة، والتحديثات الفورية، وهي خصائص يصعب على الصحافة المطبوعة مجاراتها.
أما العامل الثاني فيرتبط بالتحولات الاقتصادية، حيث شهدت الصحف الإسرائيلية انخفاضًا ملحوظًا في عائدات الإعلانات المطبوعة، نتيجة انتقال المعلنين إلى المنصات الرقمية التي توفر استهدافًا أكثر دقة للجمهور وبتكلفة أقل. وقد دفع ذلك العديد من المؤسسات الإعلامية إلى تقليص عدد العاملين، أو فرض الاشتراكات الرقمية، أو إعادة هيكلة نماذجها الاقتصادية.
ويتمثل العامل الثالث في اشتداد المنافسة على سرعة النشر، إذ لم تعد المؤسسات الصحفية هي الجهة الوحيدة المنتجة للأخبار، بل أصبحت تنافسها الحسابات الشخصية، والصحافة المواطنية، والقنوات الإخبارية عبر تطبيق تيليجرام، فضلًا عن البيانات الرسمية الصادرة مباشرة من الجيش الإسرائيلي أو مكتب رئيس الوزراء، والتي تصل إلى الجمهور دون وسيط إعلامي.
كما أسهمت أزمة الثقة بالإعلام في تراجع مكانة الصحافة التقليدية لدى بعض فئات المجتمع الإسرائيلي، خاصة في ظل حالة الاستقطاب السياسي، واتهامات الانحياز الأيديولوجي لبعض وسائل الإعلام، وهو ما دفع شرائح من الجمهور إلى البحث عن مصادر بديلة للمعلومات، حتى وإن كانت أقل مهنية أو أقل دقة.
ورغم ذلك، ما تزال المؤسسات الإعلامية الكبرى تحتفظ بمكانة مهمة في إنتاج التحقيقات الاستقصائية، والتحليلات السياسية، والوصول إلى المصادر الرسمية، وهو ما يمنحها ميزة نسبية مقارنة بالمحتوى الذي ينتجه الأفراد.
ثالثًا: صعود المنصات الرقمية كمصدر رئيسي للأخبار
أصبحت المنصات الرقمية في إسرائيل تمثل الفضاء الإعلامي الأكثر تأثيرًا في تشكيل الرأي العام، خاصة أثناء الأزمات الأمنية، والعسكرية. ويعود ذلك إلى قدرتها على نقل المعلومات بصورة فورية، وإتاحة التفاعل المباشر مع الجمهور، فضلًا عن اعتمادها على الخوارزميات التي تحدد المحتوى الأكثر انتشارًا.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن منصات مثل إكس، وتيليجرام أصبحت من أهم مصادر متابعة الأحداث الأمنية بالنسبة للجمهور الإسرائيلي، حيث تنشر المؤسسات الإعلامية، والصحفيون، والمسؤولون الحكوميون تحديثاتهم بشكل متزامن، بينما يشارك المستخدمون الصور ومقاطع الفيديو من مواقع الأحداث قبل وصول فرق التغطية الإعلامية.
كما أصبح الجيش الإسرائيلي والمؤسسات الحكومية يعتمدون بصورة متزايدة على المنصات الرقمية في نشر البيانات الرسمية، وإدارة الاتصال الاستراتيجي، والتأثير في الرأي العام المحلي والدولي. وفي المقابل، اضطرت وسائل الإعلام التقليدية إلى إعادة توظيف محتواها ليتلاءم مع البيئة الرقمية، من خلال البث المباشر، وإنتاج الفيديوهات القصيرة، والاعتماد على التحليلات التفاعلية.
إلا أن هذا التحول صاحبه عدد من التحديات، أبرزها الانتشار السريع للمعلومات المضللة، وصعوبة التحقق من المحتوى المتداول، وتأثير الخوارزميات في إبراز روايات معينة على حساب أخرى، وهو ما جعل عملية تشكيل الرأي العام أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
ومن ثم، يمكن القول إن المنصات الرقمية لم تُلغِ دور الصحافة التقليدية، لكنها أعادت توزيع مراكز القوة داخل النظام الإعلامي الإسرائيلي، بحيث أصبحت المؤسسات الصحفية جزءًا من منظومة رقمية أوسع تتنافس فيها مع الفاعلين الحكوميين، والمؤثرين، والجمهور، وخوارزميات المنصات على توجيه النقاش العام وصناعة الرأي العام.
المحور الثاني: الإعلام الإسرائيلي أثناء الأزمات بين الصحافة التقليدية والمنصات الرقمية
تُعد الأزمات الأمنية والعسكرية من أكثر الفترات التي يتجلى فيها دور الإعلام الإسرائيلي في إدارة تدفق المعلومات، وتشكيل الرأي العام. فمنذ تأسيس إسرائيل، ارتبط الإعلام التقليدي ارتباطًا وثيقًا بالمؤسسة السياسية والأمنية، حيث لعبت الصحف والقنوات التلفزيونية دورًا محوريًا في نقل الرواية الرسمية، مع هامش متفاوت من النقد وفقًا لتوجه كل مؤسسة إعلامية. إلا أن التطورات الرقمية التي شهدها العقد الأخير، ولا سيما بعد احداث السابع من أكتوبر 2023، أعادت تشكيل البيئة الإعلامية بصورة جعلت المنصات الرقمية طرفًا رئيسيًا في إنتاج الأخبار وتداولها، الأمر الذي فرض تحديات جديدة على الصحافة التقليدية.
أولًا: الإعلام التقليدي وإدارة التغطية أثناء الأزمات
لا يزال الإعلام التقليدي الإسرائيلي يمثل مصدرًا رئيسيًا للمعلومات الموثوقة خلال الأزمات، نظرًا لاعتماده على مراسلين متخصصين وشبكة واسعة من المصادر الرسمية داخل الجيش، والحكومة، والأجهزة الأمنية. وتلجأ القنوات التلفزيونية، مثل القناة 12، والقناة 13 ،وهيئة البث الإسرائيلية (كان 11)، إلى التغطية المستمرة للأحداث عبر الاستعانة بمحللين عسكريين وخبراء أمنيين، بما يساهم في تفسير التطورات للجمهور.
غير أن هذه التغطية لا تنفصل عن طبيعة العلاقة القائمة بين وسائل الإعلام والمؤسسة الأمنية، إذ تخضع المعلومات المتعلقة بالعمليات العسكرية أو القدرات الأمنية لنظام الرقابة العسكرية، الذي يمنح الرقيب العسكري صلاحية منع نشر أي معلومات يرى أنها قد تضر بالأمن القومي أو تؤثر في سير العمليات العسكرية. ونتيجة لذلك، تتسم التغطية التقليدية خلال الأزمات بدرجة عالية من الالتزام بالرواية الرسمية، خاصة في المراحل الأولى من الصراع.
ومع ذلك، شهد الإعلام التقليدي خلال حرب غزة (2023–2025) نقاشات داخلية بشأن حدود الرقابة العسكرية، ودور الصحافة في مساءلة الحكومة، خاصة فيما يتعلق بالإخفاقات الأمنية التي سبقت أحداث السابع من أكتوبر، وهو ما يعكس استمرار وجود مساحة للنقد داخل بعض المؤسسات الإعلامية، وإن كانت محدودة خلال ذروة العمليات العسكرية.
ثانيًا: المنصات الرقمية وسرعة تداول الأخبار
في المقابل، أصبحت المنصات الرقمية الفاعل الأسرع في نقل المعلومات أثناء الأزمات. فقد تحولت منصات مثل إكس ، وتيليجرام، وفيسبوك، وواتساب إلى قنوات رئيسية لتداول الأخبار العاجلة، حيث يتم نشر الصور ومقاطع الفيديو، والشهادات الميدانية خلال دقائق من وقوع الحدث، وغالبًا قبل وصول وسائل الإعلام التقليدية إلى موقعه.
كما اعتمدت المؤسسات الحكومية الإسرائيلية، وعلى رأسها الجيش الإسرائيلي ومكتب رئيس الوزراء ومكتب المتحدث باسم الجيش، على هذه المنصات؛ لنشر البيانات الرسمية بصورة مباشرة، دون المرور عبر المؤسسات الصحفية. وقد أدى ذلك إلى تقليص الدور التقليدي للإعلام بوصفه الوسيط الوحيد بين الدولة والجمهور، وأصبح المواطن يتلقى المعلومات من المصادر الرسمية ومن الصحفيين والمؤثرين في الوقت ذاته.
إلى جانب ذلك، برزت تطبيقات مثل تيليجرام باعتبارها منصات ذات أهمية خاصة خلال الأزمات، نظرًا لقدرتها على نشر المحتوى بسرعة كبيرة، وإتاحة إنشاء قنوات إخبارية يتابعها مئات الآلاف من المستخدمين. وقد أصبحت هذه القنوات مصدرًا رئيسيًا للأخبار العاجلة، سواء كانت تابعة لمؤسسات إعلامية أو لصحفيين مستقلين أو حتى لجهات رسمية.
ثالثًا: التفاعل بين الصحافة التقليدية والمنصات الرقمية
لم يعد من الممكن النظر إلى الإعلام التقليدي والمنصات الرقمية باعتبارهما فضاءين منفصلين، بل أصبحا يشكلان منظومة إعلامية متداخلة. فالمؤسسات الصحفية الإسرائيلية أصبحت تعتمد على المنصات الرقمية لنشر الأخبار العاجلة، وجذب الجمهور إلى مواقعها الإلكترونية، وقياس اتجاهات الرأي العام من خلال التفاعل مع المحتوى.
وفي المقابل، تستفيد المنصات الرقمية من المحتوى الذي تنتجه المؤسسات الإعلامية التقليدية، حيث يُعاد تداول الأخبار، والتقارير، والتحليلات على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومن ثم، فإن العلاقة بين الطرفين لم تعد علاقة تنافس مطلق، وإنما علاقة تكامل وتنافس في الوقت نفسه.
إلا أن هذا التداخل أوجد تحديات جديدة، أبرزها الضغط المتزايد على المؤسسات الإعلامية لنشر الأخبار بسرعة، وهو ما قد يؤثر في عمليات التحقق من المعلومات. كما أصبحت الصحافة التقليدية مطالبة بمواكبة الإيقاع السريع للمنصات الرقمية، مع الحفاظ على المعايير المهنية المتعلقة بالدقة والموضوعية.
رابعًا: تحديات البيئة الرقمية أثناء الأزمات
أفرزت البيئة الرقمية عددًا من الإشكاليات التي تؤثر بصورة مباشرة في تشكيل الرأي العام الإسرائيلي أثناء الأزمات. ويتمثل أبرزها في الانتشار السريع للمعلومات المضللة، وصعوبة التحقق من الصور ومقاطع الفيديو المتداولة، فضلًا عن الدور الذي تلعبه الخوارزميات في تعزيز المحتوى الأكثر تفاعلًا، بغض النظر عن مدى دقته.
كما أسهمت المنصات الرقمية في توسيع دائرة الفاعلين الإعلاميين، فلم تعد المؤسسات الصحفية وحدها هي التي تحدد أجندة النقاش العام، بل أصبح الصحفيون المستقلون، والمؤثرون، والحسابات الرسمية، والمستخدمون العاديون يشاركون جميعًا في إنتاج المحتوى وصياغة الروايات المختلفة للأحداث.
وفي الوقت ذاته، دفعت هذه البيئة الرقمية المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية إلى تطوير أدوات جديدة للتحقق من المعلومات، والاستثمار في صحافة البيانات، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ لرصد المحتوى المتداول، في محاولة للحفاظ على مصداقيتها في ظل المنافسة الشديدة مع المنصات الرقمية.
وبالتالي تكشف التجربة الإسرائيلية خلال الأزمات الأخيرة أن الصحافة التقليدية لم تفقد دورها بالكامل، لكنها لم تعد الفاعل الوحيد في تشكيل الرأي العام. فقد أدت المنصات الرقمية إلى إعادة توزيع النفوذ داخل المجال الإعلامي، بحيث أصبحت عملية إنتاج الأخبار وتداولها أكثر تشاركية وأقل احتكارًا. وأمام هذا الواقع، بات تأثير وسائل الإعلام التقليدية يعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها على التكيف مع البيئة الرقمية، والحفاظ على معاييرها المهنية، مع الاستفادة من أدوات النشر والتفاعل التي توفرها المنصات الحديثة.
المحور الثالث: تشكيل الرأي العام في البيئة الرقمية
أحدثت البيئة الرقمية تحولًا جذريًا في آليات تشكيل الرأي العام داخل إسرائيل، فلم تعد المؤسسات الإعلامية التقليدية تحتكر عملية إنتاج الأخبار أو تحديد أولويات النقاش العام، بل أصبحت تشاركها في ذلك منصات التواصل الاجتماعي، والخوارزميات، والمؤثرون، والمستخدمون العاديون. وقد أدى هذا التحول إلى إعادة تعريف مفهوم “صناعة الرأي العام”، حيث أصبح أكثر ديناميكية وتفاعلًا، وأقل خضوعًا لسيطرة المؤسسات الإعلامية التقليدية، خاصة خلال الأزمات الأمنية والعسكرية.
أولًا: من نظرية وضع الأجندة إلى البيئة الرقمية
اعتمدت الدراسات الإعلامية لعقود طويلة على نظرية وضع الأجندة التي طورها “ماكسويل ماكومبس” و”دونالد شو”، والتي تفترض أن وسائل الإعلام لا تخبر الجمهور بما يفكر فيه، وإنما تحدد له القضايا التي ينبغي أن يفكر بشأنها. وفي الحالة الإسرائيلية، مارست الصحف الكبرى والقنوات التلفزيونية هذا الدور لعقود، حيث كانت تحدد أولويات القضايا السياسية والأمنية التي تشغل الرأي العام.
إلا أن ظهور المنصات الرقمية أدى إلى إعادة تشكيل هذه النظرية، فلم تعد المؤسسات الإعلامية وحدها القادرة على وضع أجندة النقاش العام، بل أصبحت القضايا التي تحظى بتفاعل واسع على منصات مثل إكس وتيليجرام، وفيسبوك تنتقل بسرعة إلى وسائل الإعلام التقليدية، لتصبح جزءًا من التغطية الإخبارية. وبهذا المعنى، لم يعد الإعلام التقليدي صانعًا منفردًا للأجندة، بل أصبح يتفاعل مع أجندة يشارك في تشكيلها المستخدمون، والخوارزميات، والمنصات الرقمية.
وقد برز هذا النمط بوضوح خلال الحرب على غزة، حيث دفعت مقاطع الفيديو والصور المتداولة على المنصات الرقمية العديد من وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى إعادة ترتيب أولويات تغطيتها، ومتابعة الموضوعات التي فرضها التفاعل الجماهيري على الإنترنت.
ثانيًا: الخوارزميات ودورها في توجيه الرأي العام
تُعد الخوارزميات أحد أهم الفاعلين الجدد في البيئة الإعلامية الرقمية، إذ لم يعد وصول الأخبار إلى الجمهور يعتمد فقط على أهميتها الصحفية، وإنما على آليات الترشيح التي تعتمدها المنصات الرقمية، والتي تقوم بإظهار المحتوى الأكثر تفاعلًا أو الأكثر توافقًا مع اهتمامات المستخدم.
وفي هذا السياق، أصبحت شركات التكنولوجيا تؤدي دورًا غير مباشر في تشكيل الرأي العام، من خلال تحديد المحتوى الذي يظهر للمستخدمين، وهو ما قد يؤدي إلى تعزيز بعض الروايات السياسية أو الأمنية على حساب روايات أخرى. كما تسهم هذه الخوارزميات في إنشاء ما يُعرف بـ”فقاعات المعلومات”
(Filter Bubbles) حيث يتعرض المستخدم بصورة متكررة للمحتوى الذي يتفق مع آرائه السابقة، مما يعزز حالة الاستقطاب داخل المجتمع.
وفي إسرائيل، تزداد أهمية هذا العامل خلال الأزمات الأمنية، إذ تسهم الخوارزميات في تسريع انتشار الأخبار العاجلة والمقاطع المصورة، لكنها في الوقت نفسه قد تُسهم في انتشار المعلومات المضللة أو المحتوى غير المتحقق منه، قبل أن تتمكن المؤسسات الإعلامية من التحقق من صحته.
ثالثًا: المؤثرون والصحافة المواطنية
من أبرز سمات البيئة الرقمية صعود فاعلين جدد ينافسون المؤسسات الإعلامية التقليدية في التأثير على الرأي العام، وفي مقدمتهم المؤثرون وصانعو المحتوى، إضافة إلى ما يُعرف بالصحافة المواطنية .
فخلال الأزمات، أصبح المواطنون ينقلون الأحداث مباشرة عبر هواتفهم المحمولة، وينشرون الصور ومقاطع الفيديو من مواقع الأحداث قبل وصول وسائل الإعلام التقليدية. كما أصبح عدد من الصحفيين والمحللين الإسرائيليين يعتمدون على حساباتهم الشخصية في منصة إكس أو قنوات تيليجرام لنشر المعلومات والتحليلات بصورة أسرع من المؤسسات التي يعملون بها.
وفي المقابل، استثمرت المؤسسات الرسمية الإسرائيلية، وعلى رأسها الجيش الإسرائيلي ووزارة الخارجية، في توسيع حضورها على المنصات الرقمية، من خلال إنتاج محتوى متعدد اللغات، ونشر مقاطع فيديو ورسائل موجهة إلى الجمهور المحلي والدولي، بهدف التأثير في اتجاهات الرأي العام، والدفاع عن الرواية الإسرائيلية خلال الأزمات.
رابعًا: الرأي العام بين التفاعل والانتشار السريع للمعلومات
أدت البيئة الرقمية إلى جعل الرأي العام أكثر تفاعلًا وأسرع استجابة للأحداث، إلا أنها جعلته أيضًا أكثر عرضة للتأثر بالمعلومات المضللة والشائعات. فخلال الأزمات، تنتشر الأخبار بسرعة كبيرة عبر المنصات الرقمية، وغالبًا ما يعاد تداولها آلاف المرات قبل التحقق من صحتها، وهو ما يفرض تحديات كبيرة أمام المؤسسات الإعلامية.
كما ساهمت المنصات الرقمية في تعزيز ظاهرة “المشاركة في صناعة الخبر”، حيث لم يعد الجمهور متلقيًا سلبيًا، وإنما أصبح يشارك في إنتاج المحتوى، والتعليق عليه، وإعادة نشره، والتأثير في انتشاره. وبذلك تحولت عملية تشكيل الرأي العام من نموذج أحادي الاتجاه، تهيمن عليه وسائل الإعلام التقليدية، إلى نموذج شبكي متعدد الفاعلين، تتداخل فيه المؤسسات الإعلامية، والمنصات الرقمية، والمستخدمون، والخوارزميات.
وبالتالي تكشف البيئة الرقمية أن عملية تشكيل الرأي العام في إسرائيل أصبحت أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في عصر الإعلام التقليدي. فبينما لا تزال المؤسسات الصحفية تمتلك دورًا مهمًا في إنتاج الأخبار الموثوقة والتحليلات المتخصصة، فإنها لم تعد الطرف الوحيد القادر على تحديد أجندة النقاش العام. وأصبحت المنصات الرقمية، والخوارزميات، والمؤثرون شركاء رئيسيين في صناعة الرأي العام، وهو ما يفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة النظر في استراتيجياتها التحريرية والرقمية للحفاظ على تأثيرها ومصداقيتها في ظل بيئة إعلامية سريعة التغير.
المحور الرابع: هل فقدت الصحافة التقليدية نفوذها؟
يثير التحول الرقمي في المشهد الإعلامي الإسرائيلي تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كانت الصحافة التقليدية قد فقدت قدرتها على التأثير في الرأي العام، أم أنها أعادت توظيف أدواتها بما يتناسب مع البيئة الإعلامية الجديدة. ورغم التراجع الواضح في معدلات قراءة الصحف الورقية، وصعود المنصات الرقمية كمصدر رئيسي للأخبار، فإن الإجابة لا يمكن أن تكون حاسمة؛ إذ تشير المؤشرات إلى أن الصحافة التقليدية فقدت جزءًا من احتكارها للمجال الإعلامي، لكنها لم تفقد مكانتها بوصفها أحد الفاعلين الرئيسيين في تشكيل الرأي العام، خاصة خلال الأزمات.
أولًا: مؤشرات تراجع نفوذ الصحافة التقليدية
شهدت المؤسسات الصحفية الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة تراجعًا في توزيع الصحف المطبوعة، وانخفاضًا في عائدات الإعلانات الورقية، نتيجة انتقال الجمهور والمعلنين إلى المنصات الرقمية. كما أصبح الحصول على الأخبار يتم بصورة متزايدة عبر الهواتف الذكية وتطبيقات التواصل الاجتماعي، وهو ما قلل من اعتماد الجمهور على الصحف اليومية أو نشرات الأخبار التلفزيونية كمصدر أول للمعلومات.
ويظهر هذا التحول بصورة خاصة بين فئة الشباب، التي تعتمد بشكل أساسي على المنصات الرقمية لمتابعة الأحداث، حيث أصبح المحتوى القصير، والإشعارات الفورية، والبث المباشر أكثر جاذبية من التقارير الصحفية المطولة. كما أسهمت خوارزميات المنصات في جعل وصول الأخبار مرتبطًا بالتفاعل والانتشار، وليس فقط بقيمتها المهنية، الأمر الذي حدّ من قدرة المؤسسات التقليدية على التحكم في أولويات النقاش العام.
إلى جانب ذلك، أدى انتشار الصحافة المواطنية إلى تقليص احتكار المؤسسات الإعلامية لإنتاج الأخبار، إذ أصبح المستخدمون ينقلون الصور ومقاطع الفيديو من مواقع الأحداث مباشرة، وهو ما يفرض على الصحفيين التعامل مع بيئة إعلامية أكثر تنافسية وأسرع إيقاعًا.
ثانيًا: استمرار دور الصحافة التقليدية في تشكيل الرأي العام
على الرغم من هذه التحديات، ما تزال الصحافة التقليدية تحتفظ بمجموعة من عناصر القوة التي تجعلها مؤثرة في المشهد الإعلامي الإسرائيلي. فمن ناحية، تمتلك المؤسسات الإعلامية الكبرى خبرات مهنية طويلة، وشبكات واسعة من المراسلين، وإمكانية الوصول إلى المصادر الرسمية داخل الحكومة، والجيش، والأجهزة الأمنية، وهي مزايا يصعب أن تتوافر لدى الأفراد أو صناع المحتوى.
كما تستمر وسائل الإعلام التقليدية في لعب دور محوري في إعداد التحقيقات الاستقصائية، والتحليلات السياسية والعسكرية، والبرامج الحوارية التي تستضيف المسؤولين والخبراء، وهو ما يمنحها قدرة على تفسير الأحداث وتقديم سياقات يصعب أن توفرها المنصات الرقمية التي تركز غالبًا على السرعة والاختصار.
وتبرز أهمية هذا الدور خلال الأزمات الكبرى، حيث يعود جزء كبير من الجمهور إلى القنوات الإخبارية والصحف الموثوقة للحصول على معلومات دقيقة ومؤكدة، خاصة بعد انتشار الشائعات أو المعلومات غير الموثقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما أن صناع القرار السياسي والعسكري ما زالوا يعتمدون على الصحافة التقليدية في إيصال رسائلهم إلى الجمهور، الأمر الذي يعكس استمرار تأثيرها في المجال العام.
ثالثًا: العلاقة التكاملية بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي
لم يعد من الدقة النظر إلى الإعلام التقليدي والمنصات الرقمية باعتبارهما بديلين متنافسين، بل أصبحا يشكلان منظومة إعلامية متكاملة. فقد أدركت المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية أن الحفاظ على جمهورها يتطلب حضورًا قويًا على المنصات الرقمية، ولذلك عملت على تطوير مواقعها الإلكترونية، وإطلاق تطبيقات للهواتف الذكية، وتكثيف نشاطها على منصات إكس وفيسبوك وإنستغرام وتيليجرام.
وفي المقابل، تعتمد المنصات الرقمية بدرجة كبيرة على المحتوى الذي تنتجه المؤسسات الصحفية، إذ يُعاد نشر التقارير والتحقيقات والمقابلات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما يوسع نطاق انتشارها ويمنحها جمهورًا أكبر. وبهذا أصبحت العلاقة بين الطرفين قائمة على التفاعل المستمر؛ فالمنصات الرقمية توفر سرعة الانتشار والتفاعل، بينما توفر الصحافة التقليدية التحقق المهني والتحليل المتعمق.
ومن هنا، يمكن القول إن التحول الرقمي لم يؤدِ إلى نهاية الصحافة التقليدية، وإنما فرض عليها إعادة تعريف وظائفها. فبدلًا من احتكار نقل الخبر، أصبحت تركز بصورة أكبر على التحقق من المعلومات، والتحليل، والتفسير، وصناعة المحتوى المتخصص، وهي وظائف تزداد أهميتها في ظل البيئة الرقمية التي تتسم بسرعة تداول المعلومات وتزايد مخاطر التضليل الإعلامي.
رابعًا: إعادة تعريف النفوذ الإعلامي
إن مفهوم النفوذ الإعلامي لم يعد يقاس فقط بحجم توزيع الصحف أو نسب مشاهدة القنوات التلفزيونية، بل أصبح مرتبطًا بالقدرة على إنتاج محتوى موثوق، والتأثير في النقاش العام عبر مختلف المنصات. وفي الحالة الإسرائيلية، نجحت المؤسسات الإعلامية الكبرى في الحفاظ على جزء من نفوذها من خلال دمج أدوات الإعلام التقليدي بالوسائط الرقمية، وتطوير استراتيجيات جديدة للنشر والتفاعل مع الجمهور.
كما أن الأحداث الأمنية المتلاحقة أثبتت أن الجمهور، رغم اعتماده اليومي على وسائل التواصل الاجتماعي، لا يزال يبحث عن التغطية المهنية والتحليلات المتخصصة التي تقدمها المؤسسات الصحفية الكبرى عند وقوع الأزمات الكبرى، وهو ما يشير إلى أن دور الصحافة التقليدية قد تغير من “الاحتكار” إلى “الشراكة” في تشكيل الرأي العام.
وتشير المعطيات إلى أن الصحافة التقليدية في إسرائيل لم تفقد نفوذها بصورة كاملة، وإنما فقدت احتكارها لعملية تشكيل الرأي العام. فقد أصبحت المنصات الرقمية لاعبًا رئيسيًا في إنتاج الأخبار وتداولها، بينما احتفظت المؤسسات الإعلامية التقليدية بدورها في التحقق من المعلومات، وتقديم التحليلات المتخصصة، والوصول إلى المصادر الرسمية. ومن ثم، فإن المشهد الإعلامي الإسرائيلي يتجه نحو نموذج هجين تتكامل فيه الصحافة التقليدية مع المنصات الرقمية، بحيث يتحدد النفوذ الإعلامي بقدرة المؤسسة على الجمع بين المهنية والسرعة والتفاعل مع الجمهور.
المحور الخامس: مستقبل الإعلام الإسرائيلي في ظل التحول الرقمي
يشهد الإعلام الإسرائيلي مرحلة إعادة تشكيل شاملة في ظل التطورات المتسارعة في التكنولوجيا الرقمية، والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي، والتغير المستمر في سلوك الجمهور. ولم يعد مستقبل المؤسسات الإعلامية مرتبطًا فقط بقدرتها على إنتاج الأخبار، وإنما بمدى نجاحها في التكيف مع بيئة إعلامية تتسم بالسرعة، والتفاعلية، والمنافسة الشديدة بين المؤسسات التقليدية، والمنصات الرقمية. ومن ثم، فإن مستقبل الإعلام الإسرائيلي سيظل مرهونًا بقدرته على تحقيق التوازن بين المحافظة على المعايير المهنية والاستفادة من الإمكانات التي توفرها التكنولوجيا الحديثة.
أولًا: التحول نحو المؤسسات الإعلامية الرقمية
تشير المؤشرات إلى أن المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية ستواصل تسريع عملية التحول الرقمي، من خلال تقليل الاعتماد على النسخ المطبوعة، والتوسع في المنصات الإلكترونية والتطبيقات الذكية. وقد اتجهت غالبية الصحف، والقنوات الإخبارية بالفعل إلى تبني نموذج “الرقمية أولًا”، الذي يمنح الأولوية للنشر عبر المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، قبل الوسائل التقليدية.
كما أصبحت الاشتراكات الرقمية تمثل مصدرًا متزايد الأهمية لتمويل المؤسسات الصحفية، خاصة بعد تراجع عائدات الإعلانات الورقية، وهو ما يدفع وسائل الإعلام إلى الاستثمار في المحتوى الحصري، والصحافة الاستقصائية، والتحليلات المتخصصة التي يصعب أن تقدمها المنصات غير المهنية.
ثانيًا: الذكاء الاصطناعي وتطوير غرف الأخبار
أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم العوامل المؤثرة في مستقبل الإعلام الإسرائيلي، حيث بدأت المؤسسات الإعلامية في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحرير الأخبار، وتحليل البيانات، وإنتاج المحتوى متعدد الوسائط، وترجمة الأخبار إلى لغات مختلفة، بالإضافة إلى تخصيص المحتوى وفقًا لاهتمامات المستخدمين.
وتوفر هذه التقنيات فرصًا كبيرة لرفع كفاءة العمل الصحفي، وتقليل الوقت اللازم لإنتاج الأخبار، وتحسين تجربة المستخدم. إلا أنها تطرح في الوقت ذاته تحديات مهنية وأخلاقية، من أبرزها ضمان دقة المعلومات، ومنع إنتاج محتوى مضلل أو منحاز، والحفاظ على الدور التحريري للصحفي في مراجعة المحتوى قبل نشره.
ومن المتوقع أن يشهد الإعلام الإسرائيلي توسعًا في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في غرف الأخبار، مع استمرار الحاجة إلى الإشراف البشري لضمان الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية.
ثالثًا: تحديات المصداقية ومواجهة المعلومات المضللة
تمثل المصداقية أحد أبرز التحديات التي تواجه الإعلام الإسرائيلي في البيئة الرقمية، خاصة في ظل الانتشار السريع للمعلومات المضللة، والمحتوى المفبرك، ومقاطع الفيديو المعدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وخلال الأزمات الأمنية، تتزايد مخاطر انتشار الأخبار غير الدقيقة، الأمر الذي يدفع المؤسسات الإعلامية إلى تعزيز آليات التحقق من المعلومات، وإنشاء وحدات متخصصة في التحقق الرقمي، والتعاون مع شركات التكنولوجيا لرصد المحتوى المضلل والحد من انتشاره.
وفي هذا السياق، أصبحت سرعة النشر لم تعد كافية لضمان التأثير، بل أصبح معيار المصداقية والقدرة على التحقق من المعلومات عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على ثقة الجمهور، وهو ما يمنح المؤسسات الإعلامية المهنية ميزة تنافسية رغم اتساع الفضاء الرقمي.
رابعًا: مستقبل تشكيل الرأي العام في إسرائيل
من المرجح أن يتجه تشكيل الرأي العام في إسرائيل إلى نموذج أكثر تعقيدًا، تتقاسم فيه المؤسسات الإعلامية التقليدية، والمنصات الرقمية، والمؤسسات الحكومية، وشركات التكنولوجيا، والمؤثرون، مسؤولية إنتاج المعلومات وتوجيه النقاش العام.
وفي هذا النموذج، لن يكون لأي طرف القدرة على احتكار المجال الإعلامي كما كان الحال في العقود السابقة، بل ستتحدد قوة التأثير بقدرة الفاعل الإعلامي على إنتاج محتوى موثوق، وسريع، ومتوافق مع أنماط الاستهلاك الرقمي، مع الحفاظ على المهنية والاستقلالية.
كما يُتوقع أن يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية على تحليل البيانات الضخمة، ودراسة سلوك الجمهور، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لفهم اتجاهات الرأي العام، وهو ما سيؤثر في السياسات التحريرية، وأساليب عرض الأخبار، وآليات التفاعل مع الجمهور.
خامسًا: السيناريوهات المستقبلية للإعلام الإسرائيلي
يمكن تصور مستقبل الإعلام الإسرائيلي من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: هيمنة المنصات الرقمية. وفيه تستمر المنصات الرقمية في توسيع نفوذها، بينما يقتصر دور المؤسسات الإعلامية التقليدية على إنتاج المحتوى المتخصص والتحليلي.
السيناريو الثاني: النظام الإعلامي الهجين. وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، حيث تتكامل الصحافة التقليدية مع المنصات الرقمية، وتعمل المؤسسات الإعلامية على توظيف الأدوات الرقمية مع الحفاظ على دورها المهني في التحقق من المعلومات والتحليل.
السيناريو الثالث: إعادة تعزيز دور المؤسسات الإعلامية. ويقوم على احتمال استعادة وسائل الإعلام التقليدية جزءًا من نفوذها إذا نجحت في تعزيز ثقة الجمهور، وتقديم محتوى أكثر احترافية في مواجهة المعلومات المضللة، مع تطوير نماذج اقتصادية مستدامة.
وتشير الاتجاهات الحالية إلى أن السيناريو الثاني هو الأقرب إلى الواقع الإسرائيلي، إذ تتجه المؤسسات الإعلامية إلى دمج الخبرات الصحفية التقليدية مع أدوات الإعلام الرقمي، بدلًا من الاكتفاء بالمنافسة مع المنصات الاجتماعية.
ويؤكد تحليل اتجاهات التطور في الإعلام الإسرائيلي أن التحول الرقمي لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان بقاء المؤسسات الإعلامية واستمرار تأثيرها. ورغم ما فرضته البيئة الرقمية من تحديات تتعلق بالمنافسة، والمصداقية، والتمويل، فإنها فتحت أيضًا آفاقًا جديدة لتطوير العمل الصحفي، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي، وتعزيز التفاعل مع الجمهور. ومن ثم، فإن مستقبل الإعلام الإسرائيلي لن يتحدد بإلغاء الصحافة التقليدية أو استبدالها بالمنصات الرقمية، وإنما بقدرة المؤسسات الإعلامية على بناء نموذج هجين يجمع بين المهنية الصحفية، والابتكار الرقمي، والتكيف مع التحولات المستمرة في البيئة الإعلامية.
خاتمة:
أحدثت الثورة الرقمية تحولًا جذريًا في بنية الإعلام الإسرائيلي، فلم تعد الصحافة التقليدية تحتكر إنتاج الأخبار أو توجيه الرأي العام كما كان الحال في العقود السابقة، بل أصبحت جزءًا من منظومة إعلامية متعددة الفاعلين تتداخل فيها وسائل الإعلام التقليدية مع المنصات الرقمية، والمؤسسات الرسمية، والخوارزميات، وصناع المحتوى. وقد أسهم هذا التحول في إعادة تشكيل آليات تداول المعلومات، لا سيما خلال الأزمات الأمنية والعسكرية، حيث أصبحت سرعة النشر والتفاعل الفوري من السمات الأساسية للمشهد الإعلامي.
وأظهرت الدراسة أن الصحافة التقليدية لم تفقد نفوذها بصورة كاملة، وإنما فقدت احتكارها لعملية تشكيل الرأي العام. فما زالت المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية الكبرى تحتفظ بعناصر قوة تتمثل في المهنية، وإمكانية الوصول إلى المصادر الرسمية، والقدرة على إنتاج التحقيقات والتحليلات المتخصصة، في حين فرضت المنصات الرقمية واقعًا جديدًا يعتمد على التفاعل اللحظي، والمحتوى الذي ينتجه المستخدمون، والخوارزميات التي تتحكم في انتشار الأخبار.
كما كشفت الدراسة أن البيئة الرقمية خلقت تحديات غير مسبوقة، أبرزها انتشار المعلومات المضللة، وتصاعد الاستقطاب الإعلامي، وتراجع قدرة المؤسسات الصحفية على التحكم في أجندة النقاش العام. وفي المقابل، دفعت هذه التحديات وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى تطوير استراتيجياتها الرقمية، والاستثمار في أدوات التحقق الرقمي، وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يعزز قدرتها على المنافسة والحفاظ على ثقة الجمهور.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن مستقبل الإعلام الإسرائيلي يتجه نحو نظام إعلامي هجين تتكامل فيه الصحافة التقليدية مع المنصات الرقمية بدلًا من أن تحل إحداهما محل الأخرى. وسيظل تأثير المؤسسات الإعلامية مرتبطًا بقدرتها على الجمع بين السرعة والمهنية، وبين الابتكار التكنولوجي والالتزام بالمعايير الصحفية، بما يمكنها من الحفاظ على دورها في تشكيل الرأي العام في بيئة إعلامية تتسم بالتغير المستمر.
وفي ضوء التطورات المتسارعة في تقنيات الاتصال والذكاء الاصطناعي، تبرز الحاجة إلى مزيد من الدراسات التي تتناول أثر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي التوليدي في تشكيل الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، ومدى تأثير المنصات الرقمية في صناعة القرار السياسي والأمني، بما يسهم في فهم التحولات العميقة التي يشهدها الإعلام الإسرائيلي في العصر الرقمي.

اترك تعليقاً
