مقدمة
تحتل قناة السويس موقعاً إستثنائياً في تاريخ العلاقات الدولية، فهي ممر ملاحي يقع داخل الإقليم المصري، لكنه يؤدي وظيفة تتجاوز الحدود الوطنية و يرتبط مباشرة بشبكات التجارة و الطاقة و الإتصال البحري بين البحر المتوسط و البحر الأحمر و المحيط الهندي. و من ثم فإن تاريخ القناة لا يمكن إختزاله في تاريخ منشأة هندسية، بل ينبغي قراءته بوصفه تاريخاً لتفاعل الجغرافيا مع الإقتصاد و السياسة و القوة العسكرية و القانون الدولي.
تنطلق الدراسة من فرضية مركزية مؤداها أن أمن قناة السويس لم يكن ثابتاً في مفهومه، و إنما أُعيد تعريفه عبر مراحل تاريخية متتابعة: من أمن إمبراطوري ارتبط بالنفوذ البريطاني، إلى أمن وطني ارتبط بالسيادة المصرية، ثم إلى أمن دولي مركب ارتبط بحرية الملاحة و الإستقرار الإقليمي و توازن القوى. و يظهر هذا التحول بوضوح فى أزمة 1956، ثم في إغلاق القناة بعد حرب 1967 و إعادة افتتاحها عام 1975.
و تستند الدراسة إلى مزيج من الوثائق الدولية المنشورة ، و الوثائق الدبلوماسية الأمريكية و البريطانية، و قرارات الأمم المتحدة ، و المصادر الرسمية المصرية ، مع إعتماد المقارنة بين روايات الأطراف بدل الإكتفاء برواة طرف واحد. و تتيح مجموعة Foreign Relations of the United States الخاصة بأزمة السويس ، مثلاً تتبع 671 وثيقة من 26 يوليو إلى 31 ديسمبر 1956، بما فيها وثائق التأميم، و المفاوضات، و رابطة مستخدمي القناة، و العمليات العسكرية، و إنشا قوة الطوارئ و الإنسحاب.
المبحث الأول: البحر الأحمر و قناة السويس – الجغرافيا و التاريخ و بناء الأهمية الإستراتيجية
تمهيد
تقوم أهمية قناة السويس على موقعها عند نقطة إتصال بين منظومتين بحريتين: البحر المتوسط شمالاً والبحر الأ|حمر جنوباً، مع إمتداد طبيعي إلى خليج عدن و المحيط الهندي. و لذلك فإن القناة ليست طريقاً منعزلاً، بل حلقة في سلسلة من طرق الملاحة العالمية. و تؤكد هيئة قناة السويس أن الحفر الحديث بدأ في 25 أبريل 1859، و أن الإفتتاح الرسمي تم في 17 نوفمبر 1869 ، و أن القناة مرت بعد ذلك بمحطات حاسمة كان أبرزها التأميم عام 1956 و الإغلاق عقب حرب 1967 ثم إعادة الإفتتاح في يونيو 1975.
أولاً: البحر الأحمر بوصفه مجالاً إستراتيجياً
تنبع أهمية البحر الأحمر من كونه ممراً يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر قناة السويس. وتزداد هذه الأهمية بسبب ضيق بعض نقاط العبور و حساسية مضيق باب المندب، الأمر الذي يجعل أي إضطراب في جنوب البحر الأحمر قابلاً للإنعكاس على حركة الملاحة في شماله. و من منظور تاريخي، ساهم هذا الترابط في جعل مصر و الممرات المحيطة بها موضع إهتمام دائم للقوى البحرية.
ثانياً: مشروع القناة الحديثة و الإمتيازات
بدأت القناة الحديثة ضمن سلسلة من الإمتيازات التي إنتهت إلى تأسيس شركة قناة السويس و حفر المجرى الملاحي. و قد أدى نظام الإمتياز إلى نشوء علاقة مركبة بين الدولة المصرية و الشركة و المصالح الأوروبية. و كان هذا التركيب مهماً لاحقاً، لأن الخلاف لم يكن حول وجود قناة دولية للملاحة، و إنما حول طبيعة الملكية و الإدارة و السيطرة الٌتصادية عليها.
ثالثاً: إفتتاح القناة عام 1869 و التحول في جغرافية التجارة
أدى إفتتاح القناة إلى تقليص المسافة البحرية بين أوروبا و آسيا مقارنة بطريق رأس الرجاء الصالح ، فأصبحت القناة أحد أهم الإختصارات الجغرافية في الإقتصاد العالمي. ومع نمو التجارة البحرية و إزدياد حركة الأساطيل،تحولت القناة إلى أصل إستراتيجي ذو قيمة إقتصادية وعسكرية في آن واحد.
رابعاً: إتفاقية القسطنطينية 1888
أرست إتفاقية القسطنطينية في 29 أكتوبر 1888 إطاراً دولياً لحرية الملاحة في القناة، إذ قررت أن تظل القناة مفتوحة في زمن الحرب و السلم للسفن التجارية و الحربية دون تمييز في العلم، كما تناولت حماية القناة من الحصار. و تكشف الوثيقة عن التمييز بين حرية الملاحة من جهة و السيادة الإقليمية من جهة أخرى، و هو تمييز سيصبح أساسياً في ازمة 1956.
خامساً: الإحتلال البريطاني و تسييس القناة
أدى الإحتلال البريطاني لمصر عام 1882 إلى وضع القناة داخل منظومة الأمن الإمبراطوري البريطاني. و لم تعد المسألة مجرد إدارة شركة للمجرى الملاحي. بل أصبحت حماية القناة مرتبطة بالقوة العسكرية البريطانية و بخطوط الإتصال مع آسيا. و هكذا نشأ تناقض تاريخي بين تدويل وظيفة القناة و بين إخضاع منطقة القناة لترتيبات عسكرية إمبراطورية.
سادساً: الحربان العالميتان و القيمة العسكرية
أكدت الحربان العالميتان القيمة العسكرية للقناة بوصفها طريقاً لنقل القوات و الإمدادات و الأساطيل. وبذلك إكتسبت القناة طبقة جديدة من الأهمية فوق أهميتها التجارية، هي أهمية الإتصال العسكري. و قد استمرت هذه الوظيفة في تشكيل التصورات البريطانية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
خلاصة المبحث الأول
يتضح أن الأهمية الإستراتيجية للقناة تشكلت قبل الحرب الباردة ، و أن عناصرها الأساسية- الموقع، التجارة، الطاقة، الإتصال العسكري و القانون الدولي – تفاعلت منذ القرن التاسع عشر. و من هنا فإن أزمة السويس لا تمثل بداية أهمية القناة، و إنما تمثل نقطة تحول في السؤال عمن يملك حق إدارة هذه الأهمية داخل إطار السيادة المصرية.
المبحث الثاني: قناة السويس و البحر الأحمر في ظل التنافس الإستعماري و التحولات الدولية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية
تمهيد
إذا كان المبحث الأول قد تناول تشكل الأهمية الجغرافية و القانونية للقناة، فإن المرحلة التالية تكشف كيفية تحويل هذه الاهمية إلى أداة في صراع القوة. و قد أصبحت القناة أحد محاور الإستراتيجية البريطانية، في الوقت الذي أخذت فيه الحركة الوطنية المصرية تنظر إلى الوجود العسكري في منطقة القناة بوصفه رمزأً لإستمرار النفوذ الأجنبي.
أولاً: القناة في النظام الإمبراطوري البريطاني
إرتبطت القناة بخطوط الإتصال البريطانية نحو الهند و آسيا، و بذلك أصبحت جزءاً من منظومة الدفاع الإمبراطوري. و كان الحفاظ على وجود عسكري في منطقة القناة بالنسبة إلى لندن و سيلة لحماية طريق الإتصال، لكنه بالنسبة إلى الحركة الوطنية المصرية كان دليلاً على عدم إكتمال الإستقلال.
ثانياً: الحركة الوطنية و مشكلة السيادة
مع صعود الحركة الوطنية تحول الوجود البريطاني في منطقة القناة من مسألة عسكرية إلى قضية سيادة. فالخلاف لم يعد فقط حول عدد القوات البريطانية، بل حول حق مصر في إتخاذ القرار النهائي بشأن إقليمها و منشآتها الإستراتيجية.
ثالثاً: معاهدة 1936
أعادت معاهدة 1936 تنظيم الوجود البريطاني، و أبقت للقوات البريطانية وجوداً في منطقة القناة ضمن ترتيبات دفاعية. و قد ساعد إستمرار هذه الترتيبات على إبقاء القناة في قلب العلاقة المصرية – البريطانية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
رابعاً: الحرب العالمية الثانية
أكدت الحرب العالمية الثانية أن أمن القناة جزء من أمن الشرق الأوسط و من خطوط الإتصال العالمية. كما أظهرت أن أي تهديد للقناة يمكن أن يمتد إلى البحر الأحمر و شرق المتوسط و المحيط الهندي، وهو ما رسخ مفهوم القناة بوصفها عقدة إستراتيجية متعددة الأقاليم.
خامساً: نهاية الحرب العالمية الثانية و تغير ميزان القوة
أدت الحرب إلى تراجع القوة الأوروبية و صعود الولايات المتحدة و الإتحاد السوفيتي. و مع ذلك لم تختفِ المصالح البريطانية في القناة ، بل أصبحت تعمل في بيئة دولية جديدة تتنافس فيها القوى الكبرى على الشرق الأوسط. و من هنا بدأ إنتقالالقناة من منطق الإمبراطورية إلى منطق الحرب الباردة.
سادساً: من أمن الأمبراطورية إلى أمن الدولة الوطنية
أصبح الجلاء البريطاني هدفاً مركزياً للسياسة المصرية بعد الحرب، و إرتبطت المطالبة بالسيادة على منطقة القناة بإعادة تعريف الأمن. فالسيادة لم تعد مجرد مبدأ قانوني، بل أصبحت شرطاً للقدرة على إدارة الموارد و الممرات الإستراتيجية.
خلاصة المبحث الثاني
تكشف المرحلة السابقة على 1952 أن أزمة السويس كانت نتيجة تراكم تاريخي. فقد إجتمعت الأهمية الإمبراطورية للقناة مع صعود الحركة الوطنية المصرية و تغير ميزان القوة الدولي. و مع ثورة يوليوانتقل الصراع إلى مرحلة جديدة أصبح فيها الجلاء و السيادة الإقتصادية جزءاً من مشروع سياسي واحد.
المبحث الثالث: من الجلاء إلى التأميم – قناة السويس في التحول من النظام الإمبراطوري إلى نظام الحرب الباردة
تمهيد
شكلت ثورة يوبيو 1952 نقطة إنتقال من المطالبة بالجلاء إلى إعادة بناء مفهوم الأمن القومي المصري. و أصبحت منطقة القناة أحد أهم ميادين هذا التحول، فالإتفاق المصري – البريطاني في 19 أكتوبر 1954 أنهى مرحلة أساسية من الوجود العسكري البريطاني، لكنه لم ينهِ التنافس حول مستقبل القناة و دورها الدولي.
أولاً: إتفاق 1954 و إعادة صياغة الوجود البريطاني
جاء إتفاق 1954 في سياق تفاوض طويل حول الجلاء و قاعدة القناة. و من الناحية التحليلية، مثل الإتفاق إنتقالاً من الوجود العسكري المباشر إلى ترتيبات جديدة تعترف بالسيادة المصرية، مع إبقاء إعتبارات الأمن الدولي للقناة حاصرة. و هذا التمييز مهم لأنه يفسر لماذا لم يكن الجلاء نهاية الصراع، بل بداية إنتقاله إلى المجال الإقتصادي و السياسي.
ثانياً: السد العالي و تسييس التنمية
كان مشروع السد العالي بالنسبة إلى القيادة المصرية جزءاً من بناء الدولة و التنمية و الإستقلال الإقتصادي. و توضح وثائق وزارة الخارجية الأمريكية أن ملف تمويل السد العالي ظل مرتبطاً بالموقف من مصر خلال 1956، و أن المفاوضات الغربية بشأن التمويل سبقت قرار التأميم مباشرة. وقد أفردت FRUS مجلداً سابقاً لتطورات السد العالي وقرار سحب الدعم الأمريكي وصولاً إلى 26 يوليو 1956.
ثالثاً: التسليح و البحث عن هامش إستقلال إستراتيجي
ساهمت أزمة السلاح في دفع القاهرة إلى تنويع مصادر التسليح. و لم يكن هذا التحول عسكرياً فقط، بل كان جزءاً من تصور أوسع للإستقلال عن الضغوط الغربية. و هكذا أصبحت التنمية و التسليح و الجلاء و القناة عناصر مترابطة في تصور القيادة المصرية للأمن القومي.
رابعاً: التأميم في 26 يوليو 1956
جاء قرار تأميم شركة قناة السويس في 26 يولية 1956 بوصفه تتويجاً لمسار إعادة تعريف السيادة الإقتصادية. و قد نقل القرار ملكية الشركة إلى الدولة المصرية، مع وضع إطار للتعويض، و هو ما يجعل توصيف القرار بوصفه “مصادرة” دون تمييز قانوني تبسيطاً غير دقيق.
خامساً: القراءة الأمريكية البكرة للتأميم
تكشف الوثائق الأمريكية أن واشنطن درست منذ الأيام الأولى الجوامب القانونية و الإقتصادية و العسكرية للتأميم. و في وثيقة 27 يوليو 1956 يظهر أن التقييم البريطاني نفسه لم يكن قد حسم أن التأميم يمثل بالضرورة خرقاً لإتفاقية 19888، بينما بدأ التفكير العسكري في إحتمالات الإستيلاء على القناة مبكراً.
سادساً: تحول التأميم إلى أزمة دولية
لم يكن رد بريطانيا و فرنسا مجرد إعتراض على الملكية، بل إرتبط بمخاوف أوسع من تغير ميزان أن المباحثات الثلاثية بدأت سريعاً، و أن فكرة FRUS النفوذ فى الشرق الأوسط، و تكشف وثائق رابطة مستخدمي قناة السويس أصبحت محوراً مهماً في محاولة إعادة توزيع النفوذ على تشغيل القناة.
سابعاً: الولايات المتحدة بين إحتواء الأزمة و حماية المصالح
لم تكن الولايات المتحدة مؤيدة للتأميم على نحو مطلق، فقد رأت هيئة الأركان المشتركة أن نجاح عبد الناصر في تثبيت التأميم يمكن أن ينعكس على المصالح الأمريكية في مناطق أخرى،بينما حاولت الإدارة في الوقت نفسه منع حرب أوروبية–مصرية.وتكشف مذكرة 3 أغسطس 1956 هذا التوتر بوضوح بين القلق من آثار التأميم والرغبة في البحث عن حلول سياسية و إقتصادية قبل إستخدام القوة.
ثامناً: التقييم التحليلي
يظهر من هذه المرحلة أن التأميم لم يكن قراراً منفصلاً عن مشروع الدولة المصرية، كما لم يكن مجرد رد فعل على السد العالي. الأدق أنه جاء نتيجة تراكمات: الجلاء ، إعادة بناء السيادة، أزمة التمويل، التسليح، و تغير البيئة الدولية. و من ثم تحولت القناة من رمز للنفوذ الإمبراطوري إلى رمز للسيادة الوطنية.
خلاصة المبحث الثالث
إنتهت هذه المرحلة إلى تحويل قناة السويس من قضية عسكرية مرتبطة بالوجود البريطاني إلى قضية سيادة إقتصادية ذات أبعاد دولية. و هذا التحول هو الذي مهد مباشرة لأزمة 1956،التي ستكشف أن الصراع الحقيقي لم يكن حول شركة فقط،بل حول قواعد إدارة ممر إستراتيجي داخل دولة ذات سيادة.
المبحث الرابع: قناة السويس و البحر الأحمر في ظل الحرب الباردة و أزمة السويس 1956- السيادة الوطنية و أمن الممر الملاحي و صراع القوى الدولية
تمهيد
تمثل أزمة السويس لحظة إختبار كبرى للنظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. فقد تزامنت مع صعود القومية العربية و تراجع الإستعمار الأوروبي و تصاعد التنافس الأمريكي – السوفيتي. و لذلك لا تكفي قراءة الأزمة كخلاف بين مصر و شركة قناة السويس، إذ كانت في جوهرها صراعاً حول السيادة و حرية الملاحة و توزيع النفوذ.
أولاً: الموقف البريطاني و الفرنسي
رأت بريطانيا في التأميم تهديداً لمكانتها و مصالحها الإقتصادية و الإستراتيجية، بينما ربطت فرنسا الأزمة بصورة أوثق بصراعها مع عبد الناصر في سياق الحرب الجزائرية. و توضح الوثائق البريطانية أن حكومة إيدن بدأت منذ 27 يوليو دراسة متطلبات الإستيلاء على القناة إذا لزم الأمر، بما يثبت أن الخيار العسكري دخل مبكراً في الحسابات البريطانية.
ثانياً: رابطة مستخدمي قناة السويس
حاولت القوى الغربية إيجاد صيغة تمنح الدول المستخدمة للقناة نفوذاً في تشغيلها. و تكشف وثائق أن إقتراح رابطة المستخدمين كان أحد المحاور الرئيسية للتحرك الدبلوماسي الأمريكي، و أن المفاوضات حوله إمتدت من سبتمبر إلى أكتوبر.
ثالثاً: قرار مجلس الأمن 118
يعد القرار 118 الصادر فى 13 أكتوبر 1956 من أهم الوثائق القانونية للأزمة، فقد جمع بين حرية المرور في القناة و إحترام سيادة مصر، و دعا إلى عزل تشغيل القناة عن سياسات الدول، و تنظيم الرسوم بالإتفاق بين مصر و المستخدمين، و تسوية النواعات بالتحكيم. و بذلك يقدم القرار نموذجاً واضحاً لإمكان الجمع بين الوظيفة الدولية للممر و السيادة الوطنية.
رابعاً: الإنتقال من الدبلوماسية إلى القوة
بحلول أكتوبر تراجعت فرص التسوية ، و في 29 أكتوبر بدأت إسرائيل الهجوم على سيناء ، ثم وجهت بريطانيا و فرنسا إنذاراً إلى مصر و إسرائيل ، و بدأ القصف البريطاني – الفرنسي في 31 أكتوبر. و قد جعل هذا التطور القناة نفسها هدفاً و فضاءاً للعمليات العسكرية.
خامساً: مفارقة القوة و الملاحة
أظهرت الأزمة مفارقة إستراتيجية مهمة: القوة التى استخدمت بحجة حماية الممر أدت إلى تعطيل الممر. فحين أصبح الصراع عسكرياً لم تعد حرية الملاحة ممكنة، وهو ما يكشف أن أمن الممرات البحرية لا يتحقق بالسيطرة العسكرية وحدها.
سادساً: الأمم المتحدة وقوة الطوارئ
بعد تعذر إتخاذ إجراء فعال في مجلس الأمن، إنتقلت إدارة الأزمة إلى الجمعية العامة. و كان إنشاء قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة أحد أبرز نتائج الأزمة، إذ أصبح للأمم المتحدة حضور ميداني في إدارة مراحل الدعوة إلى الدورة الطارئة و إنشاء القوة و النزاعات و الضغط من أجل الإنسحاب و ليس مجرد دور تفاوضي.
سابعاً: الموقف الأمريكي
رفضت واشنطن إستمرار العمليات البريطانية و الفرنسية و الإسرائيلية، ليس فقط لأسباب قانونية، و إنما خشية إنهيار النفوذ الغربي في العالم العربي و توسيع الدور السوفيتي. و توضح الوثائق الأمريكية أن الإدارة تابعت الأزمة بصورة يومية تقريباً خلال الفترة من 29 أكتوبر إلى 6 نوفمبر ، ثم ضغطت من أجل الإنسحاب.
ثامناً: الموقف السوفيتي
إستثمر الإتحاد السوفيتي الأزمة في خطاب مناهض للإستعمار، و دعم مصر سياسياً. غير أن قراءة هذا الدعم بإعتباره موقفاً مبدئياً خالصاً ستكون ناقصة، فقد كان أيضاً وسيلة لتوسيع النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط و إضعاف القوى الأوروبية.
تاسعاً: النتيجة السياسية للأزمة
انتهت الأزمة بإنسحاب بريطانيا و فرنسا و إسرائيل، و إستمرار السيطرة المصرية على القناة. و على الرغم من التفوق العسكري للمهاجمين فى الميدان، فإن النتيجة الإستراتيجية جاءت مختلفة، فقد تعززت مكانة مصر، و تراجع هامش العمل المستقل لبريطانيا و فرنسا، و برزت الولايات المتحدة و الإتحاد السوفيتي و الأمم المتحدة كعناصر حاسمة في تحديد نتائج أزمات الشرق الأوسط.
عاشراً: التقييم النظري
تكشف الأزمة أن “أمن القناة” مفهوم مركب: سيادة إقليمية، و حرية ملاحة، و إستقرار سياسي، و أمن إقليمي، و شرعية دولية، و قدرة إقتصادية. و إذا إختل أحد هذه العناصر فقد يتحول الممر من أداة إتصال إلى مصدر للصراع.
خلاصة المبحث الرابع
تؤكد أزمة 1956 أن دولية الملاحة لا تستلزم تدويل السيادة، و قد قدم قرار مجلس الأمن 118 أساساً لهذا التمييز. كما أثبتت الأزمة أن القوة العسكرية وحدها لا تضمن أمن الممر، و أن شرعية إستخدام القوة و الدعم الدولي و القدرة الإقتصادية عوامل حاسمة في النتائج الإستراتيجية.
المبحث الخامس: إغلاق قناة السويس بعد حرب 1967 و إعادة إفتتاحها عام 1975 – تحول مفهوم أمن القناة و البحر الأحمر
تمهيد
تمثل الفترة بين يونيو 1967 و يونيو 1975 مرحلة إختبار ثانية للأمن الملاحي. فإذا كانت أزمة 1956 قد أثبتت أن السيطرة العسكرية لا تكفي لحماية القناة، فإن إغلاقها لسنوات بعد حرب 1967 أظهر أن إستمرار الملاحة يحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة و إلى إزالة المخاطر العسكرية و المادية.
أولاً: إغلاق القناة بعد حرب يونيو 1967
توقفت الملاحة في القناة عقب حرب 1967، و تحولت منطقة القناة إلى خط مواجهة، و تظهر وثائق الأمم المتحدة تقارير رسمية عن مراقبة وقف إطلاق النار في قطاع القناة خلال 1967، بما يؤكد أن المنطقة أصبحت جزءاً من منظومة دولية لمراقبة النزاع.
ثانياً: القناة وحرب الإستنزاف
خلال حرب الإستنزاف إرتبط أمن القناة مباشرة بالأمن العسكري المصري – الإسرائيلي، و أصبح إستمرار الإغلاق نتيجة من نتائج الصراع. في الوقت الذي تحولت فيه مدن القناة إلى جزء من الجبهة. و من هنا إنتقل مفهوم الأمن من حماية الممر إلى حماية المجال الإقليمي المحيط به.
ثالثاً: الأثر الإقتصادي و الإستراتيجي للإغلاق
أدى إغلاق القناة إلى إعادة توجيه جزء من حركة الملاحة حول رأس الرجاء الصالح. لكنه لم يلغِ القيمة الإستراتيجية للقناة، بل كشف أن البديل أطول و أكثر كلفة في عدد من الحالات، و أن الممر يظل جزءاً مهماً من هندسة التجارة البحرية العالمية.
رابعاً: البحر الأحمر و المحيط الهندي
أكدت تجربة الإغلاق أن القناة و البحر الأحمر لا يمكن دراستهما كمسارين منفصلين، فالقناة هي المدخل الشمالي للبحر الأحمر، بينما يمثل البحر الأحمر طريق الإتصال إلى باب المندب و المحيط الهندي. و لذلك فإن أمن القناة يرتبط بإستقرار منظومة بحرية أوسع.
خامساً: حرب 1973 و الإنتقال إلى التسوية
أعادت حرب أكتوبر 1973 القناة إلى مركز الحسابات السياسية و العسكرية، لكنها فتحت كذلك الطريق أمام ترتيبات سياسية جديدة. و مع تقدم التسوية المصرية – الإسرائيلية أصبحت إعادة فتح القناة جزءاً من عملية إستعادة الأراضي و تهيئة بيئة إقليمية تسمح بإستئناف الملاحة.
سادساً: إعادة إفتتاح القناة في 5 يونيو 1975
تؤكد هيئة قناة السويس أن الملاحة توقفت منذ يونيو 1967، و أن القناة أعيد إفتتاحها للملاحة العالمية في 5 يونيو 1975 بعد إزالة مخلفات الحرب و السفن الغارقة و تهيئة المجرى للملاحة.
سابعاً: تطهير القناة بوصفه عنصراً من عناصر الأمن
تكشف إعادة الفتح أن أمن الممر ليس مسألة عسكرية مجردة، فقد احتاجت القناو إلى إزالة الألغام و العوائق و رفع السفن الغارقة و إعادة تجهيزها للملاحة، و من ثم فإن الأمن الملاحي يتطلب قدرة هندسية و فنية إلى جانب الإستقرار السياسي.
ثامناً: التحول في مفهوم الأمن
أنتجت تجربة 1967 – 1975 مفهوماً أكثر تركيباً للأمن ، لا يكفي إمتلاك السيادة، و لا يكفي وجود قوة عسكرية، و لا تكفي القواعد القانونية، بل يجب أن تتوافر سلامة المجرى، و حرية الملاحة، و الإستقرار الإقليمي، و إمكان إدارة الأزمات.
خلاصة المبحث الخامس
أثبت إغلاق القناة و إعادة إفتتاحها أن أمنها جزء من أمن البحر الأحمر و النظام البحري الدولي، كما أثبت أن إستعادة الملاحة عملية سياسية و تقنية و إستراتيجية في آن واحد، و أن القناة تظل أداة للإتصال و التجارة حتى عندما تتغير طبيعة الصراع المحيط بها.
المبحث السادس: قناة السويس وأمن الممرات الملاحية في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة
تمهيد
مثّلت إعادة افتتاح قناة السويس للملاحة الدولية في 5 يونيو 1975 نقطة تحول مهمة في تاريخ القناة، إذ أنهت فترة الإغلاق التي استمرت منذ حرب يونيو 1967، وأعادت القناة إلى أداء وظيفتها باعتبارها أحد أهم الممرات الملاحية التي تربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، ومن ثم تربط الأسواق الأوروبية والآسيوية. وتؤكد هيئة قناة السويس أن الملاحة توقفت بالقناة عقب حرب يونيو 1967 إلى أن أعلن الرئيس أنور السادات إعادة افتتاحها للملاحة العالمية في يونيو 1975.
غير أن أهمية قناة السويس لم تعد تقتصر على بعدها الاقتصادي أو التجاري، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بمفهوم الأمن البحري العالمي، ولا سيما في ظل تزايد الأزمات والصراعات المسلحة في المناطق المحيطة بالممرات البحرية الرئيسية. فقد أظهرت أزمة البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023 أن أي اضطراب أمني في أحد الممرات المتصلة بقناة السويس يمكن أن يؤدي إلى إعادة تشكيل حركة التجارة العالمية، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وإعادة توجيه السفن لمسافات طويلة حول رأس الرجاء الصالح. وقد قدرت الأونكتاد أن عبور السفن لقناة السويس انخفض بصورة كبيرة خلال أزمة البحر الأحمر، بينما أدى تحويل السفن إلى طرق بديلة إلى زيادة مسافات النقل وتكاليف التجارة والانبعاثات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ضوء الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران خلال عام 2026، والتي أدت إلى تصاعد المخاطر الأمنية في مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، بما يجعل أمن قناة السويس جزءًا من منظومة أمنية أوسع تشمل سلسلة من نقاط الاختناق البحرية الممتدة من الخليج العربي إلى البحر المتوسط.
ومن ثم، يمكن تحليل التطورات الراهنة من خلال المحاور الآتية:
أولًا: من أمن قناة السويس إلى أمن شبكة الممرات البحرية
أظهرت التطورات التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة أن قناة السويس لا يمكن النظر إليها باعتبارها ممرًا مائيًا منفصلًا عن محيطها الجغرافي، وإنما باعتبارها حلقة مركزية ضمن شبكة مترابطة من الممرات البحرية.
وتبدأ هذه الشبكة من مضيق هرمز في الخليج العربي، مرورًا بخليج عُمان وبحر العرب، ثم خليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر، وصولًا إلى قناة السويس والبحر المتوسط.
وتكمن أهمية هذا الترابط في أن الخطر الذي يصيب إحدى حلقات الشبكة يمكن أن ينتقل تأثيره إلى الحلقات الأخرى. فعندما تتعرض الملاحة في البحر الأحمر للخطر، لا تقتصر النتائج على السفن الموجودة في المنطقة، وإنما تمتد إلى قناة السويس نتيجة قيام شركات الملاحة بإعادة توجيه سفنها بعيدًا عن البحر الأحمر.
وقد أكدت الأونكتاد أن الاضطرابات التي شهدها البحر الأحمر أدت إلى إعادة توجيه أعداد كبيرة من السفن حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما أدى إلى زيادة مسافات الرحلات وتكاليف النقل وارتفاع حالة عدم اليقين بالنسبة لسلاسل الإمداد العالمية.
وبذلك أصبح مفهوم أمن قناة السويس يتجاوز تأمين المجرى الملاحي ذاته ليشمل أمن المناطق البحرية المؤدية إليه، وفي مقدمتها البحر الأحمر وباب المندب.
ثانيًا: الحرب على إيران وإعادة تشكيل المخاطر على الممرات البحرية
تمثل الحرب الدائرة في عام 2026 بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى تطورًا بالغ الأهمية بالنسبة لأمن الممرات البحرية في الشرق الأوسط.
وتكمن خطورة هذه الحرب في وقوعها بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق هرمز، الذي يمثل البوابة البحرية الرئيسية لخروج صادرات الطاقة من الخليج العربي إلى الأسواق العالمية.
وقد شهدت الملاحة عبر المضيق انخفاضًا حادًا خلال التصعيد العسكري الأخير. ففي 2 سبتمبر 2026، أشارت بيانات حركة السفن إلى مرور أربع سفن تجارية تحمل سلعًا عبر مضيق هرمز في يوم واحد، مقارنة بمتوسط يقارب 13 سفينة خلال عشرة أيام، كما انخفضت حركة السفن عبر باب المندب كذلك عن مستوياتها المعتادة.
وتكشف هذه التطورات عن تحول المخاطر من مجرد تهديد نظري إلى عامل مباشر يؤثر في قرارات شركات النقل البحري والطاقة.
فالشركات لا تحتاج بالضرورة إلى تعرض سفنها لهجوم مباشر حتى تتخذ قرارًا بتغيير مسارها؛ إذ يكفي ارتفاع احتمالات الهجوم أو الألغام البحرية أو تعطيل الملاحة أو ارتفاع تكاليف التأمين لكي تصبح بعض الطرق البحرية أقل جاذبية اقتصاديًا.
ومن هنا، فإن الحرب على إيران لا تؤثر في مضيق هرمز فقط، وإنما يمكن أن تمتد آثارها إلى:
مضيق هرمز.
خليج عُمان.
بحر العرب.
خليج عدن.
باب المندب.
البحر الأحمر.
قناة السويس.
البحر المتوسط.
وبالتالي فإن الصراع العسكري في منطقة الخليج أصبح قادرًا على التأثير بصورة غير مباشرة في حركة التجارة عبر قناة السويس.
ثالثًا: مضيق هرمز وقناة السويس كحلقتين متكاملتين في أمن الطاقة والتجارة العالمية
يمثل مضيق هرمز وقناة السويس حالتين مختلفتين من حيث الطبيعة الجغرافية والقانونية، إلا أنهما مرتبطان بصورة وثيقة من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية.
فمضيق هرمز يمثل نقطة الاختناق الأساسية أمام صادرات النفط والغاز من الخليج، بينما تمثل قناة السويس أحد أهم الطرق التي تربط مصادر الإنتاج والأسواق الآسيوية بالأسواق الأوروبية.
وقد أظهرت التطورات الحالية أن تعطيل الملاحة في هرمز يؤدي إلى تأثيرات متسلسلة على حركة ناقلات الطاقة، وهو ما يدفع بعض الدول والشركات إلى البحث عن طرق بديلة وخيارات لوجستية جديدة. وفي أغسطس 2026، أشارت تقارير إلى قيام دول خليجية بتسريع مشروعات الموانئ وخطوط الأنابيب التي تسمح بتجاوز مضيق هرمز، نتيجة استمرار اضطراب الملاحة فيه.
كما ظهرت خلال سبتمبر 2026 ترتيبات غير معتادة لنقل شحنات الغاز الطبيعي المسال، من بينها عمليات نقل من سفينة إلى أخرى خارج مضيق هرمز، بهدف تقليل المخاطر المرتبطة بمرور السفن عبر المنطقة المضطربة.
وتوضح هذه التطورات أن أمن الممرات البحرية لم يعد قضية عسكرية فقط، بل أصبح قضية تتعلق أيضًا بـ:
أمن الطاقة.
الأمن الاقتصادي.
أمن سلاسل الإمداد.
استقرار أسعار النفط والغاز.
أمن الغذاء.
تكلفة النقل البحري.
التأمين البحري.
قدرة الدول على الوصول إلى الأسواق العالمية.
رابعًا: انعكاسات اضطراب البحر الأحمر وباب المندب على قناة السويس
تعتبر أزمة البحر الأحمر التي بدأت بصورة واضحة منذ أواخر عام 2023 نموذجًا مهمًا لفهم طبيعة المخاطر التي تواجه قناة السويس.
فالهجمات على السفن التجارية دفعت عددًا من شركات الملاحة الدولية إلى تجنب المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس، واللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح.
وتشير بيانات الأونكتاد إلى أن عدد السفن العابرة لقناة السويس انخفض بصورة كبيرة خلال الأزمة، كما انخفضت عبورات سفن الحاويات، وهو ما أدى إلى ارتفاع مسافات النقل وتكاليف الشحن.
وتكمن أهمية هذه السابقة في أنها أثبتت أن أمن قناة السويس لا يتحدد داخل حدود القناة نفسها؛ فالتهديد الذي يقع على سفينة في باب المندب يمكن أن يؤدي إلى قرار بتجنب قناة السويس بالكامل.
وهنا يظهر مفهوم يمكن تسميته:
الأمن الجيوسياسي المتكامل للممرات البحرية.
ويعني أن حماية الممر الملاحي لا تقتصر على تأمين منشآته ومياهه، وإنما تتطلب استقرار البيئة الإقليمية المحيطة به.
خامسًا: التأثير الاقتصادي على قناة السويس والاقتصاد المصري
تمثل قناة السويس مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية والاقتصاد المصري، ولذلك فإن أي انخفاض طويل الأمد في حركة السفن ينعكس بصورة مباشرة على الإيرادات المصرية.
وقد أعلنت هيئة قناة السويس في ديسمبر 2025 أن إجمالي إيرادات القناة خلال الفترة 2019–2024 بلغ نحو 40 مليار دولار، كما أشارت إلى تحسن مؤشرات الحركة خلال النصف الثاني من 2025، مع تسجيل زيادة في عدد السفن والحمولات والإيرادات مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وتكشف هذه الأرقام عن طبيعة العلاقة بين الاستقرار الجيوسياسي وأداء القناة.
فكلما ارتفع مستوى الأمن في البحر الأحمر وباب المندب، زادت احتمالات عودة شركات الملاحة إلى استخدام الطريق الأقصر عبر قناة السويس.
أما استمرار التهديدات العسكرية، فيؤدي إلى:
ارتفاع مخاطر الملاحة → ارتفاع التأمين → ارتفاع تكلفة الرحلة → تغيير مسار السفن → انخفاض حركة المرور عبر قناة السويس → انخفاض الإيرادات.
لكن هذه العلاقة ليست حتمية على المدى الطويل؛ فقد تؤدي زيادة المخاطر في مضيق هرمز إلى زيادة أهمية قناة السويس بالنسبة لبعض ناقلات الطاقة التي تبحث عن طرق بديلة، وهو ما ظهر بالفعل في ارتفاع حركة ناقلات النفط عبر القناة خلال بعض مراحل عام 2026.
وبالتالي فإن الحرب يمكن أن تنتج أثرين متناقضين على القناة:
الأثر الأول: سلبي
نتيجة خوف شركات الملاحة من المرور في البحر الأحمر وباب المندب.
الأثر الثاني: إيجابي محتمل
نتيجة زيادة الطلب على قناة السويس باعتبارها جزءًا من طرق إعادة توزيع حركة الطاقة والتجارة عندما تتعرض طرق أخرى للخطر.
سادسًا: قناة السويس في إطار التنافس الدولي على الممرات البحرية
أدت التطورات الراهنة إلى زيادة الأهمية الجيوسياسية للممرات البحرية، ولم تعد المنافسة الدولية مقتصرة على السيطرة على الأراضي أو القواعد العسكرية، وإنما امتدت إلى القدرة على ضمان الوصول إلى طرق التجارة والطاقة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية قناة السويس بالنسبة إلى:
الولايات المتحدة.
الصين.
الدول الأوروبية.
روسيا.
دول الخليج.
الهند.
اليابان وكوريا الجنوبية.
وتزداد أهمية هذا العامل بالنسبة إلى الصين على وجه الخصوص، نظرًا لاعتماد تجارتها مع أوروبا بصورة كبيرة على الطرق البحرية التي تمر عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس.
كما أن اضطراب هذه الطرق يدفع القوى الكبرى إلى البحث عن بدائل، مثل:
طريق رأس الرجاء الصالح.
الممر الاقتصادي بين الشرق والغرب.
خطوط الأنابيب البرية.
الموانئ البديلة.
الممرات القطبية.
وقد أصبحت الطرق البحرية البديلة جزءًا من الحسابات الجيوسياسية للقوى الكبرى، وليس مجرد حلول تجارية مؤقتة.
سابعًا: البعد القانوني لأمن الممرات البحرية
تكتسب قضية أمن الملاحة أهمية قانونية إلى جانب أهميتها السياسية والعسكرية.
فالقانون الدولي للبحار يضع قواعد خاصة للمضائق المستخدمة للملاحة الدولية، ويقرر نظام المرور العابر (Transit Passage) للسفن والطائرات في المضائق التي تنطبق عليها الشروط القانونية ذات الصلة، مع التأكيد على عدم جواز إعاقة هذا المرور.
كما تنص المادة 44 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على التزامات الدول المشاطئة للمضائق بعدم إعاقة المرور العابر، وعلى عدم جواز تعليقه.
أما قناة السويس فلها وضع قانوني خاص يرتبط بصورة أساسية باتفاقية القسطنطينية لعام 1888، التي كرست مبدأ حرية الملاحة في القناة.
ومن ثم، فإن التطورات الراهنة تعيد طرح سؤال جوهري يتعلق بمدى قدرة القانون الدولي على حماية حرية الملاحة في حالة نشوب نزاع مسلح واسع النطاق في المنطقة.
وتظهر هنا إشكالية أساسية:
هل تكفي القواعد القانونية الدولية لضمان حرية الملاحة عندما تكون الدول أو الجماعات المسلحة مستعدة لتحمل تكلفة انتهاكها؟
والواقع أن أزمة البحر الأحمر والحرب على إيران أظهرتا وجود فجوة بين الحق القانوني في الملاحة وبين القدرة العملية على ممارسة هذا الحق بأمان.
ثامنًا: السيناريوهات المستقبلية لأمن قناة السويس
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل أمن قناة السويس في ضوء التطورات الحالية:
السيناريو الأول: عودة الاستقرار الإقليمي
في حال انتهاء الحرب على إيران ونجاح الترتيبات الأمنية في البحر الأحمر وباب المندب، فمن المرجح أن تعود شركات الملاحة تدريجيًا إلى استخدام قناة السويس.
ويؤدي ذلك إلى:
ارتفاع أعداد السفن.
زيادة إيرادات القناة.
انخفاض تكاليف التأمين.
انخفاض أسعار الشحن.
استعادة القناة جزءًا كبيرًا من مكانتها في حركة التجارة العالمية.
السيناريو الثاني: استمرار التوتر دون حرب شاملة
وهو السيناريو الأكثر تعقيدًا؛ إذ قد تستمر بعض الشركات في استخدام قناة السويس بينما تستمر شركات أخرى في تجنب البحر الأحمر.
وفي هذه الحالة ستظل القناة تعمل، لكن عند مستويات أقل من إمكاناتها الكاملة، مع استمرار ارتفاع تكاليف التأمين والنقل.
السيناريو الثالث: اتساع الحرب وتحولها إلى أزمة إقليمية شاملة
يمثل هذا السيناريو أخطر الاحتمالات بالنسبة إلى قناة السويس.
فإذا امتدت العمليات العسكرية إلى الخليج العربي والبحر الأحمر وباب المندب بصورة متزامنة، فقد تواجه حركة الملاحة الإقليمية أزمة واسعة، ويصبح طريق رأس الرجاء الصالح البديل الرئيسي أمام السفن.
وفي هذه الحالة لن تكون المشكلة اقتصادية فقط، وإنما ستتحول إلى أزمة استراتيجية عالمية تؤثر في الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والأسواق المالية.
تاسعًا: مصر وقناة السويس بين تحديات الأمن وفرص تعزيز المكانة الجيوسياسية
تفرض التطورات الراهنة على مصر إعادة النظر إلى قناة السويس باعتبارها أصلًا استراتيجيًا يتجاوز قيمته الاقتصادية المباشرة.
فموقع مصر يمنحها قدرة استثنائية على التأثير في حركة التجارة بين الشرق والغرب، إلا أن هذه الميزة الجغرافية ترتبط باستقرار البيئة الأمنية المحيطة بها.
ومن هنا، يمكن لمصر تعزيز مكانة قناة السويس من خلال عدة مسارات، من أهمها:
تعزيز قدرات المراقبة البحرية والإنذار المبكر.
تطوير قدرات مكافحة الألغام والتهديدات البحرية.
تعزيز التعاون الأمني مع الدول المطلة على البحر الأحمر.
دعم آليات الأمن الجماعي للممرات البحرية.
تطوير الخدمات اللوجستية المرتبطة بالقناة.
زيادة قدرة الموانئ المصرية على تقديم خدمات متكاملة للسفن.
الاستمرار في تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية الكبرى.
دعم الجهود الدولية لضمان حرية الملاحة.
تنويع مصادر إيرادات القناة وعدم الاعتماد على رسوم العبور وحدها.
وتكتسب هذه الاستراتيجية أهمية خاصة في ضوء توقعات هيئة قناة السويس بتحسن الإيرادات، مع تقديراتها بأن تصل الإيرادات إلى نحو 8 مليارات دولار في السنة المالية 2026/2027 ونحو 10 مليارات دولار في 2027/2028 إذا استقرت الظروف الإقليمية وعادت حركة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية.
خلاصة المبحث السادس
تكشف دراسة التطورات الجيوسياسية الراهنة أن تاريخ قناة السويس لم ينته بإعادة افتتاحها للملاحة الدولية عام 1975، وإنما دخل مرحلة جديدة أصبح فيها أمن القناة مرتبطًا بصورة متزايدة بأمن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بها.
الخاتمة العامة
تخلص الدراسة إلى أن تاريخ قناة السويس و البحر الأحمر هو تاريخ لتحول مفهوم الأمن نفسه، ففي القرن التاسع عشر إرتبط الأمن بالمصالح الإمبراطورية و حماية خطوط الإتصال، ثم أصبح بعد الحرب العالمية الثانية مرتبطاً بالسيادة الوطنية و توازن القوى ، بينما كشفت أزمتا 1956 و 1967 – 1975 أن الأمن البحري لا يمكن إختزاله في القوة العسكرية.
و تؤكد المقارنة بين الوثائق أن القناة كانت دائماً نقطة إلتقاء بين المحلي و الدولي، فالدولة المصرية تنظر إليها بإعتبارها جزءاً من إقليمها و سيادتها ، بينما تنظر القوى البحرية الكبرى إليها بإعتبارها ممراً ذا وظيفة عالمية، و لم تكن هذه الرؤيتان متناقضتان بالضرورة، إذ أثبت قرار مجلس الأمن 118 عام 1956 إمكانية الجمع بين إحترام السيادة المصرية و حرية الملاحة.
و تكمن النتيجة النظرية الأساسية في أن “أمن الممرالبحري الإستراتيجي” مفهوم متعدد الأبعاد ، يتكون من السيادة ، و حرية الملاحة ، و الإستقرار الإقليمي، و الأمن الإقتصادي ، و القدرة الفنية ، و الشرعية الدولية ، و إدارة الأزمات.
و هذه الخلاصة تمنح دراسة قناة السويس و البحر الأحمر قيمة تتجاوز التاريخ الوصفي إلى تحليل بنية الأمن البحري الدولي.
فإذا كانت حروب القرن العشرين قد أظهرت أن الصراع العسكري يمكن أن يؤدي إلى إغلاق القناة، فإن أزمات القرن الحادي والعشرين كشفت عن صورة أكثر تعقيدًا، تتمثل في إمكانية تعطيل القناة بصورة غير مباشرة من خلال تهديد الممرات البحرية المؤدية إليها.
وقد أثبتت أزمة البحر الأحمر أن الهجمات على السفن في باب المندب يمكن أن تؤدي إلى إعادة توجيه التجارة العالمية بعيدًا عن قناة السويس، بينما أظهرت الحرب على إيران عام 2026 أن اضطراب مضيق هرمز يمكن أن يخلق بدوره تأثيرات متسلسلة على منظومة الملاحة والطاقة في المنطقة.
وبذلك أصبحت قناة السويس جزءًا من منظومة استراتيجية متكاملة للممرات البحرية تبدأ من مضيق هرمز، مرورًا ببحر العرب وباب المندب والبحر الأحمر، وتنتهي بالبحر المتوسط.
ومن ثم، فإن الحفاظ على المكانة الاستراتيجية لقناة السويس لا يتطلب فقط تأمين المجرى الملاحي، وإنما يتطلب أيضًا دعم الاستقرار الإقليمي، وتعزيز التعاون الدولي في مجال الأمن البحري، وتطوير القدرات المصرية في مجالات النقل واللوجستيات والموانئ والخدمات البحرية.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن أهمية قناة السويس في المرحلة الراهنة لا تتراجع بسبب ظهور طرق بديلة، وإنما تزداد قيمتها الاستراتيجية كلما ازدادت هشاشة الممرات البحرية المنافسة. فالأزمات التي تضرب هرمز وباب المندب والبحر الأحمر تؤكد أن السيطرة على طرق التجارة العالمية لم تعد مجرد مسألة اقتصادية، وإنما أصبحت أحد عناصر القوة الجيوسياسية للدول.
قائمة المصادر الأولية و المراجع المعتمدة
-هيئة قناة السويس “معاهدة القسطنطينية” في 29 أكتوبر سنة 1888، النص الرسمي.
– هيئة قناة السويس “قرار تأميم قناة السويس سنة 1956″، النص الرسمي 26 يوليو 1956.
– هيئة قناة السويس “تاريخ قناة السويس” ، المواد التاريخية الرسمية المتعلقة بالإفتتاح و التأميم و الإغلاق و إعادة الإفتتاح.
– United States Department of State, Foreign Relations of the United States, 1952–1954, Vol. IX, Part 2, The Near and Middle East: Egypt October 1954
– United States Department of State, Foreign Relations of the United States, 1955–1957, Vol. XV, The Arab-Israeli Dispute, January 1–July 26, 1956
– United States Department of State, Foreign Relations of the United States, 1955-1957, Vol.xvi, Suez Crisis, July 26 – December 31, 1956, Documents 1-671
– United Nations Security Council, Resolution 118 (1956), S/RES/118, 13 October 1956.
– United Nations Security Council, Resolution 119 (1956), S/RES/119, 31 October 1956.
– United Nations General Assembly, Resolution 997 (ES-I), A/RES/997(ES-I), 2 November 1956.
– United Nations General Assembly, Resolution 1000 (ES-I), 5 November 1956.
– United Nations official documents and reports concerning the Suez Canal sector and cease-fire monitoring after 1967.
– Convention respecting the Free Navigation of the Suez Maritime Canal, Constantinople, 29 October 1888, Art. I
.– Wm. Roger Louis and Roger Owen (eds.), Suez 1956: The Crisis and its Consequences, Oxford University Press, 1991
.– Keith Kyle, Suez: Britain’s End of Empire in the Middle East.
– Anthony Gorst and Lewis John man, The Suez Crisis.
– Selwyn Lloyd, Suez 1956: A Personal Account.
– Donald Neff, Warriors at Suez: Eisenhower Takes America into the Middle East.
